حقق الاقتصاد الألماني نمواً طفيفاً في مطلع العام خلافًا للتوقعات. فقد أظهرت بيانات صادرة عن مكتب الاحصاء الاتحادي أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 0.3 في المئة مقارنة بالربع السابق. ورغم أن هذا النمو يُعد محدودًا، فإن التوقعات كانت أكثر تشاؤمًا، لا سيما بسبب الحرب الإيرانية.
وبحسب بيانات مكتب الاحصاء، ارتفعت نفقات الاستهلاك الخاصة والحكومية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026م مقارنة بالربع الأخير من عام 2025م، والذي كان الاقتصاد الألماني قد سجل خلاله نموًا بلغ 0.2 في المئة فقط. وفي ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، يواجه النمو الاقتصادي ضغوطًا متزايدة مع تصاعد معدلات التضخم.
وفي إطار توقعات الاقتصاد الكلي، يعتقد خبراء الاقتصاد ان لا انتعاش اقتصادي يمكن التعويل عليه، خصوصًا بعد أن خفضت أهم معاهد الأبحاث الاقتصادية في ألمانيا توقعاتها بصورة ملحوظة. وقال Sebastian Wanke، الخبير الاقتصادي في بنك التنمية وإعادة الاعمار الحكومي (KfW)، إن البيانات الحالية تُظهر أن الاقتصاد الألماني كان يمكن أن يشهد عامًا قويًا، لولا تداعيات الحرب الإيرانية. وأضاف أن الأمل ما زال قائمًا في إعادة فتح مضيق هرمز قريبًا “حتى تتمكن قوى النمو الاقتصادي من التنفس مجددًا”. إلا أن استمرار الازمة في الخليج العربي واستمرار اغلاق مضيق هرمز يُتوقع أن يعرقل الانتعاش المأمول. فارتفاع أسعار النفط والوقود، واضطرابات سلاسل التوريد، والغموض الذي يحيط بأسواق التصدير، كلها عوامل تضرب الاقتصاد الألماني المعتمد بشكل كبير على التصدير وعلى واردات المواد الخام والطاقة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن ألمانيا، بوصفها دولة تعتمد على واردات الطاقة، ستعاني لفترة أطول من تبعات الصراع في الشرق الأوسط. فارتفاع أسعار الطاقة، وخاصة في محطات الوقود، يفرض أعباء إضافية على المستهلكين والشركات، ما ينعكس سلبًا على الاستهلاك والاستثمارات. وهو ما بدأ بالفعل في الحدوث حيث شهد قطاع التجزئة الألماني في مارس 2026م، أكبر تراجع مفاجئ في المبيعات منذ ثلاث سنوات ونصف، وبعد احتساب التضخم، انخفضت المبيعات بنسبة 2 في المئة، وهو أكبر تراجع منذ أكتوبر 2022م. كما ارتفعت أسعار الواردات في مارس بنسبة 3.6 في المئة مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر يُنظر إليه باعتباره نذيرًا بعودة التضخم إلى الارتفاع، وهي أكبر زيادة في أسعار الواردات منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية قبل أربع سنوات.
من جانب أخر أرسل القطاع الصناعي الألماني، بعد اندلاع الحرب على إيران، إشارات متناقضة، فبينما ارتفعت الصادرات الألمانية خلال شهر مارس بصورة مفاجئة، خفضت الشركات إنتاجها بشكل غير متوقع رغم تحسن الطلبات الصناعية. ففي الوقت الذي تتراجع فيه الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة والصين، يشهد النشاط التجاري مع أوروبا نموًا ملحوظًا، نتيجة ارتفاع الطلب الأوروبي على المنتجات الألمانية.
حيث اظهر تقرير لمكتب الإحصاء الاتحادي أن الصادرات الألمانية في شهر مارس 2026م، ارتفعت بنسبة 0.5 في المئة مقارنة بالشهر السابق لتصل إلى 135.8 مليار يورو، مدفوعة بزيادة الطلب من أوروبا. بينما كان خبراء الاقتصاد يتوقعون تراجعًا بنسبة 1.7 في المئة، بعد أن سجلت الصادرات نموًا بلغ 3.6 في المئة في فبراير. وارتفعت الصادرات إلى دول الاتحاد الأوروبي في شهر مارس بنسبة 3.4 في المئة لتصل إلى 78.4 مليار يورو. ومع ذلك، بقيت الولايات المتحدة أكبر سوق منفردة للصادرات الألمانية رغم التراجع الحاد، إذ بلغت قيمة السلع المصدرة إليها 11.2 مليار يورو، بانخفاض نسبته 7.9 في المئة مقارنة بفبراير2026م، و21.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو أكبر تراجع منذ يونيو 2020م. وقال Thomas Gitzel، كبير الاقتصاديين في مصرف VP Bank، إن “السياسة الجمركية للرئيس الأميركي دونالد ترامب تترك آثارًا واضحة على الاقتصاد الألماني”. كما تراجعت الصادرات الألمانية إلى الصين بنسبة 1.8 في المئة مقارنة بالشهر السابق لتصل إلى ست مليارات يورو.
من جهة أخرى ارتفعت الواردات الألمانية في مارس بنسبة 5.1 في المئة مقارنة بفبراير لتصل إلى 121.5 مليار يورو. وجاءت معظم الواردات الألمانية في مارس 2026م من الصين، حيث بلغت قيمة السلع المستوردة منها نحو 15.6 مليار يورو، بزيادة قدرها 4.9 في المئة مقارنة بالشهر السابق. بينما تراجعت الواردات من الولايات المتحدة بنسبة 3.7 في المئة لتصل إلى 8 مليارات يورو، في حين ارتفعت الواردات من المملكة المتحدة خلال الفترة نفسها بنسبة 11.7 في المئة لتبلغ 3.5 مليارات يورو.
في المقابل، انخفض إنتاج القطاع الصناعي وقطاع البناء وشركات الطاقة مجتمعة في شهر مارس 2026م بنسبة 0.7 في المئة مقارنة بالشهر السابق، رغم أن الاقتصاديين كانوا يتوقعون نموًا بنسبة 0.5 في المئة. وأعتبر Jens-Oliver Niklasch، الاقتصادي في مصرف Landesbank Baden-Württemberg (LBBW)، أن “الصناعة عادت إلى مسار التراجع بعد فترة انتعاش مؤقتة”. وأضاف أن الأساس اللازم للتعافي ليس سيئًا في ظل ارتفاع الطلبات الأخيرة، “لكن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب على إيران يبدو أنه تسبب في انتكاسة جديدة”.
وكانت الصناعة الألمانية قد سجلت مؤخرًا ارتفاعًا مفاجئًا في حجم الطلبات الجديدة، حيث نما حجم الأعمال الجديدة في مارس بنسبة 5 في المئة مقارنة بالشهر السابق، بعدما سارعت شركات كثيرة إلى تخزين البضائع وزيادة مخزوناتها خوفًا من ارتفاع الأسعار بسبب الحرب على إيران. وبالرغم من هذا الارتفاع في حجم الطلبات الا ان الناتج الصناعي انخفض في شهر مارس حيث خفضت الشركات الصناعية إنتاجها في مارس بنسبة 0.9 في المئة مقارنة بالشهر السابق. وشهدت القطاعات المختلفة تطورات متباينة؛ إذ تراجع إنتاج شركات صناعة الآلات والمعدات بنسبة 2.7 في المئة، بينما ارتفع إنتاج شركات صناعة السيارات بنسبة 1.9 في المئة.
من جانبه أشار Jörg Krämer، كبير الاقتصاديين في مصرف Commerzbank، الى إن “حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب الإيرانية ستواصل كبح الإنتاج في الوقت الحالي”. وأضاف أن تكاليف الإنتاج ارتفعت، ما يعني أن استغلال الطاقات الإنتاجية لن يتحسن بشكل ملحوظ. ومن العوامل الضاغطة أيضًا الرسوم الجمركية الجديدة التي أعلنها ترامب على واردات السيارات من الاتحاد الأوروبي، والتي يُفترض أن ترتفع من 15 في المئة إلى 25 في المئة. فيما تُعد الولايات المتحدة سوقًا رئيسية لشركات صناعة السيارات الألمانية.
أما Sebastian Dullien، المدير العلمي لمعهد أبحاث الاقتصاد الكلي ودورة الأعمال (IMK)، فرأى أنه “لا توجد مؤشرات على تحول حقيقي في وضع الصناعة الألمانية في المستقبل القريب”. وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة يضعف القدرة الشرائية للمستهلكين، ما يقلل من فرص حدوث زيادة قوية في الاستهلاك، والتي كانت تُعد في العديد من التوقعات أحد الأعمدة الأساسية لتعافي الاقتصاد.
سوق العمل: تراجع طفيف للبطالة وإفلاس الشركات يهدد أكثر من 200 ألف وظيفة في ألمانيا
في إطار الانتعاش الربيعي لسوق العمل، انخفض عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا في أبريل 2026م بمقدار 13 ألف شخص ليصل إلى 3.008 مليون شخص. الا ان هذا التراجع الطفيف لم يؤثر على معدل البطالة الذي ظل دون تغيير عند 6.4 في المئة. وبالمقارنة مع ارقام البطالة في أبريل من العام الماضي، فان عدد العاطلين في ابريل 2026م قد ارتفع بمقدار 77 ألف شخص، كما زاد معدل البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية.
وصرحت Andrea Nahles، رئيسة مجلس إدارة وكالة العمل الاتحادية، في تعليقها على بيانات سوق العمل ” لا توجد حتى الآن مؤشرات على حدوث تحول في اتجاه سوق العمل. كما أن الانتعاش الربيعي لا يزال ضعيفًا حتى في أبريل”.
وفيما يتعلق ببرنامج العمل بدوام مختصر بلغ عدد الموظفين الجدد الذين تم تسجيلهم في البرنامج خلال الفترة من 1 وحتى 26 أبريل 2026م نحو 28 ألف شخص. في حين بلغ اجمالي المسجلين في البرنامج بحسب أحدث البيانات المسجلة حتى فبراير 2026م، نحو 156 ألف شخص بزيادة قدرها 11 ألفًا مقارنة بالشهر السابق، لكنها أقل بحوالي 114 ألفًا مقارنة بالعام الماضي. اما بالنسبة لعدد الوظائف الشاغرة المسجلة لدى وكالة العمل الاتحادية في شهر أبريل فقد بلغ 641 ألف وظيفة شاغرة، أي أقل بخمسة آلاف وظيفة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
وفي سياق متصل، شهد الربع الأول من العام الحالي أعلى عدد من حالات إفلاس الشركات منذ عام 2005م. ويتوقع تقرير لشركة التأمين Allianz Trade، حول توقعات الإفلاس الدولية، أن يسجل عام 2026م، أعلى مستوى من الإفلاس منذ 14 عامًا، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على سوق العمل. وترى الشركة ” أن إفلاس الشركات قد يهدد هذا العام أكثر من 200 ألف وظيفة في ألمانيا”. ويستند هذا الرقم إلى عملية إسقاط إحصائي، أي إلى تقديرات مبنية على البيانات المتاحة. وقال Milo Bogaerts، رئيس شركة (Allianz Trade) في ألمانيا والنمسا وسويسرا: “لقد أصبح للصراع في الشرق الأوسط تأثيرات واضحة على ألمانيا بالفعل، كما أن الحرب التجارية الأمريكية لم تنته بعد”.
حيث يتوقع ارتفاع عدد حالات الإفلاس في ألمانيا بنسبة 2.4 في المئة مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى 24,650 حالة إفلاس. وقال Bogaerts، “سيكون هذا أعلى مستوى منذ 14 عامًا”.
وبحسب بيانات مكتب الاحصاء الاتحادي الألماني، سجلت المحاكم الألمانية العام الماضي 24,064 حالة إفلاس، بزيادة واضحة بلغت 10.3 في المئة.
وكان عدد حالات إفلاس الشركات قد ارتفع بالفعل خلال الربع الأول من عام 2026م إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من 20 عامًا. ووفقًا لما أعلنه مؤخرًا معهد لايبنتس للأبحاث الاقتصادية في هاله (IWH)، تم تسجيل 4,573 حالة إفلاس لشركات الأشخاص والشركات المساهمة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام. وتشير بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي إلى أن آخر مرة سُجل فيها رقم أعلى كانت في الربع الثالث من عام 2005م. وأوضح المعهد أن هذا العدد يفوق حتى المستويات التي شهدتها ألمانيا خلال الأزمة المالية العالمية عام 2009م. كما أشار إلى أن حالات الإفلاس ارتفعت بشكل مفاجئ وواضح خصوصًا في شهر مارس، حيث تجاوزت بنسبة 71 في المئة متوسط شهر مارس في الأعوام من 2016م إلى 2019م، أي قبل جائحة كورونا. كذلك أظهرت الأرقام الرسمية لـمكتب الاحصاء أن عدد الشركات التي تقدمت بطلبات إفلاس في يناير كان أعلى مقارنة بيناير من العام السابق.
ولا تقتصر تداعيات موجة إفلاس الشركات المتصاعدة في ألمانيا على خسائر مالية أو تراجع في النشاط الاقتصادي فحسب، بل تمتد بصورة مباشرة إلى سوق العمل والاستقرار الاجتماعي حيث تُعد الوظائف أولى الضحايا المباشرين لإفلاس الشركات، إذ يؤدي إغلاق الشركات أو تقليص عملياتها إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين، خصوصًا في القطاعات الصناعية والخدمية المرتبطة بسلاسل التوريد والإنتاج. كما أن التأثير لا يقتصر على الموظفين داخل الشركات المفلسة فقط، بل يمتد إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة المتعاملة معها، ما يخلق تأثيرًا متسلسلًا قد يفضي إلى مزيد من حالات التعثر وفقدان الوظائف.
تراجع تقديرات الإيرادات الضريبية للدولة الألمانية
تواجه الحكومة الألمانية تحديات مالية متزايدة بعد صدور التقديرات الجديدة للإيرادات الضريبية، فعلى مدى أيام، اجتمع 35 خبيرًا اقتصاديًا وماليًا من مؤسسات مختلفة، بينها البنك المركزي الألماني، ومعاهد الأبحاث الاقتصادية، ومكتب الاحصاء الاتحادي، ووزارة المالية، لإعداد توقعات الإيرادات الضريبية التي ستعتمد عليها الحكومة في تخطيط موازناتها المقبلة. وبحسب التقديرات الجديدة، ستتراجع إيرادات الحكومة الاتحادية والولايات والبلديات مجتمعة حتى عام 2030م بنحو 87.5 مليار يورو مقارنة بما كان متوقعًا في تقديرات الخريف الماضية. وفي العام المقبل وحده، ستقل الإيرادات المتوقعة بمقدار 17.7 مليار يورو. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني انخفاض الإيرادات الضريبية بشكل مطلق. إذ يُنتظر أن ترتفع الإيرادات من 998.7 مليار يورو في عام 2026م، إلى 1033.3 مليار يورو في العام التالي، ثم إلى 1138 مليار يورو بحلول عام 2030م، لكن بوتيرة أبطأ مما كان متوقعًا سابقًا.
وسيكون العبء الأكبر من هذا التراجع على الحكومة الاتحادية، حيث خفّض خبراء المال توقعاتهم لإيراداتها في العام المقبل بنحو عشرة مليارات يورو عن التقديرات السابقة. إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا الانخفاض يعود إلى تعديلات ضريبية سبق لوزير المالية أن احتسبها ضمن مشروع الموازنة. أما السبب الآخر، وإن كان أقل تأثيرًا، فهو ضعف النمو الاقتصادي. فبعد اندلاع الحرب الإيرانية، خفضت الحكومة الألمانية في أبريل توقعاتها للنمو الاقتصادي، إذ قلّصت تقديرها لنمو الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى النصف، ولم تعد تتوقع سوى نمو بنسبة 0.5 في المئة. كما خفضت توقعاتها لعام 2027م من 1.3 في المئة إلى 0.9 في المئة. وقد بدأ ضعف النشاط الاقتصادي ينعكس بالفعل على الايرادات الضريبية ففي شهر مارس تراجعت إيرادات ضريبة الدخل المفروضة على الأفراد بنحو 4 في المئة مقارنة بمارس 2025م، بينما انخفضت إيرادات ضريبة الشركات بحوالي 12 في المئة، وذلك بحسب التقرير الشهري الأخير لوزارة المالية الاتحادية. وأشارت الوزارة إلى أن هذه التراجعات تعكس استمرار ضعف الاقتصاد خلال الأعوام السابقة.
كما أوضح التقرير أن بيانات مارس لم تتضمن بعد التأثيرات الرئيسية للحرب الإيرانية، ما يعني أن الإيرادات قد تتراجع بصورة أكبر عند احتساب تلك التداعيات.
وكانت وزارة المالية قد استعدت مسبقًا لاحتمال صدور تقديرات ضريبية سلبية. فقد أعد موظفو الوزارة، أثناء إعداد موازنة عام 2027م، تحديثًا داخليًا لتوقعات الخريف السابقة، ما يعني أن الانخفاض في وتيرة نمو الإيرادات أُخذ إلى حد كبير بالحسبان ضمن الخطوط العريضة للموازنة. وبذلك، لا تؤدي التقديرات الضريبية الجديدة إلى إحداث فجوات إضافية كبيرة في خطط إنفاق الحكومة الاتحادية. وقال وزير المالية الاتحادي إن الحاجة إلى إجراءات تقشفية إضافية في العام المقبل سترتفع بمقدار مليار يورو فقط. لكن في المقابل، فإن هذه التقديرات لا تساعد أيضًا في سد الفجوات المالية القائمة أصلًا.
وتشير التوقعات الحالية إلى أن العجز المالي مرشح للتفاقم خلال السنوات المقبلة؛ فبعد فجوة تبلغ 20 مليار يورو في العام القادم، من المتوقع أن ترتفع إلى 29 مليار يورو في عام 2028م، ثم إلى 51 مليار يورو في 2029م، وصولًا إلى نحو 60 مليار يورو بحلول عام 2030م.
وتزداد الضغوط على الحكومة مع اتساع فجوة العجز في الموازنة الاتحادية. فمن المقرر اعتماد موازنة عام 2027م مطلع يوليو المقبل، لكن الحكومة مطالبة قبل ذلك بسد فجوة مالية تبلغ 20 مليار يورو. وتأمل وزارة المالية في تحقيق ذلك عبر خفض الإنفاق وتقليص الدعم الحكومي وزيادة بعض الضرائب مثل ضرائب التبغ والكحول. غير أن هذه الإجراءات لم تُحسم سياسيًا بعد، إذ ما تزال النقاشات مستمرة بشأن المجالات التي يمكن تقليص الإنفاق فيها فعليًا. ومن المنتظر أن تقدم الوزارات المختلفة خططها للتقشف بحلول نهاية مايو الجاري.
وفي اجتماع المستشارية الأخير في برلين، لم يحقق الائتلاف الحاكم أي تقدم ملموس في ملف إصلاح ضريبة الدخل، حيث انتهى اللقاء دون التوصل إلى اتفاق حول آلية تمويل التخفيفات الضريبية أو تعويض النقص المتوقع في إيرادات الدولة. فعلى الرغم من اتفاق شريكي الائتلاف على مبدأ تخفيف العبء الضريبي عن المواطنين، فإن الخلافات ما تزال قائمة بشأن كيفية تنفيذ ذلك عمليًا. ويتمحور التباين بشكل خاص حول مسألة فرض ضرائب إضافية على أصحاب الدخول المرتفعة والتي يؤيدها وزير المالية الاتحادي زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهو ما يرفضه التحالف المسيحي المحافظ بشكل واضح. حيث كان المستشار الألماني Friedrich Merz قد شدد مؤخرًا على ضرورة إصلاح ضريبة الدخل لصالح أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، مع رفضه فرض زيادات ضريبية على الشرائح العليا، معتبرًا ذلك غير عملي نظرًا لكون بعض الشركات تُصنف ضمن هذه الفئات ضريبيًا.
الاستثمارات الدولية في الأسهم الألمانية ما تزال مرتفعة رغم بطء الإصلاحات
بعد مرور عام على تشكيل الحكومة الاتحادية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس وعلى الرغم من الخلافات داخل الائتلاف الحكومي والتي لا تبعث على الثقة بين الأوساط الاستثمارية، لا يزال اهتمام المستثمرين الدوليين بسوق الأسهم الألماني مرتفعًا. وحتى مع الإقرار أن الحكومة لم تنفّذ حتى الآن إلا القليل من الإصلاحات التي وعدت بها لدعم الاقتصاد، لم تقلّل من جاذبية السوق. ويستند ذلك إلى بيانات تدفقات رأس المال الصادرة عن بنك BNY الأمريكي.
يقول Geoffrey Yu، استراتيجي الأسواق الأوروبية في بنك BNY: “لا يزال الاهتمام بالأسهم الألمانية مرتفعًا، وإن لم يعد بنفس المستوى الذي كان عليه في منتصف عام 2025م”. ويضيف أن حصة الأسهم الألمانية في محافظ المستثمرين تراجعت منذ الصيف الماضي، جزئيًا بسبب الأداء القوي للأسهم الأمريكية وبعض الأسهم الآسيوية في الفترة نفسها. “ومع ذلك، لا تزال أعلى من مستواها في بداية عام 2025م”.
ويدير بنك BNY أصولًا بقيمة تقارب 60 تريليون دولار أمريكي، أي نحو خُمس الأصول القابلة للاستثمار عالميًا. وتُظهر بيانات عملائه أن نظرة المستثمرين الدوليين إلى ألمانيا وأوروبا تغيّرت جذريًا في مطلع عام 2025م، ويُرجع Yu ذلك إلى التوقعات بزيادة الإنفاق الحكومي. حيث خفّفت الحكومة الألمانية بموافقة البرلمان الاتحادي (البوندستاج) في مارس من العام الماضي، قيود “مكابح الديون”. كما أن إقرار صندوق خاص للبنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو، وإتاحة الاستثمار غير المحدود في قطاع الدفاع، شكّلا من وجهة نظر العديد من المستثمرين نقطة تحوّل.
وعندما تولّى ميرتس منصبه رسميًا كمستشار في أوائل مايو 2025م، كانت هذه العوامل الداعمة للأسهم الألمانية قد بدأت بالفعل في التأثير، وبحسب Geoffrey Yu فقد سعى المستثمرون المؤسسيين إلى تنويع محافظهم، والرهان على زيادة الإنفاق الدفاعي في ألمانيا. ويضيف: «شهدت الأسهم الألمانية تدفقات قوية، خصوصًا في الأشهر الأولى من العام الماضي، في حين شهدت بعض الأسهم الأوروبية تدفقات خارجة». ويضم عملاء البنك مستثمرين طويلَي الأجل مثل مديري الأصول، ومعظمهم في أمريكا الشمالية.
لم يكن هذا الاهتمام المرتفع مستدامًا في البداية؛ ففي الربعين الثاني والثالث من العام 2025م، وفقًا لبيانات BNY، شهدت الأسهم الألمانية تدفقات خارجة كبيرة. ويوضح Yu: “كان السوق آنذاك يتفاعل مع آثار الرسوم الجمركية التجارية”. كما اتجه المستثمرون أكثر نحو قطاع التكنولوجيا الأمريكي، وربما قاموا بجني أرباحهم في السوق الألمانية.
لكن خلال الأشهر الأخيرة، عاد الاهتمام بالأسهم الألمانية للارتفاع. ويقول خبير الأسواق الاوربية في بنك BNY الأمريكي: “منذ الخريف، أصبح المستثمرون أكثر تشككًا تجاه أسهم التكنولوجيا والبرمجيات، ولهذا شهدنا تدفقات جديدة نحو الأسهم الألمانية”. ولا يزال الإنفاق المرتفع على الدفاع يمثل عامل جذب رئيسيًا. وأشار إلى أن اهتمام المستثمرين بالأسهم الألمانية والأوروبية يتركّز حاليًا في عدد محدود من القطاعات، خاصة قطاع الدفاع، بينما لم تستفد قطاعات أخرى مثل صناعة السيارات.
وتؤكد استطلاعات عدة هذا التوجه؛ فقد أظهر استطلاع لبنك أوف أمريكا أن نصف مديري الصناديق الأوروبيين اعتبروا الإنفاق الحكومي الألماني المحرك الأهم للنمو في أوروبا. كما أشار استطلاع لشركة Nuveen إلى أن العديد من المستثمرين المؤسسيين حول العالم زادوا استثماراتهم في أوروبا خلال العام الماضي.
ورغم الانتقادات الواسعة للحكومة بسبب بطء تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، فإن اهتمام المستثمرين ارتفع مجددًا. وأكد Niklas Garnadt، الاقتصادي في بنك Goldman Sachs الأمريكي، أن “التوسع المالي في ألمانيا يسير على المسار الصحيح، بينما تتقدم الإصلاحات الهيكلية ببطء”. من جانبه، يرى Stefan Hoops، رئيس شركة DWS لإدارة الأصول، أن هناك “اهتمامًا قويًا ومستمرًا” من المستثمرين الدوليين بأوروبا، مؤكدًا أن هذا الزخم لم يتأثر حتى بالاضطرابات الجيوسياسية في بداية العام. حيث أدت تداعيات النزاعات في الشرق الأوسط إلى تقليص المعروض العالمي من النفط والغاز.
كذلك شهد الطلب على السندات الحكومية الألمانية أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا مؤخرًا بين عملاء بنك BNY. ويُعدّ ذلك أمرًا مهمًا للحكومة الألمانية، إذ يتعيّن على ألمانيا، بحسب وكالة التمويل، اقتراض أكثر من 500 مليار يورو من أسواق رأس المال، وهو أعلى مستوى في تاريخها. واوضح Geoffrey Yu: “لا تزال ألمانيا تتمتع بجدارة ائتمانية ممتازة رغم ارتفاع الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية، ويمكنها اقتراض المزيد من الأموال بسهولة”. ويضيف: “الطلب من جانب المستثمرين موجود”.
ومنذ تولّي ميرتس منصبه، ارتفعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عشر سنوات بشكل ملحوظ، من نحو 2.5 في المئة إلى أكثر من 3 في المئة. كما ساهمت التوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز من قبل إيران والولايات المتحدة، وما رافقها من مخاوف بشأن ارتفاع الأسعار، في دفع العوائد إلى مزيد من الارتفاع مؤخرًا. وتشير البيانات إلى أن التدفقات نحو السندات الألمانية خلال العام الأول من ولاية ميرتس كانت أعلى مقارنة بفترة الحكومة السابقة. ويُعزى هذا الارتفاع في الطلب جزئيًا إلى أن عوائد السندات الألمانية طويلة الأجل أصبحت أعلى مما كانت عليه في نهاية عام 2021م، عند بداية حكومة الائتلاف السابقة.
مساعي للمجموعة المصرفية الإيطالية UniCredit للاستحواذ على Commerzbank الألماني
تُبدي المجموعة المصرفية الإيطالية UniCredit، اهتمامًا بالاستحواذ على مصرف Commerzbank، ثاني أكبر مصرف ألماني، وقدمت المجموعة الإيطالية التي تمتلك بالفعل 30 في المئة من أسهم المصرف الألماني، وهو ما يجعلها أكبر مساهم في المصرف وبالتالي تمتلك الحق في عرض شراء باقي الأسهم، عروض متكررة لشراء باقي أسهم المصرف بما في ذلك نصيب الحكومة الألمانية والبالغ أكثر من 12 في المئة. ويرى خبراء الاقتصاد المالي والخدمات المصرفية أن مثل هذه الخطوة قد تكون إيجابية بالنظر إلى سوق البنوك الأوروبية الذي يفتقد لبنوك او مؤسسات مصرفية كبيرة. حيث تبدو البنوك الأوروبية عند مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة، صغيرة الحجم. سواء من حيث الربحية أو القيمة السوقية، إذ تتفوق البنوك الأمريكية منذ سنوات على المؤسسات الأوروبية. وحتى مع تحسن أداء أكبر عشرة بنوك أوروبية مؤخرًا، بحسب شركة Ernst & Young، فإن البنوك الأمريكية لا تزال تحقق أرباحًا أعلى.
وإذا اعتُمدت القيمة السوقية معيارًا، فإن المجموعة المصرفية الامريكية JPMorgan Chase، بقيمة تقارب 700 مليار يورو تتفوق بفارق كبير على أي بنك أوروبي. وللمقارنة، تبلغ القيمة السوقية لـ Deutsche Bank، أكبر مصرف ألماني، نحو 50 مليار يورو فقط. لذلك، يرى كثير من خبراء الاقتصاد المالي ضرورة وجود بنك قيادي أوروبي أو ما اصطلح على تسميته “بطل مصرفي أوروبي”، ومنهم Florian Heider، من معهد لايبنتز SAFE في جامعة Goethe Frankfurt. الذي يؤكد على أن: “أقوى حجة للحاجة الى هكذا بنك تأتي من السوق نفسه. فقد ارتفعت قيمة Commerzbank منذ الإعلان عن نية UniCredit الاستحواذ عليه. حيث يرى السوق هذه الصفقة إيجابية لأنها ستؤدي إلى إنشاء بنك أوروبي قوي”. ويشير Heider، إلى أن المستثمرين يتوقعون نموًا أكبر للبنوك الأمريكية، مما يعزز الحاجة إلى بنوك أوروبية عملاقة قادرة على تمويل صفقات بمليارات اليورو أو عمليات اندماج واستحواذ معقدة للشركات الكبرى. ويضيف: “البنوك الأوروبية الصغيرة لا تمتلك رأس المال الكافي لتمويل صفقات كبيرة”. هذه الفجوة أدركتها بعض البنوك الأمريكية وتسعى لاستغلالها في السوق الأوروبية. كما أشار Andrea Orcel، رئيس UniCredit، إلى أن البنوك الأوروبية لا تستطيع تمويل تطوير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى بالمستويات نفسها التي توفرها البنوك الأمريكية، بسبب ضعف قدراتها المالية.
لكن خبراء في القطاع المصرفي، مثل Dieter Hein، من شركة الأبحاث المستقلة Fairresearch، يرون أن استحواذ مصرف UniCredit، الأكبر بأكثر من الضعف، على مصرف Commerzbank، قد يؤدي إلى تقليص الوظائف في ألمانيا. ويقول: “ستقوم UniCredit، على الأرجح بتقليص الأنشطة الأقل ربحية، مما قد يضعف وجود لاعب قوي في السوق الألمانية. كما أن تأثير الحكومة الألمانية على بنك إيطالي كبير سيكون محدودًا”. ناهيك عن معارضة صفقة الاستحواذ المعروضة من قبل مجلس إدارة Commerzbank ومن الحكومة الألمانية.
وكان رئيس المجموعة المصرفية الايطالية قد طرح مؤخرًا خطة لإعادة هيكلة Commerzbank، في حال إتمام الاستحواذ، تتضمن احتمال إلغاء نحو 7000 وظيفة في ألمانيا. وتأمل UniCredit في تحقيق مكاسب خاصة في قطاع عملاء التجزئة والشركات المتوسطة، مستفيدة من وجودها الحالي في ألمانيا عبر بنك HypoVereinsbank. وقد ساهم في زيادة مساعي مجموعة UniCredit، للاستحواذ على المصرف الألماني ان المجموعة حققت بداية قوية لهذا العام، حيث ارتفع صافي أرباحها بنسبة 16 في المئة إلى 3.2 مليار يورو، وهو أعلى ربح فصلي في تاريخها. كما زادت الإيرادات بنسبة 5 في المئة لتصل إلى 6.9 مليار يورو، متجاوزة توقعات السوق في كلا المؤشرين.
من جانبه، شدد Christian Sewing، رئيس Deutsche Bank، على أن الحجم وحده ليس العامل الحاسم. وقال: “نحن من بين البنوك الأوروبية القليلة التي تعمل في جميع القطاعات: الأفراد، والشركات، وإدارة الأصول، والخدمات الاستثمارية. نحن البديل الأوروبي ونطمح لأن نكون البطل الأوروبي”. وفي حال إتمام صفقة الاستحواذ، قد ينشأ ثالث أكبر بنك في أوروبا من حيث القيمة السوقية متقدمًا بفارق كبير على Deutsche Bank.
في المقابل، يحذر المنتقدون من مخاطر مفهوم “أكبر من أن يفشل” (Too big to fail). فقد أظهرت الازمة المالية العالمية في 2008-2009م، أن الحجم الكبير قد يشكل خطرًا على النظام المالي، حيث تتطلب البنوك الضخمة حزم إنقاذ مكلفة على حساب دافعي الضرائب. ويتفق معظم الخبراء على أنه قبل ظهور “بطل مصرفي أوروبي” حقيقي، يجب استكمال الاتحاد المصرفي الأوروبي. لكن ذلك يواجه مقاومة كبيرة من الدول، التي ترى أن وجود بنك قوي على المستوى الوطني أهم من إنشاء كيان مصرفي أوروبي عملاق.