منذ تأسيسها العام 1976م أسهمت غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية كمنصة لتعزيز الروابط الاقتصادية بين جمهورية ألمانيا الاتحادية والدول العربية بشكل جوهري في تطوير وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الجانبين في إطار مؤسسي يعمل على تطوير التعاون التجاري والاستثماري. وعلى امتداد ما يقارب خمسة عقود، وبرغم ما شهده العالم من تحولات كبرى وأزمات متلاحقة من تقلبات أسواق الطاقة والأزمة المالية العالمية إلى تداعيات الربيع العربي وجائحة كورونا، حافظت العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية على استقرارها وتطورها.
وفي ظل بيئة دولية تتسم بتزايد الضغوط الجيوسياسية وتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، باتت الشراكات الموثوقة عنصرًا حاسمًا لضمان الاستدامة والنمو. وانطلاقًا من ذلك، اضطلعت الغرفة بدور فاعل لا يقتصر على تسهيل التواصل، بل يمتد إلى توفير منصة للحوار الاقتصادي وتعميقه عبر بناء شبكات استراتيجية وتعزيز تبادل المعرفة والابتكار من خلال الأنشطة التي بادرت الى انشائها والمواضيع المستدامة التي تبنتها في العلاقات بين ألمانيا والدول العربية كالطاقة والصحة والتعليم.
وتتبنى الغرفة اليوم رؤية تقوم على تطوير الشراكة الاقتصادية بما يتجاوز حدود التبادل التجاري التقليدي نحو تعاون طويل الأمد قائم على المصالح المتبادلة. فهي توفر منصة تجمع صناع القرار ورجال الأعمال والمستثمرين، وتسهم في إطلاق مبادرات مشتركة في القطاعات ذات الأولوية، لاسيما الصناعات المتقدمة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والرعاية الصحية، والتعليم والتدريب المهني.
كما تركز على دعم الاستثمارات المشتركة وتعزيز نقل الخبرات وتنمية الكفاءات البشرية باعتبارها ركيزة أساسية لرفع التنافسية وتحقيق قيمة مضافة مستدامة. وإلى جانب ذلك، تقدم الغرفة خدمات مرافقة للشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، لدخول أسواق جديدة، وتوفير المعلومات والتحليلات الاقتصادية، ومعالجة التحديات التنظيمية، إضافة إلى تنظيم الوفود والمنتديات الاقتصادية المشتركة.
ومن خلال هذا الدور المتكامل، تسعى الغرفة إلى الإسهام في بناء شراكات عربية ألمانية متوازنة ومرنة، قادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية وتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بشكل يسهم في الاستقرار والمصالح المشتركة على المدى المتوسط والبعيد.
الخط التاريخي لتطور العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية
شهدت المعجزة الاقتصادية الألمانية التي انطلقت بعد الحرب العالمية الثانية تباطؤًا كبيرًا في سبعينيات القرن الماضي. فقد واجهت ضعفًا في الطلب الداخلي وارتفاعًا في معدلات التضخم، ما أدى إلى بطالة بالملايين. كما تعرضت قطاعات النمو التقليدية مثل البناء، وصناعة الصلب، وصناعة المعدات والآلات، وصناعة السيارات لضغوط متزايدة وتنافسية دولية. وفي الوقت نفسه، أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط ابتدأً من عام 1973م إلى تحول كبير في تدفقات رؤوس الأموال عالميًا. ففي حين عانت الدول الصناعية الغربية من الركود التضخمي، ارتفعت ايرادات الدول العربية المصدّرة للنفط بدرجة كبيرة.
وقد امتلكت هذه الدول، ولا سيما دول الخليج العربي، فوائض رأسمالية هائلة، استخدمتها لتطوير بنية تحتية حديثة والاستثمار في بناء الانسان. وهنا التقت الضرورة بالفرصة، حيث كانت ألمانيا بحاجة إلى فتح أسواق تصدير جديدة لتجاوز ركودها الداخلي، بينما كانت الدول العربية تبحث عن الخبرة التقنية والمنتجات عالية الجودة لبناء المدن والموانئ والمستشفيات والمرافق التعليمية.
في هذا السياق تأسست الغرفة عام 1976م في بون كمصة لتطوير العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية. وفي بيئة كانت العلاقات التجارية فيها تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة الشخصية، أدت الغرفة دور “المترجم الثقافي والإداري” بين رجال الاعمال العرب والألمان، وساهمت في توجيه تصدير المعرفة الألمانية “صنع في ألمانيا”، واضعةً الأساس لشراكة استراتيجية ربطت الاقتصاد الألماني بطفرة البنية التحتية في العديد من الدول العربية. كما عملت على التعريف بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلدان العربية لمجتمع رجال الاعمال والفعاليات الاقتصادية الألمانية.
وابتدأً من عقد التسعينيات من القرن الماضي شهدت العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية الانتقال من التركيز على مشاريع البناء إلى الشراكة التكنولوجية المتقدمة. ورغم تداعيات حرب الخليج الأولى، ترسخ دور العالم العربي كشريك استراتيجي للشركات الألمانية، وحدث تحول هيكلي ملحوظ، استفادت من خلاله قطاعات صناعة السيارات والهندسة الكهربائية وصناعة المعدات والآلات الألمانية.
وقد استفادت ألمانيا من سمعتها كشريك موثوق، الأمر الذي منح شركاتها ميزة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية، خصوصًا في قطاعي الطاقة والاتصالات. كما تميزت هذه الفترة بتحقيق ألمانيا فائضًا في الميزان التجاري في العديد من السنوات، إذ فاقت قيمة صادراتها الى الدول العربية تكاليف وارداتها منها.
ولم تكن العلاقة أحادية الاتجاه، فقد استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي في شركات ألمانية بارزة، حيث بدأت بعض هذه الاستثمارات منذ عقود وأسهمت بشكل كبير في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والدول العربية. في هذا السياق، تبرز دولة الكويت كأقدم المستثمرين في ألمانيا من بين الدول العربية، إذ بدأت استثماراتها منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث استثمر الكويتيون في شركة Daimler لصناعة السيارات وGEA Group عام 1974م.
وشملت المحفظة الاستثمارية لدولة قطر في ألمانيا شركات كبرى في مختلف القطاعات، مثل فولكسفاجن في صناعة السيارات، وDeutsche Bank أكبر بنك ألماني، وشركة سيمنز في مجال الصناعة. الى جانب الاستثمار في شركة Hochtief للإنشاءات وشركة خدمات الكهرباء الألمانية RWE.
كما تركزت استثمارات دولة الإمارات العربية المتحدة، على الصناعات التقنية المتقدمة، أبرزها شركة GlobalFoundries لصناعة أشباه الموصلات، الى جانب صفقة شراء شركة Covestro أحد أكبر منتجي المواد الكيمائية في العالم.
الى جانب ذلك، استثمرت المملكة العربية السعودية في شركة Hapag-Lloyd، للنقل البحري الى جانب استثمارات سعودية كبيرة في قطاع الشركات الناشئة الألمانية عبر Soft Bank. وتُقدّر حالياً الاستثمارات العربية في الاقتصاد الألمانيا بين 100 إلى 120 مليار يورو.
أدوات الغرفة كمزوّد خدمات متعدد الوظائف
تعتمد الغرفة اليوم في أداء مهمتها في تعزيز العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية على أدوات أساسية مترابطة تتكامل فيما بينها. ففي مجال إقامة العلاقات والتواصل بين رجال الاعمال العرب والالمان (Networking)، تؤدي الغرفة دور “فاتح الأبواب” الحصري؛ فمن خلال فعالياتها الرئيسية مثل الملتقى الاقتصادي العربي الألماني والملتقيات المتخصصة والوفود المتبادلة، سواء إلى الدول العربية أو إلى ألمانيا، تتيح اتصالاً مباشرًا في مجالات الاقتصاد والدبلوماسية والسياسة. وتُستخدم هذه المنصات لتهيئة الشراكات التجارية بشكل موجّه وترسيخ الثقة اللازمة لعلاقات طويلة الأمد.
غير أن الغرفة لم تعد مجرد منصة تواصل، بل تطورت إلى مصدر معلومات رئيسي ذو بعد علمي واستراتيجي. فمن خلال قسم “المعلومات”، يحصل الأعضاء والمؤسسات الشريكة للغرفة على تقارير مفصلة حول تطورات الأسواق والمشروعات المرتقبة والأطر التنظيمية في ألمانيا والعالم العربي. ويعزز ذلك نشرات إخبارية أسبوعية وشهرية، إضافة إلى مجلة السوق التي تنشر باللغتين العربية والألمانية والتي تصدر كل ثلاثة أشهر، وتقدم تحليلات معمقة حول فرص التعاون عبر مختلف القطاعات الاقتصادية. علاوة على ذلك يعزز موقع الغرفة (www.ghorfa.de) معلومات محدثة عن أنشطة الغرفة والتطورات الاقتصادية في ألمانيا والعالم العربي.
أما في مجال الاستشارات، فتدعم الغرفة الشركات في دخول الأسواق والتوسع فيها. وبفضل قاعدة بيانات تضم أكثر من 15 ألف جهة اتصال، توفر خدمات موثوقة بين الشركاء. كما تقدم استشارات متخصصة في القضايا المتعلقة بثقافة الأعمال سواء في ألمانيا او في العالم العربي. وتتمثل إحدى نقاط قوتها الواضحة في كونها ممثلًا لجميع غرف الصناعة والتجارة العربية في ألمانيا، ما يرسخ مكانتها داخل البنية المؤسسية للاقتصاد العربي. ومن هذا الموقع، تُمكّن الشركات الألمانية من التواصل المباشر مع الغرف المعنية والجهات الحكومية في الدول العربية، وتوفر دعمًا مؤسسيًا راسخًا لتجاوز تعقيدات دخول الأسواق. وفي ألمانيا تتمتع الغرفة بعلاقات ممتازة ومستدامة مع المؤسسات الحكومية على المستوى الاتحادي وبالذات الوزارات المعنية كوزارة الاقتصاد والطاقة ووزارة التعاون الدولي والتنمية كما تحظى الغرفة بشراكة مميزة مع الاتحادات الاقتصادية الألمانية وفي مقدمتها اتحاد غرف التجارة الألمانية (DIHK) والغرف الأعضاء. كما تنضوي في عضوية الغرفة المئات من اهم الشركات الألمانية الكبرى والمتوسطة والتي تنشط في العالم العربي.
في عام 1997م، أطلقت الغرفة أول ملتقى اقتصادي عربي ألماني ليكون منصة رفيعة المستوى للحوار بين رجال الأعمال العرب والألمان، وذلك في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز شراكة اقتصادية مستدامة بين الجانبين. وقد مثل هذا الملتقى نقطة انطلاق مهمة لتقوية العلاقات التجارية والاستثمارية بين الدول العربية وألمانيا، من خلال خلق بيئة تفاعلية تسمح بتبادل الخبرات والمعرفة واستكشاف الفرص الاقتصادية الجديدة.
مع بداية القرن الحادي والعشرين، شهد التعاون الاقتصادي العربي الألماني تحولًا جذريًا نتيجة التوجهات الاستراتيجية الجديدة التي تبنتها العديد من الدول العربية. فقد أطلقت هذه الدول خططًا واستراتيجيات وطنية طويلة المدى تهدف إلى تطوير اقتصاداتها وتحقيق نمو مستدام وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد على الموارد التقليدية. من أبرز هذه الاستراتيجيات رؤية الإمارات 2021 واستراتيجية 2071، ورؤية المملكة العربية السعودية 2030، ورؤية قطر الوطنية 2030، وكذلك رؤية مصر 2030 التي تهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة وتحسين الخدمات العامة وتعزيز العدالة الاجتماعية. كما تسعى رؤية سلطنة عمان 2040، ورؤية الكويت الجديدة 2035، وخطة الأردن لتعزيز النمو الاقتصادي إلى تحقيق أهداف مشابهة تشمل تطوير البنية التحتية، ودعم الابتكار، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وفي ظل هذه المرحلة الجديدة من التطور الاقتصادي، أصبح الملتقى الاقتصادي العربي الألماني الذي تنظمه الغرفة منصة محورية وجاذبة للاستثمارات، حيث يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين العالم العربي وألمانيا، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات متنوعة تشمل الصناعة، الطاقة، التكنولوجيا، والخدمات المالية، مما يعزز التكامل الاقتصادي ويخدم التنمية المستدامة على المدى الطويل.
ولم يقتصر دور الملتقى على تعزيز التبادل التجاري فحسب، بل تجاوز ذلك ليشارك في اعماله قادة عرب وألمان وهو ما تجلّى في مشاركة العديد من قادة الدول العربية وألمانيا الذين باتوا ينظرون إلى الملتقى بوصفه ساحة دبلوماسية مهمة للحوار والتواصل. وقد انطلق هذا الحوار رفيع المستوى مبكرًا بمشاركة رئيس وزراء دولة الكويت آنذاك الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح. كما شارك جلالة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عمان في أعمال الملتقى على رأس وفد بلاده عندما كان وزيراً للتراث والثقافة عام 2009م، كما استضافت الغرفة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس مجلس الوزراء في أحد فعالياتها الرئيسية عام 2008م.
كما يعكس الاستقبال الرسمي الذي نظمته الغرفة تكريمًا لكل من جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي قام بها العاهل السعودي إلى ألمانيا وبالتعاون مع اتحاد الصناعات الألمانية (BDI) واتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية (DIHK)، حجم الالتزام الذي تضطلع به الغرفة في دعم وتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين ألمانيا والعالم العربي.
كان ذلك بداية تقليدٍ راسخ شارك فيه كبار المسؤولين السياسيين من الجانبين في رسم ملامح الشراكة المشتركة. فعلى الجانب الألماني أكدت شخصيات بارزة، مثل عمدة برلين الأسبق كلاوس فوفيرايت 2007م إلى جانب سلسلة من وزراء الاقتصاد الاتحاديين، عبر مشاركتهم في اعمال الملتقيات المختلفة التي تنظمها الغرفة، أهمية العالم العربي بالنسبة لألمانيا بوصفها دولة تعتمد بقوة على الصادرات. ومن بين هؤلاء الوزراء فولفغانغ كليمنت (2005م)، ميشائيل غلوس (2006م)، كارل-تيودور تسو غوتنبرغ (2009م)، الدكتور فيليب روسلر (2012م)، زيغمار غابرييل (2014م) ، بريغيته تسيبريس (2017)، وأخيرًا كاترينا رايشه (2025). كما شارك الدكتور روبرت هابيك عام 2023م كمتحدث رئيسي، وذلك خلال ملتقى الطاقة العربي الألماني الثاني عشر.
كما استخدمت الدبلوماسية الألمانية الملتقى الاقتصادي كنقطة ارتكاز استراتيجية، وفي مقدمتها وزير الخارجية الألماني الأسبق الدكتور غيدو فيسترفيله الذي شارك في اعمال الملتقى خلال عامي 2010م و2013م. وقد أسهم هذا الدعم السياسي في تمكين الغرفة من تعزيز التعاون في مجالات استراتيجية مثل اقتصاديات الرعاية الصحية، والأمن الرقمي، والطاقة المتجددة.
وشهد عامَا 2018م و2019م محطة بارزة أخرى في مسيرة اعمال الملتقى الاقتصادي وبقية الملتقيات، في ظل وزير الاقتصاد الألماني آنذاك بيتر ألتماير، حيث شارك الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح من دولة الكويت في اعمال الملتقى الاقتصادي. وفي الوقت ذاته قدم عدد من الوزراء العرب دعما غير محدود للشراكة الاقتصادية العربة الألمانية من خلال المشاركة في ملتقيات الغرفة وخصوصا الملتقى الاقتصادي، من بينهم وزير الاقتصاد الإماراتي سلطان بن سعيد المنصوري(2016م)، الدكتور احمد عبيد من دغر رئيس الوزراء اليمني (2017م)، ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (2019م)، إضافة إلى حسن الخطيب وزير الاستثمار والتجارة الخارجية في جمهورية مصر العربية (2025م). كما شارك في فعاليات الغرفة رؤساء وزراء العراق نوري المالكي وعادل عبدالمهدي وحيدر العبادي ومحمد شايع السوداني.
حتى خلال جائحة كوفيد-19 العالمية استمرت الغرفة في تنظم ملتقياتها المختلفة وضمان المشاركة رفيعة المستوى فيها، ويؤكد ذلك إلقاء رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة كلمة عبر رسالة فيديو عام في الملتقى الاقتصادي في العام 2021م، ومشاركة وزيرة الصناعة والتجارة المصرية نيفين جامع شخصيًا في اعمال الملتقى في العام 2022م، وهو ما يعكس الأساس المتين الذي تقوم عليه الغرفة بعد ما يقرب من خمسة عقود من العمل والتعاون.
تعزيز الثقة في بيئة الأعمال
عادة ما يكون مجتمع الأعمال مرتبطاً، بطبيعة الحال، بعدد من التحديات في أداء أعماله، والغرفة شأنها شأن أي مؤسسة تعمل في بيئة دولية متغيرة ومعقدة تواجه وواجهت على مدى مسيرتها الممتدة لخمسين عاما العديد من التحديات. من أبرز هذه التحديات تباين الأطر القانونية والتنظيمية بين الدول العربية وألمانيا، واختلاف الأولويات الاقتصادية من بلد إلى آخر، إضافة إلى التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية التي تؤثر أحياناً في قرارات الاستثمار وحركة التجارة.
كما يبرز تحدي تسريع التحول الرقمي ومواكبة متطلبات الاستدامة والمعايير البيئية الجديدة، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى تعزيز الثقة وتبادل المعلومات الدقيقة بين مجتمعي الأعمال العربي والألماني، خصوصاً لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ورغم هذه التحديات، كان دور الغرفة في الفترة الماضية دور إيجابي وفعّال. فقد نجحت في الحفاظ على قنوات الحوار الاقتصادي مفتوحة، وعززت التواصل بين الشركات والمؤسسات، ونظمت فعاليات اقتصادية نوعية أسهمت في التعريف بفرص الاستثمار والتعاون المشترك. كما لعبت دوراً مهماً في دعم الشركات خلال فترات عدم اليقين، من خلال تقديم المشورة والمعلومات ومواكبة المستجدات الاقتصادية.
وبصورة عامة، أثبتت الغرفة قدرتها على التكيف مع التحديات، والاستمرار في أداء رسالتها كجسر موثوق بين العالم العربي وألمانيا، مع وجود فرص إضافية لتعزيز هذا الدور مستقبلاً عبر توسيع الشراكات، وتكثيف العمل على الابتكار والاستدامة وتنمية رأس المال البشري.
50 عاما من الشراكة كأساس لعلاقات مستقبلية واعدة
عندما تحتفل الغرفة في عام 2026م بمرور 50 عامًا على تأسيسها، فإنها لا تستعرض مجرد أرقام تجارية، بل نصف قرن من الشراكة الفعلية التي تطورت من مشاريع البنية التحتية في سبعينيات القرن الماضي إلى التعاون في صياغة التحول العالمي في مجال الطاقة والسيادة الرقمية. ويُعد حجم التبادل التجاري القياسي بين الدول العربية وألمانيا 62,3 مليار يورو خلال العام 2025م نتيجة طبيعية لمسيرة طويلة من الاستمرارية والثقة المتبادلة.
لقد كانت الغرفة منذ تأسيسها عام 1976م ولا تزال الجهة الرئيسية المعنية بتعزيز التعاون، فهي لا تكتفي ببناء الجسور، بل تضفي عليها حياة يومية متجددة. واليوم تؤدي دور بوصلة استراتيجية في عالم يشهد تحولات متسارعة. ويعكس شعار الملتقى الاقتصادي العربي الألماني التاسع والعشرين“ما بعد التحول: الذكاء والابتكار وصناعة الأثر” هذا التوجه، إذ لا يقتصر الهدف على مواكبة التقنيات الجديدة، بل يتعداه إلى وضع معايير مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الخضراء والصناعة المستدامة.
ويشكّل الملتقى الاقتصادي العربي الألماني القادم 17-19 يونيو 2026م في برلين، إطارًا احتفاليًا لتجسيد خمسة عقود من التعاون وتعميق مضامينه. وستركز حلقات النقاش على موضوعات مستقبلية تهم الصناعة والمجتمع على حد سواء، بما في ذلك جلسات حول الذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير، والممرات الصناعية العملاقة والنمو الإقليمي، إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، الثقة الرقمية والمرونة، تحول السياحة والوجهات الذكية، أنظمة الرعاية الصحية الذكية والقادرة على الصمود، ترابط الطاقة والمياه والاستدامة، إضافة إلى الشراكات والعلاقات الدولية. كما ستُعقد موائد مستديرة خاصة وموائد مستديرة للدول (Country Round Tables)، تسلط الضوء على الفرص الناشئة والرؤى المتخصصة في العديد من القطاعات الاقتصادية في مختلف أنحاء المنطقة العربية.
إن نجاح التعاون العربي-الألماني ليس أمرًا يتحقق تلقائيًا. وتعرب الغرفة عن شكرها لأعضائها وشركائها على التعاون الطويل الأمد والقائم على الثقة، والذي شكّل الأساس الرئيس لنجاح العقود الخمسة الماضية. إن هذا التبادل الوثيق هو الذي يواصل إضفاء زخم جديد على العلاقات الاقتصادية العربية-الألمانية، ويتيح تحويل التحديات المشتركة إلى فرص واعدة. وفي المستقبل أيضًا، ستواصل الغرفة العمل على تعميق هذا الحوار القائم على الشراكة، وبالتعاون مع أعضائها وشركائها، لترسيخ أسس التعاون المستدام.
