تُعد صناعة الرقائق الإلكترونية (أشباه الموصلات) من أكثر القطاعات الاستراتيجية أهمية بالنسبة للاقتصاد الألماني، نظرًا لدورها المحوري في دعم التحول الرقمي، وتعزيز الابتكار الصناعي، والحفاظ على القدرة التنافسية للصناعات الألمانية، وفي مقدمتها صناعة السيارات، والهندسة الميكانيكية، والتكنولوجيا الطبية، والاتصالات، والطاقة. كما أصبحت هذه الصناعة عنصرًا أساسيًا في سلاسل القيمة العالمية، إذ تدخل مكوناتها في مختلف المنتجات الصناعية والاستهلاكية، بدءًا من الهواتف الذكية والحواسيب وصولًا إلى المركبات الكهربائية والمعدات الصناعية المتقدمة.

وتزايدت أهمية هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد المنافسة التكنولوجية بين القوى الاقتصادية الكبرى، الأمر الذي دفع ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى اعتبار تعزيز القدرات المحلية في مجال أشباه الموصلات أولوية اقتصادية واستراتيجية، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، وتعزيز السيادة التكنولوجية الأوروبية، وتأمين احتياجات الصناعات الحيوية من الرقائق الإلكترونية.

أهم السياسات الحكومية الألمانية لدعم صناعة الرقائق الإلكترونية

منذ عام 2019م، تنفذ الحكومة الألمانية سياسة متكاملة لتعزيز صناعة الإلكترونيات الدقيقة وأشباه الموصلات، انطلاقًا من اعتبارها قطاعًا استراتيجيًا يرتبط بالقدرة التنافسية للاقتصاد الألماني والأوروبي. وفي هذا الإطار، تدعم وزارة الاقتصاد والطاقة مشاريع صناعية وبحثية ضمن إطار المشاريع المهمة ذات الاهتمام الأوروبي المشترك (IPCEI)، والتي تستهدف إنشاء مصانع متطورة لإنتاج أشباه الموصلات، وتطوير مختبرات حديثة، وإقامة خطوط إنتاج جديدة، بما يسهم في تعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية الأوروبية وتحويل نتائج الأبحاث العلمية إلى تطبيقات صناعية قابلة للتسويق.

واعتمدت الحكومة الألمانية في أكتوبر 2025م أول استراتيجية وطنية متكاملة للإلكترونيات الدقيقة، بهدف تعزيز مكانة ألمانيا كأحد المراكز الأوروبية الرائدة في تطوير وتصنيع أشباه الموصلات، وضمان السيادة التكنولوجية وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية العالمية. وتستند الاستراتيجية إلى تكامل الجهود الوطنية مع المبادرات الأوروبية، وعلى رأسها قانون الرقائق الأوروبي (European Chips Act)، بما يعزز قدرة أوروبا على المنافسة في قطاع أشباه الموصلات.

وترتكز الاستراتيجية على ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في: تعزيز القدرات الألمانية في تصميم الرقائق الإلكترونية، وتسريع نقل نتائج البحوث إلى الإنتاج الصناعي، وتوسيع قاعدة التصنيع المحلي مع توفير الكفاءات البشرية اللازمة. كما تسعى إلى زيادة جاذبية ألمانيا للاستثمارات في قطاع الإلكترونيات الدقيقة، ودعم الابتكار في التقنيات المستقبلية، والحفاظ على مرونة سلاسل التوريد في مواجهة الأزمات.

ولتحقيق هذه الأهداف، حددت الحكومة ست مجالات عمل رئيسية تشمل: تطوير قدرات تصميم الرقائق، وتسريع التحول من المختبر إلى المصنع (From Lab to Fab)، وتوفير المزيد من الكفاءات المتخصصة ورفع مستوى تأهيلها، وتحفيز الاستثمارات الصناعية، وتعزيز التعاون الأوروبي والدولي، إلى جانب تحسين الإطار التنظيمي وضمان أمن البحث العلمي والإنتاج الصناعي.

موقع ألمانيا على خريطة صناعة الرقائق الالكترونية العالمية

اظهرت دراسة حديثة صادرة عن معهد إيفو  (ifo) ومركز EconPol Europe أن ألمانيا تُعد واحدة من أهم تسع دول على مستوى العالم في صناعة أشباه الموصلات، ليس فقط بفضل إنتاجها للرقائق الإلكترونية، وإنما أيضًا لدورها المحوري في تصدير معدات تصنيع الرقائق والمواد الأولية اللازمة لهذه الصناعة، ما يجعلها عنصرًا رئيسيًا في سلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات.

وأكدت الدراسة التي نشرت في نوفمبر من العام 2026م والتي حملت عنوان «التعقيدات والاعتماد المتبادل في سلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات»، أن الاعتماد العالمي في هذه الصناعة ليس أحادي الاتجاه، بل يقوم على شبكة واسعة من العلاقات التجارية والإنتاجية المتبادلة بين الدول.  كما اوضحت أن مصطلح «أشباه الموصلات» يشمل مجموعة واسعة ومتنوعة من المنتجات، مثل رقائق الذاكرة، والرقائق المنطقية المستخدمة في معالجة البيانات، وترانزستورات القدرة، والرقائق البصرية، وأجهزة الاستشعار. ووفقًا للدراسة، يوجد نحو 75 نوعًا مختلفًا من أشباه الموصلات، لكل منها متطلبات إنتاج واستخدام مختلفة.

وتتكون سلسلة إنتاج الرقائق الإلكترونية من ثلاث مراحل رئيسية هي: تصميم الرقائق، والتصنيع، ثم التجميع والاختبار والتغليف، وتعتمد كل مرحلة على منظومة معقدة من المعدات والمواد والخدمات، وهو ما يجعل سلسلة القيمة العالمية مترابطة بصورة كبيرة.

وبحسب الدراسة فقد شاركت نحو 70 دولة في تجارة أشباه الموصلات في عام 2022م، وبلغ حجم التجارة العالمية في هذا القطاع حوالي 1.2 تريليون دولار. واستحوذت الرقائق النهائية، وخاصة الرقائق المنطقية ورقائق الذاكرة، على الحصة الأكبر من هذه التجارة، بينما جاءت معدات تصنيع الرقائق في المرتبة الثانية من حيث الأهمية.

ورغم الطابع العالمي للصناعة، فإن إنتاج الرقائق يظل متركزًا في عدد محدود من الدول، حيث تنتج كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وماليزيا والصين أكثر من 50 في المئة من الرقائق المتداولة عالميًا. وفي المقابل، تؤدي ألمانيا واليابان والولايات المتحدة وهولندا دورًا رياديًا في توفير المعدات والتقنيات المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات.

وأوضحت ليساندرا فلاخ، مديرة مركز التجارة الخارجية في معهد إيفو، أن الصورة تختلف عند النظر إلى سلسلة القيمة بأكملها، إذ لا تقتصر أهمية ألمانيا على تصدير الرقائق النهائية، بل تمتد إلى تصدير معدات الإنتاج والمواد الخام، وهو ما يجعل الصادرات الألمانية في هذا المجال تفوق الواردات. وأضافت أن الاعتماد في صناعة أشباه الموصلات يقوم على تبادل المصالح بين الدول، وليس على هيمنة طرف واحد.

كما بينت الدراسة أن الصين وتايوان تتصدران صادرات الدوائر الإلكترونية المتكاملة، بينما تتميز الولايات المتحدة وألمانيا واليابان في إنتاج أشباه موصلات القدرة والرقائق البصرية وتقنيات الاستشعار، في حين تحتفظ كوريا الجنوبية بموقع الريادة العالمية في إنتاج رقائق الذاكرة. وأكدت الدراسة أن الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لأشباه الموصلات أصبحت كبيرة للغاية، إذ إن أي اضطراب في سلاسل التوريد قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة، كما حدث خلال أزمة نقص الرقائق في عام 2021م، والتي دفعت العديد من الحكومات إلى إطلاق برامج دعم وسياسات صناعية لتعزيز الإنتاج المحلي.

وفي هذا السياق، حذرت دوروثيا هيلريشس، المشاركة في إعداد الدراسة، من أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في إنتاج جميع أنواع الرقائق داخل أوروبا يعد هدفًا غير واقعي ومحفوفًا بالتحديات، مؤكدة أن فرض قيود تجارية أو ضوابط تصدير لمواجهة الهيمنة الآسيوية لن يمثل حلًا فعالًا.

ودعت الدراسة إلى تبني سياسات صناعية متوازنة تركز على دعم الابتكار في جميع حلقات سلسلة القيمة، بدءًا من تصميم الرقائق وتصنيعها، وصولًا إلى عمليات التجميع والاختبار والتغليف، مع تعزيز التعاون الدولي بدلاً من الانعزال الصناعي.

وخلصت الدراسة إلى أن التعقيد الكبير لسلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات يستدعي سياسات دقيقة ومدروسة، مشيرة إلى أن تحديد حجم التدخل الحكومي المطلوب لبناء صناعة أوروبية قادرة على المنافسة لا يزال يمثل تحديًا، ويتطلب موازنة بين دعم الصناعة والحفاظ على انفتاح الأسواق العالمية.

 

blank

 

اتجاهات الطلب على الرقائق الالكترونية في ألمانيا وأوروبا

بحسب دراسة حديثة بعنوان «جدوى أعمال أشباه الموصلات في أوروبا: منظور قائم على الطلب لبناء منظومة تنافسية ومرنة للإلكترونيات الدقيقة»، والتي نشرها الاتحاد الألماني للصناعات الكهربائية والرقمية (ZVEI) يُتوقع أن يتضاعف الطلب على أشباه الموصلات المستخدمة في أوروبا بحلول عام 2040م، مدفوعًا بالتوسع في قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات والطاقة والروبوتات، إضافة إلى النمو المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية.

وأكدت الدراسة أن الطلب الأوروبي على أشباه الموصلات سيظل مرتفعًا على المديين المتوسط والطويل، بغض النظر عما إذا كانت المنتجات النهائية تُصنع داخل أوروبا أو خارجها، داعية إلى تحويل هذا الطلب المتنامي إلى قوة صناعية وريادة تكنولوجية تعزز القدرة التنافسية والمرونة الاقتصادية للقارة.

وأوضحت الدراسة أن النمو سيأتي من القطاعات الأوروبية التقليدية الرائدة مثل صناعة السيارات والطاقة والروبوتات، إلى جانب مجالات واعدة تشمل الذكاء الاصطناعي الصناعي، والأنظمة المستقلة، والتطبيقات الصناعية الذكية.  وفي المقابل، أشارت الدراسة إلى استمرار اعتماد أوروبا على الخارج في مجالات تشهد نموًا كبيرًا، مثل رقائق الذكاء الاصطناعي، والرقائق المنطقية، وشرائح الذاكرة المستخدمة في مراكز البيانات. ورأى فولفغانغ فيبر، رئيس الإدارة التنفيذية لاتحاد (ZVEI)، أن بناء قدرات أوروبية في تقنيات تصنيع الرقائق المتقدمة ذات الأحجام الدقيقة يمثل تحديًا كبيرًا، لكنه ضروري لتعزيز السيادة التكنولوجية الأوروبية.

واقترحت الدراسة اتباع نهج تدريجي يبدأ بتعزيز قدرات تصميم الرقائق وتقنيات التغليف المتقدم (Advanced Packaging)، باعتبارها مجالات ذات قيمة مضافة مرتفعة وتتطلب استثمارات رأسمالية أقل، قبل الانتقال على المدى الطويل إلى إنشاء طاقات إنتاجية لتصنيع الرقائق المتطورة استجابة للطلب المتزايد.

كما أوصت الدراسة بالاعتماد بشكل أكبر على سلاسل توريد أوروبية موثوقة للإلكترونيات الدقيقة في القطاعات الحساسة، وعلى رأسها الدفاع والبنية التحتية الحيوية، معتبرة أن ذلك يعزز مرونة الاقتصاد الأوروبي ويدعم القيمة المضافة المحلية، مع ضرورة الاهتمام بكامل منظومة الإلكترونيات الدقيقة، بما يشمل تصنيع لوحات الدوائر الإلكترونية وعمليات الإنتاج اللاحقة.

التحديات التي تواجه صناعة الرقائق الإلكترونية في ألمانيا وأوروبا

فيما يتعلق بالتحديات، أوضحت الدراسة أن تكاليف تصنيع الرقائق في ألمانيا تزيد بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المئة مقارنة بأكثر المواقع الآسيوية كفاءة من حيث التكلفة. ومع ذلك، فإن خفض أسعار الكهرباء، وزيادة مستويات الأتمتة، وتقديم حوافز ضريبية ودعم حكومي، يمكن أن يقلص هذه الفجوة بما يتراوح بين 5 و10 نقاط مئوية.

ولفتت الدراسة أيضًا إلى أن أوروبا لا تزال بحاجة إلى تسريع إجراءات التراخيص والدعم الحكومي، إذ يبلغ متوسط الفترة اللازمة لبدء الإنتاج نحو 34 شهرًا، مقارنة بحوالي 19 شهرًا فقط في تايوان، بينما تستغرق قرارات منح الدعم الحكومي ما بين 12 و24 شهرًا، في حين يرى الاتحاد الألماني للصناعات الكهربائية والرقمية أنه ينبغي ألا تتجاوز هذه المدة ستة إلى تسعة أشهر.

ورغم هذه التحديات، أكدت الدراسة أن أوروبا تمتلك مزايا تنافسية مهمة تتمثل في البنية التحتية المتطورة، والاستقرار السياسي، والحماية القوية لحقوق الملكية الفكرية، وهي عوامل تجعلها بيئة جاذبة للاستثمارات في صناعة أشباه الموصلات، إذا ما اقترنت بإصلاحات هيكلية وسياسات صناعية أكثر سرعة وفاعلية.

 

blank

 

جدوى الاستثمار في صناعة الرقائق الالكترونية

بعيداً عن الأهمية الاستراتيجية لصناعة الرقائق الإلكترونية وضرورة توطينها في ألمانيا وأوروبا لضمان سلامة وأمن امدادات سلاسل التوريد لمختلف الصناعات في أوروبا، فان الاستثمار في هذه الصناعة في حد ذاته يعد ذا جدوى اقتصادية وفي هذا الاطار أكدت دراسة حديثة صادرة عن الاتحاد الألماني للصناعات الكهربائية والرقمية (ZVEI) أن الاستثمار في صناعة الإلكترونيات الدقيقة وأشباه الموصلات يمثل أحد أكثر الاستثمارات جدوى بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، مشيرة إلى أن تعزيز الدعم الحكومي لهذا القطاع يمكن أن يرفع حصة أوروبا من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات إلى 20 في المئة بحلول عام 2030م، مقارنة بالمستويات الحالية.

وأوضحت الدراسة، التي حملت عنوان «من الرقائق إلى الفرص: أهمية وجدوى دعم الإلكترونيات الدقيقة»، أن الأموال المخصصة لدعم هذه الصناعة تحقق عوائد اقتصادية مرتفعة، حيث تتراوح نسبة العائد على الاستثمار بين 30 و40 في المئة، بينما يمكن استرداد قيمة الاستثمارات خلال فترة تتراوح بين 9 و12 عامًا.

ووفقًا للدراسة، فإن برامج دعم صناعة أشباه الموصلات ستؤدي إلى زيادة إجمالي القيمة المضافة السنوية في أوروبا بنحو 33 مليار يورو، ورفع الإيرادات الضريبية بحوالي 7.9 مليار يورو سنويًا، فضلًا عن توفير 65 ألف وظيفة جديدة عالية المهارة، منها نحو 49 ألف وظيفة في ألمانيا وحدها. كما تشير الدراسة إلى أن كل وظيفة مباشرة في هذا القطاع تخلق ما يقارب ست وظائف إضافية عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة.

وفي المقابل، حذرت الدراسة من أن عدم مواصلة الاستثمار في صناعة الرقائق سيؤدي إلى تراجع حصة أوروبا من الإنتاج العالمي، حيث قد تنخفض من 8.1 في المئة حاليًا إلى 5.9 في المئة بحلول عام 2045م، حتى مع استمرار برامج الدعم الحالية. كما نبه رئيس اتحاد الصناعات الكهربائية والرقمية إلى أن أوروبا مهددة بفقدان قدرتها الإنتاجية والتحول إلى رهينة للتجاذبات الجيوسياسية إذا لم يتم توسيع برامج الدعم والاستثمار.

وأشارت الدراسة إلى أن أوروبا لا تزال تتمتع بموقع قوي في مجالات أشباه موصلات القدرة، والمتحكمات الدقيقة، وتقنيات الاستشعار، لكنها مطالبة بتوسيع الدعم ليشمل كامل منظومة الإلكترونيات الدقيقة، بما في ذلك صناعة لوحات الدوائر الإلكترونية والتصنيع الإلكتروني، خاصة أن حصة الاتحاد الأوروبي في سوق لوحات الدوائر المطبوعة العالمية تقل حاليًا عن 5 في المئة، بينما تستحوذ الصين وتايوان على ما بين 85 و90 في المئة من الإنتاج العالمي.

استثمار ألماني ضخم لتعزيز سيادة أوروبا في صناعة الرقائق الإلكترونية

 في خطوة تعكس الطموحات الألمانية والأوروبية لتعزيز استقلالها التكنولوجي وتقليص اعتمادها على سلاسل الإمداد الخارجية، افتتحت شركة Infineon Technologies الألمانية، بداية شهر يوليو 2026م، مصنعها الجديد لإنتاج أشباه الموصلات في مدينة Dresden، وهو أحد أكبر المشروعات الصناعية في تاريخ الشركة وأحد أكثر مصانع الرقائق الإلكترونية تطورًا على مستوى العالم.

ويأتي افتتاح المصنع، الذي يحمل اسم Smart Power Fab، في توقيت يشهد ارتفاعًا غير مسبوق في الطلب العالمي على الرقائق الإلكترونية، مدفوعًا بالتوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتحول نحو السيارات الكهربائية، والاعتماد المتزايد على مراكز البيانات والتقنيات الرقمية الحديثة. كما يتزامن مع جهود أوروبية واسعة لتعزيز الأمن الصناعي والتكنولوجي وتقليل الاعتماد على الموردين في آسيا والولايات المتحدة في قطاع يعد من أكثر القطاعات استراتيجية في الاقتصاد العالمي.

 وتمكنت شركة Infineon من إنجاز المشروع قبل الموعد المحدد بنحو ثلاثة أشهر، في مؤشر على الأهمية التي توليها الشركة لتسريع زيادة قدراتها الإنتاجية لمواكبة النمو المتسارع في الأسواق العالمية. ويعد المصنع الجديد امتدادًا لمجمع الشركة الصناعي في دريسدن، الذي ينتج بالفعل نحو ثلث الرقائق الإلكترونية المصنعة داخل أوروبا، ما يجعل المدينة أحد أهم مراكز صناعة أشباه الموصلات في القارة، ويعزز مكانتها ضمن ما يعرف بـ»وادي السيليكون الأوروبي» في ولاية ساكسونيا.

 ووفقًا للشركة، فإن مصنع « Smart Power Fab» يمثل واحدًا من أحدث منشآت تصنيع أشباه الموصلات عالميًا، سواء من حيث البنية الهندسية أو تقنيات الإنتاج المستخدمة. ومن المقرر أن ينتج المصنع رقائق إلكترونية على رقاقات سيليكون بقطر 300 مليمتر، وهي التقنية الأكثر تطورًا وكفاءة في صناعة أشباه الموصلات، إذ تسمح بإنتاج عدد أكبر من الشرائح الإلكترونية في كل دورة تصنيع، بما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج ورفع الطاقة الإنتاجية.

ومع التوسعة الجديدة، تسعى الشركة إلى تلبية احتياجات أربع قطاعات رئيسية ترى أنها ستقود الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، وهي: التحول في مجال الطاقة، والتنقل الكهربائي، وإنترنت الأشياء، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

 وتبلغ قيمة الاستثمار في المصنع الجديد نحو خمس مليارات يورو، ما يجعله أكبر استثمار منفرد تنفذه Infineon في موقعها بمدينة دريسدن. ولم تعتمد الشركة على تمويلها الذاتي فقط، إذ يحظى المشروع بدعم حكومي ألماني وأوروبي كبير في إطار قانون الرقائق الأوروبي، حيث حصل على تمويل عام بقيمة 920 مليون يورو بعد موافقة المفوضية الأوروبية  في فبراير 2025م. ويشارك في هذا الدعم كل من الحكومة الألمانية وحكومة ولاية ساكسونيا، في إطار استراتيجية أوروبية تهدف إلى إعادة بناء القدرات الصناعية للقارة في قطاع أشباه الموصلات، بعد أن كشفت أزمات السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال جائحة كورونا، مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتماد الصناعات الأوروبية على الإنتاج الآسيوي.

 وترى Infineon أن المصنع الجديد سيعزز مرونة سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية، خاصة في قطاعات الطاقة وصناعة الآلات والمعدات وصناعة السيارات، كما سيسهم في دعم ما تصفه الشركة بـ»السيادة الرقمية الأوروبية» عبر توفير مكونات أساسية لمراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية داخل القارة. وجاء تسريع افتتاح المصنع في ظل الانتعاش الكبير الذي يشهده سوق الرقائق الإلكترونية نتيجة الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وكانت Infineon قد أعلنت في وقت سابق من العام الجاري زيادة استثماراتها المخصصة للسنة المالية الحالية، موضحة أن الجزء الأكبر من هذه الأموال سيُستخدم لتسريع رفع الطاقة الإنتاجية للمصنع الجديد، استعدادًا لتلبية الطلب المتوقع خلال السنوات المقبلة. وتراهن الشركة على استمرار النمو القوي في احتياجات الأسواق العالمية، ليس فقط في مجال الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا في قطاعات السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والأتمتة الصناعية، وإنترنت الأشياء، وهي جميعها تعتمد بصورة متزايدة على الرقائق الإلكترونية المتخصصة.

ومن المنتظر أن يوفر المصنع نحو ألف فرصة عمل جديدة داخل Infineon، وهو رقم يمثل إضافة مهمة إلى القوة العاملة للشركة، التي يبلغ عدد موظفيها نحو 56.5 ألف موظف حول العالم وفق أحدث تقرير مالي. غير أن الأثر الاقتصادي للمشروع يتجاوز الوظائف المباشرة، إذ يتوقع أن يؤدي إلى خلق آلاف فرص العمل الإضافية لدى الشركات الموردة، ومقدمي الخدمات، وشركاء التصنيع في المنطقة.

ولا تقتصر طموحات ألمانيا في قطاع أشباه الموصلات على إقامة مصانع جديدة لإنتاج الرقائق، بل تتجه إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تمتد من التصنيع إلى المعدات والمواد المتخصصة والاختبار. وتبرز في هذه الاستراتيجية مجموعة من الشركات والمشاريع التي تعزز موقع ألمانيا كأحد أهم مراكز صناعة الرقائق في أوروبا، وفي مقدمتها شركات مثل GlobalFoundries وBosch وX-FAB، إلى جانب ZEISS وTRUMPF وشركات متخصصة في المواد والتقنيات المتقدمة.

تمثل شركة GlobalFoundries أحد الأعمدة الرئيسية لصناعة أشباه الموصلات في دريسدن، حيث تمتلك منشآت إنتاج كبيرة وتعمل على توسيع قدراتها التصنيعية. وفي ديسمبر 2025م وافقت المفوضية الأوروبية على دعم حكومي ألماني بقيمة 495 مليون يورو لمشروع جديد للشركة في دريسدن، ضمن حزمة دعم إجمالية بلغت 623 مليون يورو لمشروعي GlobalFoundries وX-FAB في ألمانيا.

وفي دريسدن أيضاً، تمتلك شركة Bosch مصنعاً لإنتاج أشباه الموصلات، يركز على الرقائق المستخدمة في السيارات والصناعة، بما في ذلك رقائق الطاقة وأجهزة الاستشعار بتقنية MEMS. ويعكس وجود GlobalFoundries وBosch، إلى جانب شركات أخرى، الدور المتزايد لمدينة دريسدن كأحد أهم تجمعات صناعة الرقائق في أوروبا.

أما في إرفورت بولاية تورينغن، فتعمل شركة X-FAB على تعزيز قدراتها في مجال أشباه الموصلات المتخصصة، ولا سيما تقنيات MEMS والتغليف المتقدم. وحصل المشروع على دعم حكومي ألماني بقيمة 128 مليون يورو. وتستخدم رقائق MEMS على نطاق واسع في أجهزة الاستشعار الخاصة بالسيارات والهواتف والمعدات الصناعية والطبية، ما يمنحها أهمية متزايدة مع توسع الاقتصاد الرقمي.

وتكمن إحدى أهم نقاط القوة الألمانية في مجال صناعة الرقائق الالكترونية في امتلاكها شركات تعمل في المراحل الأخرى من سلسلة القيمة. وتبرز هنا شركة Carl Zeiss، التي تعد من أهم الشركات العالمية في مجال البصريات المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات. ففي مدينة أوبركوخن تنتج ZEISS تقنيات بصرية فائقة الدقة تدخل في أنظمة الطباعة الضوئية المتقدمة، بما في ذلك تقنيات EUV الضرورية لإنتاج الأجيال الحديثة من الرقائق.

وقد وافقت المفوضية الأوروبية هذا العام على دعم ألماني بقيمة 222 مليون يورو لمشروع جديد لـ ZEISS في أوبركوخن، بهدف تعزيز قدرات إنتاج معدات تصنيع أشباه الموصلات. وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية استراتيجية، لأن امتلاك تقنيات ومعدات تصنيع الرقائق لا يقل أهمية عن امتلاك مصانع الإنتاج نفسها.

كما تلعب شركة TRUMPF دوراً مهماً من خلال تقنيات الليزر عالية القدرة المستخدمة في عمليات تصنيع الرقائق، فيما تعمل شركات مثل KLA في ألمانيا في مجالات القياس والفحص، وهي مراحل ضرورية لضمان دقة وجودة الإنتاج.

وتمتد الاستراتيجية الألمانية أيضاً إلى المواد المتخصصة. ففي بيتيرفيلد بولاية ساكسونيا-أنهالت، حصل مشروع Zadient Materials على دعم بقيمة 66 مليون يورو لإنتاج مواد متخصصة لأشباه الموصلات، ولا سيما كربيد السيليكون (SiC). وتزداد أهمية SiC مع انتشار السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، نظراً لقدرتها على تحسين كفاءة تحويل الطاقة وتقليل الفاقد الكهربائي.

وفي ميونيخ، تنتقل الاستثمارات إلى مجالات أكثر تقدماً، إذ تعمل شركات ناشئة مثل QuantumDiamonds على تطوير تقنيات قياس وفحص قائمة على التقنيات الكمومية. وقد حصل مشروع متخصص في معدات اختبار أشباه الموصلات على دعم ألماني بقيمة 76 مليون يورو.

وتكشف هذه المشاريع مجتمعة أن الرهان الألماني لا يقوم على منافسة آسيا في إنتاج أكثر المعالجات تقدماً فقط، وإنما على بناء سلسلة قيمة متكاملة لأشباه الموصلات تشمل المواد، وتصنيع الرقائق، والتغليف، والاختبار، والبصريات، والليزر، والقياس والفحص. وبفضل هذا التنوع، تسعى ألمانيا إلى تحويل قوتها التقليدية في الهندسة والصناعة والسيارات إلى ميزة تنافسية جديدة في اقتصاد الرقائق العالمي.