تعد ألمانيا بما تتمتع به من سمعه دولية كقوة اقتصادية وعلمية مرموقة أحد اهم الدول الجاذبة للطلاب الأجانب، اذ تشير اخر البيانات الاحصائية ان ألمانيا تأتي في المرتبة الثالثة على المستوى العالمي، بعد الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، في كونها الوجهة المفضلة للطلاب الأجانب لاستكمال دراساتهم الجامعية العليا.

وقد حقق عدد الطلاب الأجانب في ألمانيا للعام 2015 رقما قياسيا حيث تجاوز عددهم 300 ألف طالب وطالبة في مختلف الجامعات والمعاهد الألمانية وهو ما يعني ان حوالي 11% من طلاب الجامعات في ألمانيا أجانب. وقد سجل أيضا عدد الأجانب المسجلين الجدد في الجامعات الألمانية رقماً قياسياً للعام الدراسي 2015-2016 بلغ نحو 100 ألف طالب وطالبة.

المميزات الرئيسية للدراسة في ألمانيا

واحد من اهم العناصر المؤثرة على قرار الطلاب الأجانب باختيار ألمانيا كبلد لإكمال الدراسة الجامعية هو مجانية التعليم شبه الكاملة، اذ ان المقاعد الدراسية في الجامعات والمعاهد الحكومية في ألمانيا مجانية في الأصل وما يدفعه الطالب من رسوم، وهي في اغلبها رسوم محدودة، تكون في مقابل اشتراكات في اندية الطلاب او مقابل خدمات أخرى كخدمات النقل العام وغيرها. وترجع مجانية التعليم هذه الى ان التعليم يمثل أحد الحقوق الأساسية التي يضمنها القانون الأساسي الألماني (الدستور). وفي هذا الإطار أيضا وفي سياق عملية دعم التعليم العالي واتاحته للجميع استطاعت ألمانيا انجاز بنية تحتية متكاملة للمؤسسات الجامعية والتعليمية من مدن سكنية جامعية ومكتبات عامة، ويندرج تحت ذلك أيضا حصول الدارسين والمتدربين على خدمات إضافية وخصومات مهمه في العديد من مؤسسات المجتمع عامة كانت او خاصة كالخصومات على تذاكر القطارات للسفر بين المدن والخصومات على تذاكر دخول دور السينما والأماكن والمزارات السياحية وغيرها.

كما ان الطيف الواسع من التخصصات والمساقات العلمية والهندسية التي تقدمها الجامعات والمعاهد الألمانية (والبالغ عددها نحو 427 جامعه ومعهد جامعي) والتي يجري تحديثها وتطويرها بشكل دوري تمثل أيضا أحد اهم عوامل جذب الطلاب الأجانب للتخصص والدراسة في ألمانيا.

نظام التعليم العالي في ألمانيا

يتميز نظام التعليم العالي في مرحلة ما بعد الدراسة الأساسية والثانوية في ألمانيا بالمرونة والتنوع، حيث تمت صياغة هذا النظام ليلبي حاجة المجتمع والاقتصاد من المتخصصين والأيدي العاملة الكفؤة والماهرة في مختلف المجالات وعلى كل المستويات، وفي نفس الوقت ليناسب ويوائم قدرات وطموحات مختلف شرائح المجتمع. يتوزع نظام التعليم العالي في سياقين رئيسيين، الأول سياق التعليم الجامعي وهو السياق المتعارف علية عالميا حيث يلتحق بهذا السياق خريجو الثانوية العامة في مختلف الكليات المتخصصة في الجامعات والمعاهد الجامعية العليا والتي تنتهي فيه دراستهم بالحصول على شهادة البكالوريوس او الماجستير او الدكتوراه ويضم هذا السياق الجامعي نحو 2,7 مليون طالب وطالبه. السياق الثاني وهو سياق التدريب المهني العالي وهو السياق الذي يعتمد على التدريب والتطبيق العملي والمهارى للمتدرب وذلك عبر التحاقه بإحدى الشركات او المؤسسات الخاصة او العامة سواءً كانت مصانع تعتمد على المهارات الفنية والتقنية او شركات تعتمد على المهارات الإدارية والمكتبية للتدريب والعمل فيها الى جانب الدراسة النظرية في أحد المعاهد الفنية المتخصصة، ويستمر هذا التدريب والتأهيل في المتوسط لثلاث سنوات يتخرج بعدها المتدرب مؤهلا للانخراط في سوق العمل مباشرة. وبلغ عدد المتدربين ضمن هذا السياق وفقا لأرقام العام 2014م 1,36 مليون متدرب ومتدربة من ضمنهم 83 ألف متدرب أجنبي (حسب بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني الصادرة في 2016م).

الطلاب العرب
والدراسة في ألمانيا

يتمتع الطالب الأجنبي بصفة عامة والطالب العربي بشكل خاص بفرص كبيرة للالتحاق بنظام التعليم الجامعي المجاني في ألمانيا وذلك انطلاقا من عدة عناصر، من اهمها ان سياسة ونظم القبول والتسجيل مرتبطة بسياسات الولايات المختلفة، باعتبار الحكومات المحلية للولايات هي المسؤولة عن التعليم، ومرتبط كذلك بقواعد ولوائح القبول لكل جامعة على حدة وهذان العاملان يرفعان من إمكانية الحصول على مقعد دراسي للطالب الأجنبي، إضافة الى ذلك، وعلى العكس من العديد من الدول الغربية والأوروبية، لا تشترط الجامعات الألمانية في الكثير من التخصصات (خصوصا الإنسانية منها) درجات عالية او متميزة جدا في الشهادة الثانوية للحصول على مقعد دراسي فيها وتعتمد بديلا عن ذلك على النجاح في امتحان القبول او على قدرتها الاستيعابية، وتقوم العديد من الجامعات، وان بشكل غير رسمي، بتحديد نسبة معينه من المقاعد للطلاب الأجانب خصوصا في الجامعات التي تشهد اقبالا كبيرا للتسجيل فيها.

أحد الشروط الإضافية التي يجب على اغلب الطلاب العرب ايفائها قبيل الحصول على مقعد دراسي في احدى الجامعات الألمانية هو انهاء السنة التحضيرية بنجاح حيث يجب على طلاب اغلب الدول العربية (عدا تونس، لبنان وفلسطين) دراسة سنه تحضيرية في احدى الجامعات الألمانية، والتي يجب ان يجتاز الطالب امتحان قبول في اللغة الألمانية للالتحاق بها، وفي هذه السنة التحضيرية يتم اعداد الطلاب في العديد من التخصصات والمواد العلمية ليتلاءم مع مستوى خريجي الدراسة الثانوية ومع نظام الدراسة الجامعية في ألمانيا وعلى الطالب تحديد نوع السنة التحضيرية الراغب في التسجيل فيها بحسب التخصص المستقبلي الذي يريد دراسته حيث هناك سنة تحضيرية مخصصة للراغبين في دراسة الطب وأخرى للراغبين في دراسة التخصصات الهندسية وثالثة لمن ينوى دراسة احدى التخصصات الإنسانية او الأدبية، هذا في حالة ما كان الطالب في مرحلة الدراسة الجامعية الأولية المنتهية بحصوله على شهادة البكالوريوس. في حالة طلاب الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) فبالإضافة الى شرط الاعتراف بالشهادة المحلية التي يقدمها الطالب من بلدة ومع شرط الحصول على موافقة أحد الأساتذة الجامعيين للإشراف على دراسة الطالب (وذلك في حالة طلاب الدكتوراه) فان على الطالب انهاء امتحان شهادة الكفاءة في اللغة الألمانية بنجاح أولا للحصول على المقعد الدراسي في الجامعة. تتوافر في بعض التخصصات إمكانية الدراسة باللغة الإنجليزية في عدد من الجامعات الألمانية الا ان هذه التخصصات محدودة جدا بالإضافة الى انها تشهد منافسة شديدة من قبل الطلاب الأجانب الاخرين وكذلك من قبل الطلاب الألمان.

arabischestudenten

اعداد الطلاب العرب في الجامعات الألمانية

يسجل الطلاب من مختلف الدول العربية المقيدين في الجامعات الألمانية حضورا شديد التفاوت من دولة عربية الى أخرى بحيث يمكن التعرف على أربع مستويات من كثافة حضور الطلاب العرب، وبحسب بيانات الهيئة الألمانية للتبادل الاكاديمي ( DAAD) والمركز الألماني للتعليم العالي والبحث العلمي (DZHW) للعام 2015 يأتي في المستوى الأول الذي يسجل فيه الطلاب العرب حضورا كثيفا نسبيا من أربع دول، في المقدمة المغرب (5314 طالب وطالبة)، تونس (3101 طالب وطالبة)، سوريا (2889 طالب وطالبة) ثم مصر (2384 طالب وطالبة). في المستوى الثاني تأتي لبنان أولا (1176 طالب وطالبة)، الأردن (1139 طالب وطالبة)، العراق (1105 طالب وطالبة)، ثم اليمن (1039 طالب وطالبة). في المستوى الثالث يأتي الطلبة من فلسطين في المركز الأول (718 طالب وطالبة)، المملكة العربية السعودية (397 طالب وطالبة)، الجزائر (265 طالب وطالبة)، السودان (205 طالب وطالبة)، ليبيا (204 طالب وطالبة)، الامارات العربية المتحدة (153)، عُمان (119 طالب وطالبة)، موريتانيا (106 طالب وطالبة). في المستوى الرابع من عدد طلاب الدول العربية الدارسين في ألمانيا تأتي الصومال بدايةُ (38 طالب وطالبة)، البحرين (28 طالب وطالبة)، الكويت (23 طالب وطالبة)، قطر (8 طلاب)، جيبوتي (8 طلاب)، جزر القُمر (1 طالب واحد).

ولا يقتصر حضور الطلاب العرب في الجامعات الألمانية على الطلاب العرب الوافدين اذ يشكل الطلاب من أبناء الجالية العربية في ألمانيا والبالغ حجمها، بحسب تقديرات أولية لعام 2015، نحو نصف مليون نسمة عدا اللاجئون الذين قدموا خلال عامي 2015 و 2016م (ثلثيهم تقريبا يحمل الجنسية الألمانية) نسبة لا بأس بها من عدد الدارسين العرب في المؤسسات الجامعية في ألمانيا رغم عدم وجود ارقام او احصائيات دقيقة لأعدادهم.

arabischestudenten2

الدارسين العرب ودورات التطبيق العملي في ألمانيا

مع تطور التعاون الاقتصادي والصناعي بين دول العالم العربي وألمانيا ومع نمو اعداد المشاريع التي تنفذها الشركات الألمانية في العديد من قطاعات البنية التحتية والصناعية في العديد من الدول العربية ونمو تعاونها كذلك مع شركات القطاع الخاص العربية تزايدت اعداد المتدربين العرب في برامج التطبيق العملي القصيرة والمتوسطة المدى التي يتم تنفيذها في العديد من المؤسسات والشركات العامة والخاصة في ألمانيا وذلك ضمن عملية تأهيلهم لتشغيل وإدارة المشاريع المنفذة في اوطانهم. هذا في جانب، وفي جانب اخر تُظهر العديد من الدول العربية اهتماما متزايدا بتأهيل كوادرها وتدريبهم في ألمانيا، خصوصا في مرحلة ما بعد التعليم الجامعي الأوليِ، ويتم ذلك عبر برامج مشتركة بين المؤسسات التعليمية المختلفة بين الجانبين او عبر برامج خاصة للتأهيل تنشئها الحكومات العربية. وكمثال للنموذج الأول يأتي الاتفاق الذي ابرمته السفارة السعودية في ألمانيا مع مجموعة مستشفيات فيفانتس الجامعية في برلين والقاضي بتأهيل الأطباء السعوديين للحصول على الزمالة الطبية والتخصص الطبي الدقيق. وكمثال للنموذج الثاني يأتي برنامج «سفراء شباب الامارات» والذي يرعاه ولي عهد امارة ابوظبي الشيخ محمد بن زايد والذي يقوم على ابتعاث الطلاب والطالبات حديثي التخرج للتدريب والتطبيق العملي لدراستهم في المؤسسات والشركات في مختلف دول العالم والتي تأتي ألمانيا ضمن الدول المفضلة التي يشملها هذا البرنامج.

وبشكل عام يمثل نظام التعليم واحدا من الأسباب والعوامل الرئيسية في التقدم التقني والصناعي في ألمانيا والذي ينعكس بالضرورة على مستوى الرفاهية وجودة العيش بالنسبة لمواطنيها، وتبقى الفرص المتاحة للاستفادة من هذا النظام التعليمي المتقدم بالنسبة للطلاب والمتدربين العرب عالية جدا وتتوقف فقط على مدى الجدية للاستفادة منه ومدى قدرة الدول العربية أيضا على تأهيل كوادرها من خلاله والاستفادة من هذه الكوادر فيما بعد في عملية نقل التكنولوجيا والخبرات وتفعيلها في عملية التنمية في مختلف القطاعات الاقتصادية فيها.