تراجع مؤشر مناخ الاعمال للشركات الألمانية في شهر أبريل بشكل ملحوظ حيث سجل مؤشر ifo مستوى 84.4 نقطة، بعد أن كان عند مستوى 86.3 نقطة في مارس الماضي. ويُعد هذا أدنى مستوى للمؤشر منذ مايو 2020م. ويرجع هذا التراجع الى ان الشركات تنظر بتشاؤم أكبر بكثير إلى مستوى اعمالها المتوقع في الأشهر القادمة، كما قيّمت أوضاع أعمالها الحالية بشكل أسوأ. وهنا يظهر بشكل جلي التأثير الكبير لأزمة إيران واغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الألماني.

     على مستوى قطاعات الاقتصاد الألماني تراجع مناخ الاعمال في قطاع الصناعة، حيث سجل المؤشر مستوى ( -15.5 نقطة) في أبريل مقابل مستوى ( -14.4 نقطة) في الشهر السابق، ويُعزى ذلك إلى توقعات شركات القطاع الأكثر تشاؤمًا بشكل واضح حول مستقبل اعمالها في الفترة القادمة، خاصة في الصناعات الكيميائية. وبالرغم ايضاً من ان الشركات قيّمت وضعها الحالي بشكل أفضل قليلًا، لكنها أفادت بشكل متزايد بوجود اختناقات في توريد المنتجات الصناعية الوسيطة.

     أما في قطاع الخدمات، فقد انخفض المؤشر بشكل ملحوظ مسجلا مستوى ( -11 نقطة) في شهر أبريل متراجعا بذلك من مستوى ( -5.1 نقطة) المسجل في شهر مارس، ويعود ذلك بسبب استمرار تراجع توقعات الشركات بمستوى اعمالها خلال الأشهر القادمة، كما جاءت تقييمات الوضع الحالي لأعمالها أقل إيجابية. ويواجه قطاع الخدمات اللوجستية على وجه الخصوص ضغوطًا إضافية، حيث تبدو آفاق الاعمال فيه قاتمة.

     كذلك تراجع مناخ الاعمال في قطاع التجارة بشكل حاد حيث سجل المؤشر في شهر أبريل مستوى ( -32.6 نقطة) بعد ان كان عند مستوى ( -24.6 نقطة) في مارس الماضي، إذ خفّضت الشركات تقييماتها لكل من الوضع الحالي لأعمالها والتوقعات الخاصة بتطور هذه الاعمال في الفترة القادمة بشكل واضح. ويشعر تجار التجزئة بقلق خاص من أن المستهلكين قد يزيدون من تقييد إنفاقهم بسبب ارتفاع معدل التضخم.

     وفي قطاع البناء، شهد مناخ الأعمال تراجعا كبيراً يقترب من 10 نقاط حيث سجل المؤشر في ابريل مستوى (- 24 نقطة) متراجعاً عن مستوى ( -15 نقطة) المسجل في مارس الماضي، ويُعزى هذا الانخفاض الكبير في قيمة المؤشر الى التراجع الكبير في توقعات الشركات لأعمالها خلال الأشهر القادمة. كما كانت الشركات أقل رضا بشكل واضح عن أعمالها الجارية، وتلاشت مؤقتًا آمال شركات القطاع في حدوث انتعاش اقتصادي قريب.

     في غضون ذلك خفضت الحكومة الألمانية من توقعاتها للنمو للعام الحالي حيث اكدت كاترينا رايشه، وزيرة الاقتصاد والطاقة الاتحادية، ان من المتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي هذا العام زيادة لا تتجاوز 0.5 في المئة، بعدما كانت الحكومة قد توقعت في بداية العام نمواً بنسبة واحد في المئة. وفي الوقت نفسه يُتوقع أن تعاود معدلات التضخم الارتفاع. ويعود السبب الرئيسي لهذه التوقعات المتشائمة الى تداعيات حرب إيران، وعلى رأسها أشد أزمة طاقة في التاريخ، بحسب وصف الوكالة الدولية للطاقة. إذ لا يزال الممر البحري عبر مضيق هرمز مغلقًا، وقد ارتفعت أسعار النفط منذ ذلك الحين بنحو 60 في المئة. مع العلم أن نحو خُمس النفط العالمي يمر عبر هذا الممر البحري في الخليج العربي.

     وبشكل عام، يتوقع الباحثون في أبرز معاهد البحوث الاقتصادية الألمانية نمو الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي بنسبة 0.6 في المئة فقط، بعدما كانت التوقعات السابقة تشير إلى 1.3 في المئة. كما خفّض الباحثون توقعاتهم للنمو في العام 2027م من 1.4 في المئة إلى 0.9 في المئة. كما تتوقع المعاهد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المستهلكين. وبحسب تقديراتها، سيصل معدل التضخم هذا العام في ألمانيا إلى متوسط 2.8 في المئة، ويرتفع في 2027م إلى 2.9 في المئة.

     وكان الاقتصاد الألماني قد تجنب بالكاد في عام 2025م، الدخول في عام ثالث من الركود، مسجلاً نمواً طفيفاً بلغ 0.2 في المئة، وكان من المفترض أن يشهد هذا العام تحسناً ملحوظاً مدفوعاً بإنفاق حكومي ضخم لتحديث البنية التحتية وتعزيز الدفاع. إلا أن الحرب في الشرق الأوسط أدت إلى ما وصفة اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية بموجة من التكاليف، حيث أفادت 83 في المئة من الشركات بتأثيرات سلبية على أعمالها، ما يزيد من صعوبة الوضع الاقتصادي في ألمانيا.

     وكانت الأوضاع صعبة بالفعل حتى قبل اندلاع الحرب، إذ أظهرت دراسة أجرتها شركة كيه بي إم جي شملت 400 شركة تابعة لشركات أجنبية تعمل في ألمانيا أن جاذبية البلاد كموقع اقتصادي قد تراجعت، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، وتعقيد الإجراءات البيروقراطية، وضعف مستوى الرقمنة.

     وتُظهر أزمة الطاقة الحالية مدى تأثر الاقتصاد الالماني، رغم أن حصة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء بلغت أكثر من 56 في المئة العام الماضي بحسب بيانات معهد Fraunhofer.  ومع ذلك، لا يمكن لدولة مصدّرة كبرى مثل ألمانيا الاستغناء عن الوقود الأحفوري، خاصة أن كفاءة سلاسل الإمداد الدولية تعتمد عليه بشكل كبير وأي اضطراب في هذه السلاسل يُسبب أضرارًا جسيمة للصناعة التصديرية الألمانية. كما تكشف الأزمة الحالية عن تحديات أعمق تواجه ألمانيا. فتنافسية النموذج الصناعي الألماني بعد الحرب أصبحت أقل، خاصة بسبب ارتفاع التكاليف مقارنة بالدول الأخرى. وأبرز مثال على ذلك صناعة السيارات، التي كانت لعقود رمزًا للقوة الاقتصادية الألمانية، لكنها تواجه الآن صعوبة في منافسة الشركات الصينية الأقل تكلفة. كما تعاني قطاعات أخرى مثل الصناعات الكيميائية وصناعة المعدات والآلات من تحديات مشابهة. وبالنسبة للحكومة الألمانية، يشكل تراجع القدرة التنافسية للقطاع الصناعي معضلة حقيقية، فمن جهة، يُعد الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في بلد مرتفع الأجور والأسعار أمرًا بالغ الأهمية، ومن جهة أخرى يجب الحفاظ على القدرة التنافسية للاقتصاد. ولا يمكن إلا لنمو اقتصادي قوي أن يحمي بعض الامتيازات الاجتماعية القائمة من التراجع. أما الركود التضخمي فيُعد من أسوأ السيناريوهات، إذ سيزيد الضغط على الوظائف الصناعية، خاصة إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.

     من جانبه، وبسبب صدمة أسعار الطاقة الناتجة عن الحرب مع إيران، ينظر صندوق النقد الدولي (IWF) إلى آفاق الاقتصاد في منطقة اليورو بنظرة حذرة. إذ تعتمد العديد من الدول، خاصة ذات الإنتاج الصناعي المرتفع، بشكل كبير على أسواق الطاقة العالمية. وتُعد أوروبا الأكثر تضررًا من صدمة أسعار الطاقة، وخاصة دولًا مثل ألمانيا، وفقًا لتوقعات الصندوق. ويعود ذلك إلى أن اقتصاداتها كثيفة الاستهلاك للطاقة وتعتمد على استيراد العديد من المواد الخام. وبالتالي، تنعكس زيادة أسعار النفط والغاز مباشرة على التكاليف والأسعار والقدرة التنافسية.


سوق العمل: الانتعاش الربيعي أضعف من المعتاد وتوقعات بتفاقم نقص العمالة الماهرة مستقبلاً

     مع بداية انتعاش سوق العمل الاعتيادي في ربيع كل عام، انخفض عدد العاطلين عن العمل في شهر مارس 2026م، مقارنة بالشهر الذي سبقه بمقدار 49,000 شخص ليصل إجمالي عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا إلى 3,021,000 شخص. وبهذا الانخفاض تراجع معدل البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية ليصل إلى 6.4 في المئة، وهو نفس المستوى المسجل في العام الماضي. وبالمقارنة مع مارس من العام الماضي، فان عدد العاطلين في مارس من العام الحالي أعلى بمقدار 54,000 شخص.

     وفي معرض تعليقها على بيانات سوق العمل في مارس قالت Andrea Nahles، رئيسة مجلس إدارة الوكالة الاتحادية للعمل (BA)، “في شهر مارس يبدأ عادة الانتعاش الربيعي في سوق العمل، لكن هذا العام كان الانتعاش دون زخم يُذكر.”

    وفي إطار برنامج العمل بدوام مختصر بلغ عدد الموظفين الجدد الذين تم تسجيلهم في البرنامج خلال الفترة من 1 إلى 25 مارس 38,000 شخص. وبلغ اجمالي المستفيدين من البرنامج بحسب أحدث بيانات متوفرة حتى يناير 2026م، حوالي 136,000 موظف، وهذا العدد أقل بـ 6,000 مقارنة بالشهر السابق، وأقل بـ 141,000 شخص مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي. أما فيما بتعلق بعدد الوظائف الشاغرة المسجلة لدي وكالة العمل الاتحادية فقد بلغت في شهر مارس نحو 638,000 وظيفة شاغرة، أي أقل بـ 5,000 وظيفة مقارنة بالعام الماضي.

     وفي سياق متصل، تُظهر دراسة صادرة عن معهد أبحاث سوق العمل والمهن (IAB)، أن أزمة نقص العمالة الماهرة مرشحة للتفاقم في السنوات القادمة، خاصة مع تقاعد أعداد متزايدة من جيل “طفرة المواليد”. وتوضح الدراسة أن النقص لم يرتفع مؤخرًا في معظم المهن بنفس الوتيرة التي ارتفع بها في مهنة بائعي اللحوم المتخصصين. وتؤكد هذه النتيجة بيانات مركز تأمين العمالة الماهرة (KOFA) التابع لـمعهد الاقتصاد الألماني (IW).، حيث لم يتم شغل نحو 4,665 وظيفة بمرشحين مؤهلين في المتوسط خلال عام 2025م، بزيادة تتجاوز 40 في المئة مقارنة بالعام السابق. وبحسب الخبير Jurek Tiedemann، فإن هذه الأرقام تُعد الأعلى على الإطلاق. ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى التغير الديموغرافي، إذ كان أكثر من 38 في المئة من العاملين في هذه المهنة في عام 2024م تبلغ أعمارهم 55 عامًا أو أكثر، ما يعني اقترابهم من التقاعد. في المقابل، لا يدخل عدد كافٍ من الشباب إلى هذه المهنة لتعويض النقص. ونتيجة لذلك، انخفض عدد العاملين فيها بين عامي 2017م و2024م بأكثر من 19 في المئة. ورغم أن هذه المهنة ليست من أكبر او أهم القطاعات مقارنة بالمهن الصناعية أو التقنية، إلا أنها تعكس بوضوح الاتجاه العام لتفاقم أزمة نقص العمالة الماهرة في ألمانيا.

     أما ثاني أكبر زيادة نسبية في فجوة العمالة الماهرة فقد سُجلت مؤخرًا لدى مشغلي آلات الحفر، أي سائقي الحفارات واللودرات. إذ لم يتم شغل أكثر من 1,500 وظيفة في عام 2025م، بزيادة 38 في المئة مقارنة بالعام السابق. ويعمل هؤلاء في مجالات مثل بناء الطرق. كما تفاقم الوضع لدى مستشاري الضرائب، حيث ارتفعت الفجوة بنسبة تقارب 27 في المئة لتصل إلى 2,318 وظيفة. ومن حيث الأعداد المطلقة، لا يزال النقص أكبر في مهن أخرى. وأكبر عجز في عدد العمال المهرة المطلوبين لشغل الوظائف الشاغرة يوجد في مجال الكهرباء الإنشائية في قطاع البناء، حيث لم يتم شغل أكثر من 16,200 وظيفة شاغرة في عام 2025م، أما في قطاع رعاية المسنين فبلغ عدد الوظائف الشاغرة أكثر من 15,200 وظيفة.

     وبشكل عام، انخفضت فجوة العمالة الماهرة. إذ لم يتم شغل أكثر من 369,000 وظيفة شاغرة في العام الماضي وفقًا لـ KOFA، أي أقل بنحو 25 في المئة من اجمالي الوظائف الشاغرة مقارنة بعام 2024م. لكن Tiedemann، لا يرى في ذلك مؤشرًا إيجابيًا، إذ يقول: “الاقتصاد في حالة ركود، والشركات تعلن عن وظائف أقل ولا تقوم بملء الشواغر بسبب التوقعات غير المستقرة.” وفي حال حدوث انتعاش اقتصادي، من المتوقع أن يزداد نقص العمالة الماهرة. ويرى معهد أبحاث سوق العمل والمهن (IAB) الأمر بشكل مشابه. حيث ان سوق العمل سوف تتأثر سلبًا بالتغير الديموغرافي. إذ من المتوقع أن ينخفض عدد القوى العاملة المتاحة في السوق هذا العام بمقدار 40,000 ليصل إلى 48.62 مليون شخص. كما يُتوقع أن يرتفع عدد العاطلين عن العمل في المتوسط السنوي بمقدار 40,000، إلا أن هذا الارتفاع سيظهر بشكل أساسي في النصف الأول من العام، بينما قد يشهد النصف الثاني انخفاضًا طفيفًا. وتتركز فرص العمل الجديدة تقريبًا في القطاع العام، وقطاع الصحة، والتعليم. في المقابل، يستمر عدد الوظائف في الصناعة بالانكماش. وشدد Enzo Weber، الباحث من معهد  IAB  “إن حرب إيران وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار الطاقة واضطرابات في التجارة ستزيد من الضغط على تطور التوظيف في القطاع الصناعي.”

 

حزمة إجراءات حكومية لتخفيف الأعباء في ألمانيا

     تسعى الحكومة الألمانية إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين من خلال حزمة من الإجراءات التي تشمل خفض ضريبة الطاقة على الوقود، وإعادة تفعيل مكافأة أزمة معفاة من الضرائب للعاملين، إلى جانب التخطيط لإصلاح ضريبي واسع النطاق، وذلك في ظل ضغوط مالية متزايدة وتساؤلات حول آليات التمويل واستدامة هذه التدابير.

     وفي هذا السياق، أقرت الحكومة خفض ضريبة الطاقة على البنزين والديزل بمقدار 17 سنتًا لكل لتر، والتي سيبدأ تنفيذها بداية من الأول من شهر مايو بعد اقرار البرلمان الاتحادي (البوندستاج) لقانون بهذا الخصوص. على أن يستمر لمدة شهرين فقط بتكلفة إجمالية تُقدّر بنحو 1.6 مليار يورو وفقًا لوثيقة الائتلاف. وقد أعرب المستشار الألماني Friedrich Merz عن توقعه بأن تقوم شركات النفط بتمرير هذا التخفيض بالكامل إلى المستهلكين بشكل مباشر ودون قيود، فيما أكد وزير المالية ورئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي Lars Klingbeil أن الحكومة لن تترك المواطنين وحدهم في هذه الأزمة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة ستوفر تخفيفًا ملموسًا في تكاليف المعيشة. وبعد انتهاء فترة الشهرين، ستُعاد معدلات الضريبة السابقة تلقائيًا، وهو ما يعني احتمال ارتفاع الأسعار مجددًا، حيث أوضح ميرتس أن الدولة لا يمكنها تعويض جميع المخاطر والتقلبات العالمية، وأن أي دعم مالي يُقتطع من الميزانية سيؤثر على مجالات أخرى، مما يبرر الطابع المؤقت لهذا الإجراء.

     وفيما يتعلق بتمويل هذه التخفيضات، يشير اتفاق الائتلاف الحاكم إلى أن ذلك سيتم عبر تعديلات على قوانين المنافسة أو الضرائب تستهدف شركات النفط، إلا أن فرض ضريبة جديدة على الأرباح الاستثنائية الناتجة عن الأزمات لا يزال محل خلاف سياسي، إذ يدعمه الحزب الاشتراكي الديمقراطي بينما يعارضه الاتحاد المسيحي. ويُذكر أن الحكومة الألمانية كانت قد طبقت في عام 2022م إجراءً مشابهًا عُرف باسم “خصم الوقود” لمدة ثلاثة أشهر استجابة للارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا، حيث تم حينها خفض ضريبة الطاقة على الديزل بمقدار 14.04 سنتًا لكل لتر وعلى البنزين الممتاز بمقدار 29.55 سنتًا لكل لتر، ومع إلغاء ضريبة القيمة المضافة على هذه المبالغ بلغ إجمالي التخفيض نحو 17 سنتًا للديزل وأكثر من 35 سنتًا للبنزين.

     ولا تقتصر إجراءات التخفيف الحالية على سائقي السيارات، بل تشمل أيضًا العاملين، إذ اقرت الحكومة إتاحة صرف مكافأة أزمة بقيمة 1,000 يورو لكل موظف خلال العام الجاري وحتى شهر يونيو من العام 2027م، تُمنح من قبل أصحاب العمل دون فرض ضرائب أو رسوم عليها، مع إمكانية خصمها ضريبيًا حيث ستُحتسب هذه المدفوعات كنفقات تشغيلية للشركات، علمًا بأن إجراءً مشابهًا تم اعتماده خلال أزمة الطاقة السابقة بقيمة 3,000 يورو. ويتوقع ان تبلغ تكلفة هذا القرار ما لا يقل عن 2.8 مليار يورو، منها نحو 1.1 مليار تتحملها الحكومة الاتحادية فيما تتحمل حكومات الولايات الفيدرالية بقية التكلفة. ولتعويض النقص في الإيرادات الناتج عن هذه الإعفاءات، تعتزم الحكومة تقديم موعد زيادة ضريبة التبغ، رغم عدم وضوح حجم هذه الزيادة أو توقيت تطبيقها حتى الآن.

     وعلى المدى المتوسط، تخطط الحكومة لتنفيذ إصلاح شامل لضريبة الدخل اعتبارًا من 1 يناير 2027م بهدف تخفيف العبء عن أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، تنفيذًا لتعهدات واردة في اتفاق الائتلاف، غير أن آلية تمويل هذا الإصلاح لا تزال موضع خلاف، إذ يدعو الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى فرض ضرائب أعلى على أصحاب الدخول المرتفعة، في حين يبدي الاتحاد المسيحي تحفظه على هذا التوجه.

     وفي سياق موازٍ، تسعى الحكومة إلى توسيع صلاحيات هيئة مكافحة الاحتكار لتمكينها من جمع مزيد من البيانات للكشف السريع عن أي ممارسات احتكارية من قبل شركات النفط، في محاولة لمعالجة ما يُعرف بتأثير “الصاروخ والريشة”، حيث ترتفع أسعار الوقود بسرعة عند ارتفاع أسعار النفط الخام بينما تنخفض ببطء عند تراجعها، وقد أشار رئيس الهيئة Andreas Mundt، إلى أن الإجراءات القانونية تحتاج بطبيعتها إلى وقت لتحقيق نتائج ملموسة.

     من جانبه اعتبر صندوق النقد الدولي أن تخفيض أسعار الوقود إجراء “غير حكيم” وحذّر الصندوق الحكومات الأوروبية من محاولة التخفيف من ارتفاع أسعار الطاقة مجددًا عبر خصومات الوقود أو التخفيضات الضريبية العامة على الوقود. وأوضح أن هذه التدخلات قد تبدو جذابة سياسيًا، لكنها تُعد “إجراءات غير حكيمة” لأنها مكلفة، وتدعم استهلاك الطاقة الأحفورية، كما أنها غالبًا ما تكون ضعيفة الاستهداف من الناحية الاجتماعية. وبدلًا من ذلك، يرى الصندوق أن المدفوعات المباشرة والموجهة إلى الأسر الأكثر فقرًا ستكون أفضل، بل وأقل تكلفة أيضًا.

     ويعتمد صندوق النقد الدولي في تقييمه على تجارب أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022م. ففي ذلك الوقت، أنفقت الدول الأوروبية في المتوسط نحو 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على دعم الطاقة. ووفقًا للصندوق، فإن أكثر من ثلثي هذه الإجراءات لم تكن موجهة بشكل دقيق. وكان بالإمكان، بحسب تقديراته، تعويض أفقر 40 في المئة من الأسر بشكل كامل عن صدمة أسعار الطاقة باستخدام ما يعادل 0.9 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ويتمثل الانتقاد الرئيسي للصندوق في أن إجراءات التخفيف الشاملة تفيد بشكل غير متناسب الأسر ذات الدخل المرتفع، لأنها تستهلك طاقة أكثر في المتوسط. كما أنها تقلل من الحافز على ترشيد استهلاك الطاقة أو الاستثمار في بدائل أكثر كفاءة. كما أنها قد تُثقل كاهل ميزانيات الدول بشكل كبير.

 

الحكومة الاتحادية تُقر خطة طوارئ لإنشاء احتياطي غاز استراتيجي

     في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في سياسة الطاقة الألمانية تحت ضغط المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، أقرت وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية التدخل في سوق الغاز. فبعد أشهر من الترقب والمراهنة على آليات السوق الحر، أعلنت الوزارة عن توجه رسمي لإنشاء “احتياطي غاز حكومي” يخصص لحالات الطوارئ القصوى، في مسعى لتحصين أكبر اقتصاد في أوروبا ضد أي انقطاعات فجائية قد تنجم عن أعمال تخريبية أو أزمات دولية غير متوقعة.

     ووفقاً لخطط الوزارة، تعتزم الحكومة تخصيص 10في المئة من السعة الإجمالية لمنشآت تخزين الغاز في ألمانيا لتكون بمثابة احتياطي استراتيجي للدولة. حيث تمتلك ألمانيا قدرة تخزينية إجمالية تصل إلى حوالي 240 تيرا واط ساعة. وبناءً على النسبة المقترحة، سيتم ركن نحو 24 تيرا واط ساعة من الغاز الطبيعي بعيداً عن التداولات التجارية اليومية. هذا الحجم من الطاقة يكفي، وفقاً لتقديرات الخبراء، لتأمين احتياجات المنازل والشركات الألمانية لمدة أسبوعين كاملين في ظل ظروف الشتاء العادية، أو لمدة أسبوع واحد في حال تعرضت البلاد لموجة برد قارص، وذلك في سيناريو افتراضي يفترض توقف جميع واردات الغاز الخارجية بالكامل.

     تأتي هذه الخطوة بتكلفة مالية ليست بالهينة، حيث تُقدر النفقات الرأسمالية لمرة واحدة لتأسيس هذا الاحتياطي (شراء الغاز وتجهيز السعة) ما بين 500 مليون و1.5 مليار يورو. أما الاستمرارية في تشغيل هذا النظام وصيانته، فستكلف الخزينة العامة مبالغ سنوية قد تصل إلى 165 مليون يورو. وعلى عكس الأزمات السابقة التي قد حُمّلت فيها التكاليف للمستهلكين عبر رسوم إضافية، تؤكد المصادر الحكومية أن التمويل سيتم تغطيته مباشرة من الميزانية العامة للدولة، مما يبرز الأهمية السيادية التي توليها برلين لهذا الملف.

     وتأتي خطط وزارة الاقتصاد والطاقة هذه بعد فترة طويلة من الممانعة وخصوصا في عهد الوزيرة كاثرينا رايشه والتي ظلت لفترة غير قصيرة تؤكد أن “السوق يعمل بكفاءة، والمشاركون فيه يوفون بالتزاماتهم”. إلا أن الضغوط الميدانية، المتمثلة في تراجع مستويات التخزين إلى ما دون المعدلات التاريخية المسجلة لسنوات طويلة خلال الأشهر الماضية، أثارت شكوكاً عميقة حول قدرة ألمانيا على اجتياز الشتاء دون قيود على الإمدادات. ورغم التحسن النسبي مؤخراً في مستويات الامتلاء، إلا أن رايشه باتت مقتنعة بضرورة وجود “أداة أزمة” لمواجهة ما وصفته بـ “الصدمات الخارجية”، مثل أعمال التخريب أو الهجمات الإرهابية التي قد تستهدف البنية التحتية للطاقة، بعيداً عن التفاعلات التجارية المعتادة.

     ويعود تأخر ألمانيا في إنشاء احتياط استراتيجي للغاز الى الاعتقاد الذي طالما ساد لدي العديد من الخبراء بأن البنية التحتية الجديدة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، والتي شهدت تدشين أربع محطات بحرية لاستقبال الغاز المسال منذ أزمة 2022م، توفر مرونة كافية تغني عن الحاجة لرفع مستويات التخزين القسري. لكن الشركات العاملة في قطاع صناعة الغاز ترفض هذا الطرح بشدة. ووصفت شركات توريد الغاز، الاعتقاد بأن محطات الغاز المسال تجعل منشآت التخزين “عديمة الفائدة” بأنه “غير واقعي”. وتستند الصناعة في ذلك إلى تجربة موجات البرد في نوفمبر ويناير الماضيين، حيث عملت محطات الغاز المسال بكامل طاقتها القصوى، ومع ذلك ظل الاعتماد الأكبر في سد فجوة الطلب المرتفع يقع على عاتق مستودعات التخزين الأرضية، التي توفر تدفقات فورية لا يمكن للناقلات البحرية محاكاتها بنفس السرعة والكمية.

    كما يرجع قرار الحكومة بناء احتياط استراتيجي للغاز الى حقيقة تغير اقتصاديات الغاز بعد اندلاع التوترات في الشرق الأوسط (حرب إيران). ففي السابق، كان تدفق الغاز الروسي الرخيص عبر الأنابيب يسمح لشركات التخزين بشراء الغاز بأسعار منخفضة في الربيع والصيف وتخزينه لبيعه بربح في الشتاء. أما اليوم، ومع تقلبات الأسعار الحادة وارتفاعها أحياناً في فصل الربيع، فقد التجار الحافز المالي للتخزين طويل الأمد، واتجهوا بدلاً من ذلك نحو “المشتريات قصيرة الأجل”.

     هذا التحول وضع مشغلي محطات التخزين في مأزق مالي، لدرجة أن بعضهم بدأ بالفعل في تقديم طلبات لوكالة الشبكة الاتحادية لإيقاف تشغيل بعض الخزانات لعدم جدواها اقتصادياً، وهو ما استدعى التدخل الحكومي العاجل لضمان بقاء هذه المرافق الحيوية في الخدمة عبر استخدامها في الحفاظ على “الاحتياطي الاستراتيجي”. بهذه الخطوة، تعزّز ألمانيا استقلالها في أمن الطاقة، انطلاقًا من إدراك واضح أن الاستثمار في إجراءات الوقاية اليوم، مهما كان مرتفعًا، يبقى أقل بكثير من الخسائر الكبيرة التي قد تنجم عن أي انقطاع مفاجئ في إمدادات الطاقة.

 

تغيرات في مشهد شركات الذكاء الصناعي الناشئة في أوروبا

     لم تعد أوروبا في موقع الانطلاق المتأخر في سباق الذكاء الاصطناعي كما كان الحديث سابقًا. فالمعطيات الحديثة تكشف عن تحول هيكلي ملحوظ، تعزّزه جولات تمويل كبيرة تعكس تنامي القدرات التقنية والاستثمارية في هذا المجال. ورغم أن القارة الأوروبية وُصفت لسنوات بأنها متأخرة بسبب محدودية رأس المال، وغياب الشركات التكنولوجية العملاقة، وثقل الأطر التنظيمية، فإن هذه العوامل لم تعد تفسّر بدقة واقعها الحالي، في ظل مؤشرات متزايدة على تحسّن موقعها ضمن المنافسة العالمية. فخلال الأسابيع الماضية فقط، نجحت عدة شركات ناشئة أوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي في إغلاق جولات تمويل كان من الصعب تصورها قبل بضع سنوات. فقد تمكنت شركة AMI Labs الناشئة في باريس، من جمع 1.1 مليار دولار كتمويل أولي، وهي مرحلة مبكرة عادةً ما يركز فيها المستثمرون على الفريق والفكرة والتكنولوجيا أكثر من الإيرادات. وفي توقيت متقارب، جمعت شركة Legora السويدية، المتخصصة في التطبيقات القانونية للذكاء الاصطناعي، 550 مليون دولار، لترتفع قيمتها السوقية إلى نحو 5.5 مليارات دولار. هذه الأرقام لا تمثل مجرد قصص نجاح فردية، بل تعكس تحولًا هيكليًا في منظومة الذكاء الاصطناعي الأوروبية، حيث بدأت القارة أخيرًا تحصل على التمويل الذي طال انتظاره.

     ويتجلى هذا التحول أيضًا في تزايد عدد الشركات التي تتجاوز قيمتها السوقية مليار دولار. من بينها شركات مثل Waiver وElevenLabs وSynthesia  في لندن، وParloa في برلين، وBlack Forest Labs في فرايبورغ، والتي سجلت خلال الأشهر الأخيرة تقييمات قياسية لحلولها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهي فئة من الشركات كانت أوروبا تفتقر إليها لفترة طويلة. حيث شهدت هذه الشركات في عام 2026م تقييمات بمليارات الدولارات في مجالات متعددة، من القيادة الذاتية إلى توليد الصوت والنصوص. على سبيل المثال، جمعت شركة Wayve نحو 1.2 مليار دولار لتطوير تقنيات القيادة الذاتية، بينما وصلت قيمة ElevenLabs إلى حوالي 11 مليار دولار بفضل تقنياتها في توليد الأصوات من النصوص. كما تمكنت شركة Parloa الناشئة في برلين والتي تعمل في تطوير منصات ذكاء اصطناعي لأتمتة خدمة العملاء، من مضاعفة تقييمها ثلاث مرات ليصل إلى 3 مليارات دولار خلال ثمانية أشهر فقط. وهو ما يشير الى تغير المشهد الاستثماري بسرعة؛ إذ أصبح المستثمرون يضخون أموالًا أكثر وفي مراحل مبكرة من عمر الشركات، كما ظهرت صناديق استثمار جديدة، وازداد انخراط المستثمرين المؤسسيين في قطاع التكنولوجيا الأوروبي.

     من جهة أخرى، بدأ السوق الأوروبي نفسه يُظهر مؤشرات نضج، مع عودة ما يُعرف بـ”عمليات الخروج” (Exits)، أي بيع الشركات أو إدراجها في البورصة، مما يتيح للمستثمرين تحويل حصصهم إلى أرباح. ومن الأمثلة على ذلك بيع شركة الذكاء الاصطناعي الألمانية Cognigy في دوسلدورف إلى شركة NICE Ltd.  الأمريكية مقابل 955 مليون دولار. وتُسهم مثل هذه الصفقات في إعادة تدوير رأس المال داخل منظومة الشركات الناشئة، وتمويل الجيل التالي من رواد الأعمال.

     في السياق ذاته، يتجه عدد متزايد من روّاد الأعمال إلى تأسيس شركاتهم داخل أوروبا عن قناعة، رغم توفر فرص مغرية في المراكز العالمية التقليدية للتكنولوجيا. ويعكس هذا التوجّه تزايد الثقة في البيئة الأوروبية وقدرتها على دعم الابتكار وتطوير المشاريع المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي. ويرى Nathan Benaich، الخبير والمستثمر في الشركات الناشئة، في هذه التطورات مؤشرًا واضحًا على أن أوروبا باتت تنتج عددًا أكبر من الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، القادرة على التأثير في الأسواق العالمية. ويؤكد أن جولات التمويل بهذا الحجم، كما شهدها عام 2026م، كانت غير واردة قبل عقد من الزمن. مع ذلك، يحذر Benaich، من تحدٍ مهم: إذ لا تزال العديد من أسرع الشركات الأوروبية نموًا تحقق الجزء الأكبر من إيراداتها في الولايات المتحدة، التي تظل أكبر سوق لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والأسرع في تبنيها، كما أنها لا تزال تتصدر تطوير النماذج الأساسية وتمتلك أكبر تجمعات رأس المال. وبذلك، ورغم الزخم الحالي، فإن الفجوة لم تُغلق بعد.

     هذا الواقع يجعل المرحلة الراهنة حاسمة في تحديد ما إذا كانت أوروبا قادرة على اللحاق بشكل دائم. فالقارة تمتلك مقومات قوية، من البحث العلمي المتقدم، إلى الكفاءات البشرية المتميزة، وصولًا إلى رواد أعمال طموحين. إلا أن التحدي لم يعد في التمويل أو الثقة، بل في جانب الطلب. فبناء منظومة متكاملة لا يعتمد فقط على المؤسسين والمستثمرين، بل يحتاج أيضًا إلى عملاء مستعدين لتبني الحلول الجديدة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مزيد من الجرأة لدى الشركات الأوروبية في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع إعطاء الأفضلية للمزودين الأوروبيين حتى إذا كانت حلولهم في البداية أعلى تكلفة أو أقل نضجًا.