أظهر مؤشر مناخ الأعمال الصادر عن معهد ifo تحسناً طفيفاً خلال أكتوبر 2026م، إذ ارتفع إلى مستوى 90.2 نقطة، مقابل 89.9 نقطة في سبتمبر. ويُعزى هذا التحسن إلى تنامي التفاؤل لدى الشركات إزاء التوقعات المستقبلية لمستوى الاعمال، رغم تراجع تقييمها للأوضاع الاقتصادية الراهنة بشكل طفيف. ويشير هذا الارتفاع في المؤشر إلى استمرار مسار التعافي التدريجي الذي يشهده لاقتصاد الألماني.

     في قطاع الصناعة، سجّل المؤشر ارتفاعاً ملحوظاً حيث سجل مستوى 1.2 نقطة في شهر أكتوبر بعد ان كان عند مستوى ( -2.7 نقطة) في سبتمبر الماضي، وجاء هذا الارتفاع الكبير مدفوعاً بتحسن تقييم الشركات لأوضاعها أعمالها الحالية وتوقعاتها لمستوى الاعمال خلال الأشهر القادمة على حد سواء. وللمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، دخل كلا مؤشر مناخ الاعمال في قطاع الصناعة النطاق الإيجابي. كذلك ارتفع عدد الطلبيات الجديدة، ما عزز توجه الشركات نحو زيادة مستويات الإنتاج خلال الفترة المقبلة.

     في المقابل، شهد مناخ الأعمال في قطاع الخدمات تراجعاً حيث انخفضت قيمة المؤشر في أكتوبر الى مستوى ( -1.2 نقطة) بعد ان كان المؤشر قد سجل في سبتمبر قيمة إيجابية عند مستوى 0.7 نقطة، ويأتي هذا الانخفاض نتيجة تزايد حالة عدم الرضا لدى الشركات عن سير أنشطتها التجارية الحالية، على الرغم من تحسن توقعات اعمالها المستقبلية. وسجّلت شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات أداءً إيجابياً لافتاً مقارنة ببقية أنشطة القطاع.

     أما قطاع التجارة، فقد استقر مؤشر مناخ الأعمال دون تغيير في أكتوبر عند نفس القيم المسجلة في شهر سبتمبر الماضي والذي كان عند مستوى ( -17.2 نقطة). وجاء ثبات المؤشر في ظل تباين تقييمات الشركات بين تراجع تقييم الأوضاع الراهنة للأعمال وتحسن التوقعات المستقبلية بصورة محدودة. وعلى مستوى الأنشطة التجارية، حققت تجارة الجملة أداءً أفضل من تجارة التجزئة.

     وفي قطاع البناء، ارتفع مؤشر مناخ الاعمال ليصل الى مستوى ( -15.5 نقطة) في أكتوبر مرتفعاً من مستوى ( -17 نقطة) المسجل في الشهر السابق مع تحسن ملحوظ في تقييم الشركات لأوضاع الأعمال الجارية، إلى جانب زيادة طفيفة في التفاؤل بشأن مستوى الأعمال الأشهر المقبلة.

      علاوة على ذلك، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الألماني خلال العام الجاري بصورة ملحوظة، متوقعاً أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 1.3 في المئة في عام 2026م، مقارنة بتقديراته السابقة البالغة 0.7 في المئة في يوليو الماضي. كما حسّن الصندوق توقعاته لعام 2027م، في مؤشر على قدرة الاقتصاد الألماني على إظهار قدر أكبر من المرونة في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

     وبحسب التوقعات الجديدة، التي أعلنها الصندوق، سيبلغ نمو الاقتصاد الألماني العام المقبل 1.1 في المئة، بزيادة قدرها 0.1 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة. وتتوافق هذه التوقعات مع تقديرات الحكومة الألمانية التي أعلنت الأسبوع الماضي الأرقام نفسها، مستندة إلى قدرة الاقتصاد على الصمود بصورة فاقت التوقعات، مرجحةً أن يسجل الاقتصاد نمواً بنسبة 1.3 في المئة خلال العام الجاري، وفقاً لما أعلنت عنه وزارة الاقتصاد الاتحادية.  وكانت الحكومة قد خفّضت توقعاتها في أبريل الماضي، متوقعةً نمواً بنسبة 0.5 في المئة فقط، قبل أن تعود الآن إلى تبني نظرة أكثر تفاؤلاً بشأن آفاق الاقتصاد الألماني.

     وتعزو الحكومة الألمانية التحسن المتوقع في الأداء الاقتصادي إلى عاملين رئيسيين، هما الاستثمارات الحكومية والصادرات. وكانت وزيرة الاقتصاد الألمانية، كاترينا رايشه، قد أوضحت أن الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية والدفاع تقف وراء نحو ثلثي التحسن المتوقع، فيما تسهم الصادرات بالثلث المتبقي.

     واستفادت التجارة الخارجية الألمانية، في بعض الفترات، من الاختناقات التي شهدتها الأسواق العالمية، إذ اتجه المشترون إلى زيادة مخزوناتهم من السلع كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصلب والأسمدة والألمنيوم، المنتجة في ألمانيا، تحسباً لتداعيات الصراع في منطقة الخليج العربي. كما استفادت الشركات الألمانية الموردة من الطفرة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.

     ويأتي هذا التحسن في وقت لا تزال فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد الألماني تواجه تحديات هيكلية، ما يجعل استمرار التعافي مرتبطاً بقدرة الاستثمارات الحكومية والطلب الخارجي على دعم النشاط الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

     كما رفع صندوق النقد الدولي أيضاً توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو خلال عام 2026م إلى 1.1 في المئة، بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية مقارنة بتقديراته الصادرة في يوليو، بينما أبقى توقعاته لعام 2027م عند 1.2 في المئة. وأوضح الصندوق أن اقتصاد منطقة اليورو انتقل من حالة الركود التي شهدها خلال الربع الأول من هذا العام إلى تحقيق نمو في الربع الثاني، مدفوعاً بصورة أساسية بالتعافي القوي في أيرلندا واستمرار الزخم الاقتصادي في إسبانيا. في المقابل، ظلت الأنشطة الاقتصادية في بقية دول المنطقة مستقرة إلى حد كبير، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وضعف ثقة المستهلكين، وهما عاملان يحدان من وتيرة التعافي الاقتصادي.

     وفيما يتعلق بالاقتصاد العالمي أشار تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أكتوبر 2026م الى أن نمو الاقتصاد العالمي سوف يتباطأ إلى 3.1 في المئة في عام 2026م، قبل أن يرتفع إلى 3.4 في المئة في عام 2027م. ورغم هذا التباطؤ للنمو في العام الحالي الا انه أتى بوتيرة أقل مما كان متوقعاً في السابق، في ظل إظهار الاقتصادات المتقدمة قدرة على الصمود أمام ارتفاع أسعار الطاقة منذ اندلاع الحرب مع إيران.  وأوضح التقرير أن العديد من هذه الاقتصادات استفادت من تنامي الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، في حين تواجه البلدان الأكثر فقراً، التي لم تتمكن من الاستفادة من طفرة الاستثمار في هذا القطاع، خيارات صعبة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وما يفرضه ذلك من ضغوط اقتصادية متزايدة.

     وأشار الصندوق في تقريره إلى أن آفاق الاقتصاد العالمي تتسم بالانقسام، واصفاً التوقعات بأنها “ثنائية المسار”، إذ تتباين قدرة الدول على مواجهة الصدمات الاقتصادية والاستفادة من محركات النمو الجديدة. وقالت Silvana Tenreyro، كبيرة الاقتصاديين في الصندوق، إن الاقتصاد العالمي أثبت قدرته على الصمود، غير أن هذه القدرة تتعرض لضغوط متزايدة، بما يعكس احتمال تباطؤ النمو بوتيرة أكبر مما هو متوقع.

سوق العمل: انخفاض عدد العاطلين عن العمل والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف ويضغط على فرص الخريجين الجدد

    انخفض عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا في سبتمبر 2026م بمقدار 67 ألف شخص، ليصل إلى 2.994 مليون شخص. وتراجع معدل البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 6.4 في المئة.  وبالمقارنة مع سبتمبر من العام الماضي، ارتفع عدد العاطلين عن العمل بمقدار 40 ألف شخص، كما زاد معدل البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية.

     وشرحت Andrea Nahles، رئيسة مجلس إدارة وكالة العمل الاتحادية، التطورات في سوق العمل “يبدأ سوق العمل في سبتمبر مرحلة الانتعاش الخريفي، إلا أن انطلاقتها جاءت دون زخم يُذكر. فالتحسن الاقتصادي لم ينعكس حتى الآن على سوق العمل”.

    فيما يتعلق ببرنامج العمل بدوام جزئي الحكومي بلغ عدد المسجلين الجدد في البرنامج خلال الفترة من الأول وحتى 24 سبتمبر حوالي 18 ألف شخص. وقد بلغ اجمالي عدد الموظفين المستفيدين من البرنامج بحسب أحدث البيانات الصادرة في يوليو 2026م. حوالي 118 ألف موظف. ويمثل ذلك انخفاضاً بمقدار 13 ألف شخص مقارنة بالشهر السابق، وبنحو 69 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ومع ذلك، لا يزال المستوى الحالي أعلى قليلاً من المتوسطات المسجلة على المدى الطويل. من جانب أخر ما يزال الطلب على العمالة ضعيفاً. ففي سبتمبر، بلغ عدد الوظائف الشاغرة المسجلة لدى وكالة العمل الاتحادية 660 ألف وظيفة، بزيادة قدرها 30 ألف وظيفة مقارنة بالعام السابق.

     في سياق متصل، تتزايد التحديات التي تواجه الشباب في ألمانيا عند دخولهم سوق العمل، في ظل تراجع وتيرة التوظيف الجديد وتسارع اعتماد الشركات على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المهام المكتبية والإدارية والروتينية. وفي حين لا تشهد البلاد موجات واسعة من تسريح العاملين، فإن محدودية استحداث وظائف جديدة باتت تشكل عقبة أمام الخريجين الجدد، الذين كانوا يتمتعون قبل سنوات قليلة بفرص أوسع للحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم.

     ووفقاً لاستطلاع أجراه معهد Kienbaum، لصالح مجلة «WirtschaftsWoche» الألمانية، يعتزم 35 في المئة من بين أكثر من ألف مسؤول عن إدارة الموارد البشرية تقليص عدد الموظفين الجدد الذين يوظفونهم من الخريجين والمبتدئين في سوق العمل بحلول عام 2030م، بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي. وفي مؤشر آخر على تزايد الصعوبات التي تواجه الشباب من أصحاب المؤهلات الجامعية، ارتفع متوسط عدد العاطلين عن العمل من الأكاديميين دون سن الثلاثين من نحو 23 ألف شخص في عام 2022م إلى 45 ألفاً في عام 2025م، بزيادة بلغت 96 في المئة.

     ويقول Enzo Weber، الباحث في معهد أبحاث سوق العمل والمهن (IAB)، إن ألمانيا كانت تمتلك قبل سنوات قليلة نحو مليوني وظيفة شاغرة، وهو ما أتاح للباحثين عن عمل، ولا سيما الداخلين الجدد إلى سوق العمل، خيارات واسعة عند البحث عن وظائف. غير أن الأوضاع تغيرت بصورة ملحوظة خلال فترة قصيرة، مع تراجع قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل جديدة. ويوضح Weber، أن المشكلة لا تتمثل في موجات كبيرة من تسريح الموظفين، بل في ضعف خلق وظائف جديدة، واصفاً الوضع بأنه “أزمة تجديد” في سوق العمل، تنعكس بصورة خاصة على الشباب الذين يسعون إلى بدء حياتهم المهنية. ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يقف وراء تحولات واسعة في طبيعة الأنشطة والمهام داخل الشركات، الأمر الذي يعيد تشكيل الطلب على المهارات والوظائف.

     وتبرز هذه التحولات بصورة خاصة في القطاعات التي تعتمد على الأعمال المكتبية والإدارية والمهام الروتينية، إذ باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ عدد متزايد من الأعمال الرقمية التي كان يؤديها الموظفون حتى وقت قريب، وغالباً ما كان يتولاها العاملون في بداية مسيرتهم المهنية. ويشمل ذلك شركات تكنولوجيا المعلومات والبنوك وشركات التأمين.

 

قمة للاستثمار في ألمانيا وتعهدات بمئات المليارات من اليورو

     سعت الحكومة الألمانية إلى تعزيز جاذبية البلاد للاستثمارات الدولية وذلك من خلال تنظيم أول قمة استثمارية دعت اليها الحكومة الاتحادية في العاصمة برلين والتي حملت شعار ” استثمر في ألمانيا” (Invest in Germany)، بمشاركة نحو 200 مستثمر دولي ومسؤولين حكوميين وقادة شركات كبرى، في خطوة تهدف إلى تحسين صورة ألمانيا بوصفها وجهة للاستثمار، وتسريع تدفق رؤوس الأموال إلى اقتصادها.

     واستضافت القمة المستشار الألماني فريدريش ميرتس الى جانب ستة وزراء من الحكومة الاتحادية في جلسات القمة، التي تناولت ثماني مجالات رئيسية للاستثمار، شملت التمويل، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والتحول الرقمي، والفضاء، والبنية التحتية، والإسكان، والصناعات الدفاعية والمشتريات الحكومية.  كما شارك في القمة ايضاً شخصيات بارزة في قطاع الاستثمار والتمويل، من بينها لاري فينك، رئيس شركة “بلاك روك”، وديفيد سولومون، رئيس “غولدمان ساكس”، وفاليري بودسون من شركة “أموندي”، إلى جانب ممثلين عن صناديق سيادية دولية.

     وشهدت القمة نشاطاً مكثفاً، إذ عُقد أكثر من 300 اجتماع ثنائي بين المسؤولين الحكوميين والمستثمرين وممثلي الشركات، في إطار مساعٍ لتحويل اللقاءات المباشرة إلى اتفاقيات استثمارية طويلة الأجل.

     وعلى الرغم من أن الحكومة الألمانية لم تعلن في ختام المؤتمر رقماً إجمالياً نهائياً للاستثمارات الجديدة التي أسفرت عنها القمة، على غرار ما يحدث في المؤتمر الاستثماري الفرنسي “اختر فرنسا”. أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال المؤتمر إن الشركات المشاركة في مبادرة “صُنع من أجل ألمانيا” (Made for Germany) تعهدت باستثمارات تصل قيمتها إلى 800 مليار يورو بحلول عام 2028م. وأضاف أن الاقتصاد الألماني يشهد تسارعاً في النمو خلال عام 2026م، على الرغم من تصاعد الضغوط الجيوسياسية والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.

     وحدد ميرتس مجموعة من المزايا التنافسية التي تتمتع بها ألمانيا، تشمل الاستقرار السياسي، والتصنيف الائتماني الجيد، واستقلالية النظام القضائي، والتزام البلاد بالتعاون متعدد الأطراف والموثوقية في علاقاتها الدولية، فضلاً عن قوة منظومة البحث العلمي وموقع ألمانيا الجغرافي في قلب السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي، إلى جانب قاعدتها الصناعية التي لا تزال قوية.

 

     وبحسب وزيرة الاقتصاد كاتارينا رايشه، أعلن مستثمرون من القطاع الخاص، منذ بداية عام 2026م وحتى موعد القمة، عن خطط استثمارية بقيمة إجمالية تبلغ 228.6 مليار يورو في ألمانيا، منها 95.5 مليار يورو تعود إلى شركات أجنبية.  واستندت هذه الأرقام إلى رصد أكثر من 70 مشروعاً استثمارياً، تزيد قيمة كل منها على 100 مليون يورو.

     ومن أبرز الإعلانات الاستثمارية التي خرجت بها القمة تعهد شركة “أمازون” الأميركية باستثمار أكثر من 16 مليار يورو في ألمانيا خلال العام المقبل، في خطوة تعكس أهمية السوق الألمانية بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا العالمية، ولا سيما في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. كما كان المستشار الألماني ميرتس قد أعلن خلال حفل افتتاح القمة، عن تعاون مع شركة “إنفيديا” الأميركية المتخصصة في رقائق الذكاء الاصطناعي، بحضور رئيسها التنفيذي جنسن هوانغ. حيث أعلنت إنفيديا عزمها الاستثمار في أربع شركات ألمانية ناشئة، هي “ميريلو” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، وشركة “أغيل” لصناعة الروبوتات، وشركة “أفيليوس” العاملة في التكنولوجيا الصحية، وشركة “ريفلكس إيروسبيس” المتخصصة في قطاع الفضاء. ويرى ميرتس أن ألمانيا تمتلك إمكانات كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، ويمكنها تطوير منظومة خاصة بها في هذا القطاع، بما يعزز قدرتها التنافسية في الاقتصاد الرقمي.

     وسلطت القمة الضوء كذلك على مجموعة من المشروعات الاستثمارية التي تعتزم شركات دولية تنفيذها في ألمانيا.  حيث تخطط شركة الأدوية الفرنسية “سانوفي” لإنشاء مصنع جديد لإنتاج الأنسولين في فرانكفورت باستثمارات تبلغ 2.2 مليار يورو، على أن يُستكمل بناؤه في عام 2032م. ووصفت بيلين غاريخو، رئيسة الشركة، المشروع بأنه أكبر استثمار تنفذه سانوفي في دولة واحدة.

     من جهتها، تعتزم شركة “بلانيت لابس” الأميركية المتخصصة في الأقمار الصناعية إنشاء منشأة إنتاج في برلين وتوسيع أبحاثها في مجال الذكاء الاصطناعي، باستثمارات تبلغ 2.2 مليار يورو. وقال رئيس الشركة ويل مارشال إن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المادية، مثل الأقمار الصناعية، يمثل مرحلة جديدة في تطور هذه التكنولوجيا، معتبراً أن ألمانيا قادرة على أن تصبح مركزاً رئيسياً لهذا التوجه. كما تخطط شركة “فولكان إنرجي” الأسترالية للموارد الطبيعية لاستخراج الليثيوم من منطقة وادي الراين، باستثمارات تبلغ عشرات الملايين من اليورو. وأشار رئيسها التنفيذي فرانسيس ويدين إلى أن الشركة وجدت في منطقة الراينلاند كوادر بشرية مؤهلة تدعم تنفيذ المشروع.

 

شرق ألمانيا.. فرص استثمارية واعدة وتحديات نقص الكفاءات

     يمتلك شرق ألمانيا مجموعة من المقومات التي تجعله موقعاً جذاباً للاستثمارات الصناعية، بدءاً من توافر مساحات واسعة ومجهزة لإقامة المصانع، مروراً بانخفاض أسعار العقارات مقارنة بالعديد من مناطق غرب البلاد، وصولاً إلى الحوافز الحكومية وتطور استخدام مصادر الطاقة المتجددة. غير أن هذه المزايا تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في نقص العمالة الماهرة، ولا سيما في المناطق الريفية والضعيفة اقتصادياً.

     ويرى Stephan Kemper، الخبير الاقتصادي لدى بنك BNP Paribas، أن العديد من العوامل تدعم جاذبية شرق ألمانيا كموقع اقتصادي. فالمنطقة تتمتع بأسعار عقارات منخفضة نسبياً، كما ترتبط بصورة جيدة بأسواق أوروبا الشرقية، وفي مقدمتها بولندا التي تشهد نمواً اقتصادياً قوياً. ويعتبر Kemper، أن هذه الأسواق يمكن خدمتها بكفاءة من شرق ألمانيا. وتتمتع المنطقة أيضاً بميزة إضافية تتمثل في توافر مساحات صناعية شاغرة ومجهزة بالفعل، فضلاً عن ارتفاع مستويات الدعم والإعانات الموجهة للاستثمارات. كما أن التحول إلى الطاقة المتجددة بلغ مراحل متقدمة في بعض المناطق، الأمر الذي يعزز قدرتها على جذب الصناعات التي تحتاج إلى إمدادات من الطاقة النظيفة.

     وتترجم هذه المقومات إلى استثمارات فعلية من جانب شركات عالمية كبرى. فقد افتتحت شركة تسلا في مارس 2022م مصنعها العملاق في غرونهايده بولاية براندنبورغ، وهو أول موقع إنتاج للشركة الأمريكية في أوروبا. ويقوم المصنع بإنتاج السيارات الكهربائية. وفي دريسدن عاصمة ولاية ساكسونيا، يجري إنشاء مصنع متطور لأشباه الموصلات بقيادة شركة TSMC التايوانية، باستثمارات تتجاوز عشرة مليارات يورو. كما تعمل شركة إنفينيون على مضاعفة طاقتها الإنتاجية في المدينة، وقد بدأت في يوليو تشغيل مصنع جديد. أما إلغاء مشروع إنتل لإنشاء مصنع للرقائق في ماغديبورغ عاصمة ولاية ساكسونيا-انهالت، فلا يعكس، وفقاً للخبراء، ضعف جاذبية شرق ألمانيا، بل يرتبط أساساً بالأزمة المالية التي واجهتها الشركة الأمريكية، والتي دفعتها إلى إلغاء عدد من مشروعاتها الاستثمارية الكبرى.

     رغم ذلك، لا تشكل اقتصادات شرق ألمانيا كتلة واحدة. فهناك مناطق ديناميكية مثل مدينتي لايبزيغ ويينا، إلى جانب مناطق ريفية تعاني من ضعف هيكلي ونقص الشركات وفرص العمل. ويرى Oliver Holtemöller، من معهد لايبنيتز للبحوث الاقتصادية في هاله، أن اقتصاد شرق ألمانيا حقق خلال السنوات الماضية تقدماً كبيراً، إلى درجة أصبحت معها المقارنة التقليدية بين الشرق والغرب أقل أهمية في تفسير الفوارق الاقتصادية. لكن المشكلة الأساسية تكمن في قدرة المناطق الضعيفة على توفير العمالة اللازمة للاستثمارات الجديدة. حيث تواجه المناطق الريفية في ولايات شرق ألمانيا تحدياً ديموغرافياً حاداً. ففي الوقت الذي تتوافر فيه مساحات مناسبة لإقامة مصانع جديدة، يعيش فيها عدد كبير من السكان الأكبر سناً ممن خرجوا من سوق العمل. ويرتبط ذلك جزئياً بالتحولات التي أعقبت انهيار الصناعة في ألمانيا الشرقية السابقة خلال تسعينيات القرن الماضي. فقد أدت موجة البطالة التي أعقبت الوحدة إلى هجرة أعداد كبيرة من السكان، ولا سيما الشباب.

     وتشير دراسة لمؤسسة روكفول برلين إلى حجم التحول الذي شهده سوق العمل آنذاك؛ إذ لم يكن سوى 17 في المئة من العاملين في عام 1992م يمارسون المهنة نفسها التي كانوا يعملون فيها عام 1989م. ولا تزال تداعيات تلك المرحلة حاضرة حتى اليوم. ويشير Kemper، إلى أن الشباب يواصلون مغادرة بعض مناطق الشرق بحثاً عن فرص أفضل في غرب ألمانيا أو خارج البلاد. ويحذر الخبير من أن الاستثمارات والإعانات الحكومية وخطط الأعمال لا تكفي وحدها إذا لم تتوافر القوى العاملة اللازمة. فمع تقدم السكان في السن وتراجع أعداد الشباب المتعلمين وذوي المهارات، تصبح المناطق أقل جاذبية بالنسبة إلى المستثمرين وأصحاب العمل.

     ورغم هذه التحديات، يتوقع Holtemöller، استمرار فرص النمو في شرق ألمانيا، خصوصاً في المناطق التي تستثمر في البحث والتطوير والابتكار وزيادة الإنتاجية. غير أن الوظائف الجديدة لن تأتي بالضرورة من القطاع الصناعي. فالتوظيف في الصناعات التحويلية يتراجع منذ عدة سنوات، بينما يُرجح أن يتركز نمو فرص العمل المستقبلية في قطاع الخدمات. ويعتقد Holtemöller، أن حصة الخدمات من القيمة المضافة ستواصل الارتفاع، وأن هذه الأنشطة ستتركز بصورة أكبر في المدن والتجمعات الحضرية، ما قد يزيد الفجوة بين المراكز الاقتصادية المزدهرة والمناطق الريفية. وفي هذا السياق، لا يرى الخبير أن الحل يكمن بالضرورة في نقل الوظائف بصورة مصطنعة إلى المناطق الضعيفة اقتصادياً، وإنما في ضمان توفير البنية الأساسية والخدمات العامة فيها، مثل المدارس والمستشفيات والمتاجر.

     ولا يقتصر التحدي الديموغرافي على شرق ألمانيا. فبينما تعاني المناطق الشرقية من آثار الهجرة التي حدثت قبل ثلاثة عقود، يتوقع الخبراء أن تواجه مناطق في غرب ألمانيا أوضاعاً مشابهة خلال نحو عشر سنوات. ويعود ذلك بصورة أساسية إلى تقدم السكان في السن وخروج جيل مواليد طفرة ما بعد الحرب ” Babyboomer “، تدريجياً من سوق العمل. وبذلك، قد يتحول نقص العمالة الماهرة، الذي يمثل اليوم إحدى أبرز العقبات أمام الاستفادة من الإمكانات الاستثمارية لشرق ألمانيا، إلى تحدٍ هيكلي يواجه الاقتصاد الألماني بأكمله خلال السنوات المقبلة.

 

ألمانيا وفرنسا تتفقان على مزيد من تخفيف حظر محركات الاحتراق

     اتفقت ألمانيا وفرنسا على موقف مشترك يهدف إلى تخفيف القيود الأوروبية المقررة على السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي، في خطوة تمثل تحولاً مهماً في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه صناعة السيارات. وفي المقابل، أبدت برلين استعدادها لتشديد قواعد “الشراء الأوروبي” ودعم إنتاج السيارات داخل الاتحاد الأوروبي.

     فقد توصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الخطوط العريضة لاتفاق بشأن مستقبل صناعة السيارات الأوروبية، يقضي بتخفيف أهداف خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للسيارات الجديدة بما يتجاوز المقترحات التي قدمتها المفوضية الأوروبية حتى الآن، وفقاً لما نقلته مصادر دبلوماسية أوروبية.

     وبموجب القواعد الأوروبية الحالية، يتعين خفض متوسط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للسيارات الجديدة اعتباراً من عام 2035م بنسبة 100 في المئة مقارنة بمستويات عام 2021م، ما يعني عملياً الوصول إلى حد أقصى قدره صفر غرام من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر، وهو ما يعادل فعلياً حظر بيع السيارات الجديدة المزودة بمحركات الاحتراق التقليدية.

     وكانت المفوضية الأوروبية قد اقترحت في ديسمبر 2025م، تحت ضغط ألماني، تخفيف هذا الحظر. وينص اقتراحها على خفض الانبعاثات بنسبة 90 في المئة بحلول عام 2035م، مع السماح لشركات السيارات بتعويض نسبة الـ 10 في المئة المتبقية من خلال استخدام الصلب الأوروبي منخفض الكربون، والوقود الاصطناعي، والوقود الحيوي.

     غير أن التفاهم الألماني-الفرنسي يذهب أبعد من مقترح المفوضية. إذ تطالب برلين وباريس بخفض إضافي قدره عشر نقاط مئوية من مستوى التخفيض المستهدف، من دون اشتراط تعويض هذه النسبة. ومع احتساب إمكانات التعويض المسموح بها، يمكن أن ينخفض مستوى خفض الانبعاثات المطلوب حسابياً إلى 80 في المئة على الأقل.

     ويمنح ذلك شركات السيارات الأوروبية هامشاً أوسع بكثير لمواصلة إنتاج وبيع السيارات المزودة بمحركات الاحتراق بعد عام 2035م. وكانت تقديرات سابقة تشير إلى أن مقترح المفوضية الأوروبية وحده قد يسمح بأن تشكل السيارات ذات محركات الاحتراق نحو 27 إلى 29 في المئة من تسجيلات السيارات الجديدة بعد عام 2035م، فيما يمكن أن ترتفع هذه النسبة بصورة أكبر في حال اعتماد التخفيف الإضافي الذي تطالب به ألمانيا وفرنسا.

     ولا يقتصر التفاهم على هدف عام 2035م، بل يشمل أيضاً الأهداف المرحلية لعام 2030م. فالقواعد الحالية تلزم شركات صناعة السيارات بخفض انبعاثات السيارات الجديدة بنسبة 55 في المئة بحلول عام 2030م مقارنة بمستويات 2021م. وكانت المفوضية قد اقترحت بالفعل تخفيف طريقة تطبيق هذا الهدف، عبر احتساب متوسط الانبعاثات على فترة تمتد ثلاث سنوات من 2030م إلى 2032م بدلاً من الالتزام بهدف صارم لكل عام. أما المقترح الألماني-الفرنسي فيدعو إلى تمديد فترة احتساب المتوسط إلى خمس سنوات، من 2028م إلى 2032م. ويعد هذا المطلب من المطالب الأساسية لصناعة السيارات الأوروبية، إذ يمكن أن يساعد الشركات على تفادي غرامات مالية كبيرة في حال عدم تحقيق الأهداف السنوية المحددة.

     وتحتاج ألمانيا إلى الدعم الفرنسي لضمان الحصول على الأغلبية اللازمة داخل مجلس الاتحاد الأوروبي لتمرير تخفيف القيود على محركات الاحتراق. وفي المقابل، تبدو برلين مستعدة لتقديم تنازلات لفرنسا في ملف آخر يتعلق بالسياسة الصناعية الأوروبية، وهو قانون “مسرّع الصناعة” (Industrial Accelerator Act)، الذي يتضمن قواعد أكثر صرامة لتفضيل المنتجات الأوروبية.

وبحسب التفاهم المطروح، ستقبل الحكومة الألمانية بقواعد أكثر تشدداً بشأن شرط “صنع في الاتحاد الأوروبي” في قطاع السيارات. وكانت برلين تدفع حتى الآن باتجاه فتح هذه القواعد أمام شركاء تجاريين مثل تركيا وفيتنام والمغرب، بما يسمح باحتساب نسبة أكبر من مكونات السيارات أو عمليات إنتاجها القادمة من هذه الدول. لكن فرنسا تريد قواعد أكثر تشدداً، بحيث تقتصر الاستفادة من الأموال الأوروبية والمساعدات الحكومية، بما في ذلك حوافز شراء السيارات الكهربائية وغيرها من أشكال الدعم العام، على السيارات التي يتم إنتاج جزء جوهري منها داخل الاتحاد الأوروبي.

     ويعكس هذا التوجه محاولة أوروبية لربط التحول إلى السيارات الكهربائية بسياسة صناعية تهدف إلى حماية قاعدة الإنتاج الأوروبية وتعزيز تنافسية شركات السيارات في مواجهة المنافسة العالمية، ولا سيما من الشركات الصينية.