سجل الاقتصاد الألماني نمواً محدوداً خلال الربع الثاني من عام 2026م، رغم التحديات الجيوسياسية عالمياً والأعباء الناجمة عن الحرب مع إيران والتحديات الاقتصادية العالمية. وأعلن مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أن الناتج المحلي الإجمالي حقق نمواً خلال الفترة من أبريل إلى يونيو بنسبة 0.2 في المئة مقارنة بالربع السابق.

     وقال المحلل الاقتصادي في بنك ولاية بادن فورتمبيرغ، ينس أوليفر نيكلّاش، إن هذه الأرقام جاءت أفضل من المتوقع، خاصة بعد المراجعة الإيجابية لبيانات الربع الأول. ويعد هذا النمو هو الثالث على التوالي، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3 في المئة في الربع الأخير من عام 2025م، ثم سجل نمواً بنسبة 0.4 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026م.

     وتشير أحدث المؤشرات الاقتصادية إلى تحسن تدريجي في أداء الاقتصاد الألماني، حيث ارتفعت طلبات الصناعة والإنتاج والصادرات وتصاريح البناء ومبيعات التجزئة. كما وصلت دفاتر الطلبات في القطاع الصناعي إلى أعلى مستوى لها منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 2015م، فيما بلغ متوسط مدة تغطية الطلبات القائمة نحو 8.9 أشهر، وهو مستوى قياسي.

     ويرى خبراء البنك المركزي الألماني (Bundesbank) أن المصدرين الألمان ربما استفادوا من الصعوبات التي واجهها منافسوهم الدوليون، وخاصة في آسيا، نتيجة نقص بعض المنتجات الأولية. وأضاف نيكلّاش إن “المخاوف بشأن تأثيرات الصراع في الخليج العربي لم تتحقق حتى الآن”، مشيراً إلى أن الحالة النفسية في الأسواق تبدو أكثر سلبية من الواقع الاقتصادي الفعلي.

     وفي الوقت نفسه، ساهمت الإجراءات الحكومية في دعم الاقتصاد، من خلال ضخ مليارات اليورو في مشاريع البنية التحتية وتعزيز القدرات الدفاعية. وأكد كبير الاقتصاديين في بنك ديكا، أولريش كاتر، أن حزمة الإصلاحات الحكومية لم تُحدث بعد “حالة انطلاق قوية”، لكنها تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.

     ورغم هذه التطورات الإيجابية، لا تزال المخاطر قائمة أمام الاقتصاد الألماني.  إذ صرح خبير الاقتصاد في بنك التنمية الألماني (KfW)، فيليب شاورماير، إن تطورات الوضع في الشرق الأوسط ستكون عاملاً حاسماً لمسار الاقتصاد خلال النصف الثاني من العام. كما تواجه ألمانيا تحديات إضافية، من بينها الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة، وتصاعد المنافسة الصينية، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات، إضافة إلى تأثير انخفاض منسوب المياه في نهر الراين على حركة النقل والإنتاج.

     ويتوقع الخبير الاقتصادي ستيفان كووتس من معهد كيل للاقتصاد العالمي أن تؤدي هذه العوامل إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثالث بنسبة تتراوح بين 0.1 و0.2 في المئة وبالنسبة لعام 2026م بأكمله، لا تزال توقعات النمو محدودة، إذ يتوقع معظم الخبراء زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.5 في المئة فقط. أما التوقعات لعام 2027م فتبدو أكثر تفاؤلاً، حيث يرجح أن يتجاوز النمو مستوى 1 في المئة مع استمرار تحسن الظروف الاقتصادية.

     في غضون ذلك ارتفعت الصادرات الألمانية إلى مستوى قياسي جديد خلال شهر يونيو 2026م، رغم التحديات الناجمة عن الحرب مع إيران والظروف الاقتصادية العالمية. وأظهر تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الاتحادي أن قيمة السلع الألمانية المصدّرة بلغت 139.3 مليار يورو، بزيادة قدرها 0.9 في المئة مقارنة بشهر مايو، و6.6 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

     ويعد هذا الارتفاع الخامس على التوالي في الصادرات الألمانية، مما عزز دور التجارة الخارجية كأحد أهم عوامل دعم الاقتصاد الألماني الذي لا يزال يعاني من ضعف النمو. وأكد مكتب الإحصاء الاتحادي أن صادرات يونيو حققت أعلى مستوى شهري على الإطلاق مشيراً إلى أنه “لم يسبق أن صدّرت ألمانيا هذا الحجم من السلع في شهر واحد “. من جانبه، أوضح كبير الاقتصاديين في بنك VP Bank، توماس غيتسل، أن الصادرات سجلت نمواً في جميع أشهر العام الجاري باستثناء يناير، معتبراً أن هذا الأداء الإيجابي المتواصل لم تشهده ألمانيا منذ فترة طويلة.

     وفي المقابل، ارتفعت الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، إذ زادت بنسبة 4.4 في المئة مقارنة بشهر مايو لتصل إلى 123.9 مليار يورو، كما ارتفعت بنسبة 8.4 في المئة مقارنة بيونيو 2025م. ورغم ذلك، فإن مستوى الواردات لا يزال أقل من الرقم القياسي الذي سُجل في نوفمبر 2022م.

     وحول تراكم الطلبات في القطاع الصناعي أظهر تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الاتحادي أن حجم الطلبات ارتفع خلال يونيو 2026م بنسبة 0.8 في المئة مقارنة بالشهر السابق. وبالمقارنة مع يونيو 2025م، ارتفع حجم الطلبات المتراكمة بنسبة 9.3 في المئة.

     وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بشكل رئيسي بزيادة الطلبات المتراكمة لدى الشركات العاملة في تصنيع أجهزة معالجة البيانات والمنتجات الإلكترونية والبصرية، حيث ارتفعت بنسبة 4.6 في المئة على أساس شهري. كما ساهم قطاع صناعة الآلات في دعم النمو، بعدما ارتفع حجم الطلبات المتراكمة فيه بنسبة 0.9 في المئة.

     وعلى صعيد مصدر الطلبات، ارتفعت الطلبات المحلية بنسبة 1.2 في المئة خلال يونيو مقارنة بمايو2026م، بينما زادت الطلبات القادمة من الخارج بنسبة 0.6 في المئة. وبحسب نوع السلع، ارتفعت الطلبات لدى منتجي السلع الاستثمارية بنسبة 0.9 في المئة، في حين تراجعت لدى منتجي السلع الوسيطة بنسبة 0.2 في المئة. أما قطاع السلع الاستهلاكية فسجل زيادة قوية بلغت 3.2 في المئة.

     وبقيت مدة تغطية الطلبات دون تغيير عند 8.9 أشهر في يونيو، ما يعني أن الشركات تستطيع، في حال استمرار مستوى مبيعاتها الحالي وعدم تلقي طلبات جديدة، مواصلة الإنتاج لمدة تقارب تسعة أشهر. واستقرت مدة تغطية الطلبات لدى منتجي السلع الوسيطة عند 4.6 أشهر، ولدى منتجي السلع الاستثمارية عند 12.4 شهراً، بينما ارتفعت لدى منتجي السلع الاستهلاكية إلى 4.3 أشهر، مقابل 4.2 أشهر في مايو.

 

 

سوق العمل: عدد العاطلين عن العمل يتجاوز ثلاثة ملايين شخص والمهاجرون أحد أهم مصادر العمالة في ألمانيا وأوروبا 

     تجاوز عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا حاجز ثلاثة ملايين شخص خلال شهر يوليو 2026م، في ظل استمرار ضعف سوق العمل الألمانية خلال الأشهر الأخيرة. وأرجعت الوكالة الاتحادية للعمل ارتفاع أعداد العاطلين جزئياً إلى عوامل موسمية مرتبطة بفترة الصيف، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى استمرار الاتجاه السلبي في سوق العمل.

     وارتفع عدد العاطلين عن العمل في يوليو مقارنة بالشهر السابق بمقدار 71 ألف شخص ليصل إلى 3.007 ملايين شخص، وفقاً للبيانات التي أعلنتها وكالة العمل الاتحادية. كما يزيد هذا العدد بمقدار 28 ألف شخص مقارنة بشهر يوليو 2025م. وارتفع معدل البطالة في ألمانيا خلال يوليو بمقدار 0.2 نقطة مئوية مقارنة بالشهر السابق، ليصل إلى 6.4 في المئة.

     وقال دانييل تيرتسنباخ، عضو مجلس إدارة وكالة العمل الاتحادية، إن “البطالة ونقص العمالة ترتفعان بشكل ملحوظ في يوليو لأسباب موسمية مرتبطة بشكل أساسي بفترة الاجازة الصيفية”، مضيفاً أن “التطور الضعيف الذي شهده سوق العمل خلال الأشهر الماضية مستمر بشكل عام”.

    وفيما يتعلق ببرنامج العمل بدوام مختصر فقد بلغ عدد المسجلين الجدد في البرنامج خلال الفترة من 1 إلى 27 يوليو 2026م نحو 25 ألف شخص. كما بلغ اجمالي المستفيدين من تعويضات البرنامج بحسب أحدث بيانات وكالة العمل الاتحادية لشهر مايو 2026م حوالي 120 ألف موظف بانخفاض قدره 16 ألف شخص مقارنة بأبريل 2026م، وبنحو 100 ألف شخص أقل مقارنة بمايو من العام الماضي.

     اما بالنسبة لعدد الوظائف الشاغرة فما تزال الشركات الألمانية حذرة في عمليات التوظيف، حيث بقي الطلب على العمالة ضعيفاً. وبلغ عدد الوظائف الشاغرة المسجلة لدى وكالة العمل الاتحادية في يوليو نحو 653 ألف وظيفة، بزيادة قدرها 25 ألف وظيفة مقارنة بالعام السابق، إلا أن مستوى الطلب على العمالة ما زال محدوداً مقارنة بالفترات السابقة.

     في سياق متصل ووفقا لبيانات وكالة العمل الاتحادية، أصبح المهاجرون أحد أهم مصادر نمو العمالة في ألمانيا خلال العقد الأخير، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني تحدياً ديموغرافياً متزايداً بسبب خروج أعداد كبيرة من أبناء جيل الطفرة السكانية إلى التقاعد. ووفقاً للوكالة، فإن الزيادة في عدد العاملين خلال الفترة بين عامي 2014م و2025م جاءت بشكل رئيسي من العمالة الأجنبية، ما يؤكد الدور المتزايد للهجرة في الحفاظ على قدرة سوق العمل الألماني على توفير الكفاءات المطلوبة.

     وأوضحت الوكالة أن نحو 43 في المئة من إجمالي نمو التوظيف خلال هذه الفترة يعود إلى أشخاص قادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي، فيما شكل اللاجئون القادمون من أبرز دول منشأ طالبي اللجوء نحو ثلث هذه الزيادة. وتشير هذه الأرقام إلى أن اندماج الوافدين في سوق العمل أصبح عاملاً حاسماً في دعم الاقتصاد الألماني، خصوصاً في القطاعات التي تعاني من نقص مزمن في العمالة المتخصصة.

     وتؤكد دراسة حديثة أعدتها مؤسسة روكفول برلين هذا الاتجاه على المستوى الأوروبي، إذ أظهرت أن معدل توظيف المهاجرين في دول الاتحاد الأوروبي وصل خلال عام 2025م إلى مستوى قياسي بلغ أكثر من 68 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات. ويعكس ذلك تحسناً مستمراً في قدرة الاقتصادات الأوروبية على دمج الوافدين في أسواق العمل.

     وكان أكبر ارتفاع من نصيب المهاجرين القادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي، حيث ارتفع معدل توظيفهم من 59 في المئة عام 2017م إلى 66 في المئة عام 2025م. كما ارتفع معدل توظيف المهاجرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى من 71 في المئة إلى نحو 75 في المئة خلال الفترة نفسها، في حين ارتفع معدل تشغيل السكان المحليين من 67 في المئة إلى 72 في المئة.

     وتكشف الدراسة عن اختلافات كبيرة بين الدول الأوروبية، حيث سجلت مالطا والتشيك وأيرلندا أعلى معدلات تشغيل للمهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي، بينما جاءت بلجيكا وفنلندا في أدنى المستويات. وفي ألمانيا، بلغ معدل توظيف المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي 66 في المئة، مقارنة بـ 80 في المئة بين السكان المحليين و79 في المئة بين المهاجرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

     وقال توماسو فراتيني، نائب مدير مركز أبحاث وتحليل الهجرة التابع لمؤسسة روكفول، إن معدلات توظيف المهاجرين ارتفعت بشكل مستمر خلال السنوات الماضية، وأصبحت تقترب من مستويات السكان المحليين، مؤكداً أن هذه التطورات تشير إلى إحراز تقدم ملموس في عملية الاندماج الاقتصادي.

 

ألمانيا في مواجهة أزمة الإنتاجية: إصلاحات عاجلة لحماية مستوى المعيشة

     أظهرت دراسة جديدة أن الاقتصاد الألماني يواجه أزمة متزايدة في الإنتاجية، بعدما تراجع نموها بصورة حادة خلال العقود الأخيرة، الأمر الذي يهدد مستوى الرفاه في البلاد في ظل التغيرات الديموغرافية ونقص العمالة المتوقع. وأوضحت الدراسة التي أعدها معهد الاقتصاد الألماني (IW) بتكليف من اتحاد الشركات العائلية، أن الإنتاجية في ألمانيا كانت ترتفع بمعدل سنوي يقارب 2 في المئة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتراجع النمو إلى نحو 1 في المئة خلال العقد الثاني من الألفية، ثم إلى 0.3 في المئة فقط في المتوسط خلال السنوات الست الماضية. ويقصد بنمو الإنتاجية أن الاقتصاد يصبح أكثر كفاءة، فينتج العامل الواحد كمية أكبر من السلع والخدمات، بينما النمو الاقتصادي يعني زيادة حجم ما ينتجه الاقتصاد إجمالاً، بغض النظر عن عدد العاملين أو مستوى كفاءتهم.

     وقال رئيس قسم الاقتصاد الكلي في معهد الاقتصاد الألماني، مايكل غروملينغ، إن الإنتاجية تمثل «المحرك الأساسي للرفاه»، لكن هذا المحرك يعاني من التعثر في ألمانيا منذ سنوات. وبحسب الدراسة، لم يعد معدل نمو الإنتاجية الحالي كافياً للحفاظ على مستوى المعيشة، خصوصاً أن التحول الديموغرافي سيؤدي خلال السنوات المقبلة إلى تراجع عدد العمال المتاحين للاقتصاد الألماني. ولتعويض هذا النقص من خلال زيادة الكفاءة والإنتاجية، يتعين رفع نمو الإنتاجية إلى نحو 1.6 في المئة سنوياً.

     ويرى الباحثون أن تحقيق هذا الهدف ممكن إذا نفذت ألمانيا إصلاحات في خمس مجالات رئيسية هي الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والابتكار، وتقليص البيروقراطية، وزيادة الاستثمارات. واعتمدت الدراسة على مقارنة ألمانيا بعدد من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتحديد أفضل الممارسات التي يمكن الاستفادة منها.

     وفي مجال الرقمنة، تشير الدراسة إلى الفجوة الكبيرة بين ألمانيا ودول أخرى، إذ لا تتجاوز استثمارات ألمانيا في رأس المال المرتبط بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما يشمل مراكز البيانات وشبكات النطاق العريض والبرمجيات وقواعد البيانات، نسبة 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نحو 6 في المئة في سويسرا. وتقدر الدراسة أن اللحاق بالمستوى السويسري على المدى الطويل يمكن أن يرفع الإنتاجية الألمانية بنحو 5 في المئة، من خلال تسريع توسيع شبكات الإنترنت، وتقديم حوافز ضريبية للاستثمار في البرمجيات، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

     وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تستخدم نحو 26 في المئة من الشركات الألمانية هذه التقنيات، مقابل 42 في المئة في الدنمارك. وإذا تمكنت ألمانيا من الوصول إلى المستوى الدنماركي، فقد تحقق زيادة في الإنتاجية بنحو 0.6 في المئة على المدى القصير. أما على المدى الطويل، فقد تصل الزيادة إلى 9.3 في المئة إذا أصبحت نصف الشركات الألمانية تستخدم الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2034م. وتستشهد الدراسة بتجربة كوريا الجنوبية، التي تقدم منذ عام 2019م دعماً حكومياً لتمويل حلول الذكاء الاصطناعي للشركات، تصل مساهمته إلى 80 في المئة.

      أما في مجال الابتكار، فتذهب الدراسة الى ان ألمانيا تنفق نحو 2 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في القطاع الخاص، مقارنة بنحو 6 في المئة لأفضل دولة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في هذا المجال. وتشير الدراسة إلى أن زيادة الإنفاق على البحث والتطوير يمكن أن تعزز الإنتاجية، وأن وصول ألمانيا على المدى الطويل إلى مستوى 6 في المئة للإنفاق على البحث العلمي والابتكار من الناتج المحلي الإجمالي قد يؤدي إلى زيادة الإنتاجية بنحو 13 في المئة، مع إمكانية تحقيق ذلك من خلال حوافز ضريبية وتشجيع نقل التكنولوجيا وتحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات قابلة للتسويق.

     كما تمثل البيروقراطية وتعقيد اللوائح التنظيمية أحد العوائق الرئيسية أمام النمو، إذ لا تفرض تكاليف مالية مباشرة فحسب، وإنما تستهلك أيضاً وقت الشركات ورأس المال الذي يمكن توجيهه إلى الاستثمار والابتكار. ووفقاً للدراسة، يرتبط خفض البيروقراطية بصورة شاملة بزيادة متوسط الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد بنحو 4.6 في المئة. وتبرز السويد كنموذج، بعدما اتخذت إجراءات لضمان تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي بأقل قدر ممكن من الأعباء الإضافية على الشركات. وإذا تمكنت ألمانيا من الوصول إلى مستوى السويد في هذا المجال، فقد يرتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنحو 1.6 في المئة خلال عام، وبنحو 5.6 في المئة بعد سبع سنوات.

     وتشكل الاستثمارات في البنية التحتية المجال الخامس، إذ تؤدي شبكات النقل والطاقة والبيانات الحديثة والموثوقة إلى خفض تكاليف الشركات وتحسين قدرتها على الإنتاج. وبلغت نسبة الاستثمار العام في ألمانيا 2.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024م، فيما يتوقع معهد الاقتصاد الألماني أن ترفع الاستثمارات المرتبطة بالصندوق الخاص للبنية التحتية والحياد المناخي هذه النسبة بنحو 1.4 نقطة مئوية بحلول عام 2030م، لتتجاوز متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 3.5 في المئة. ومع ذلك، ستظل ألمانيا متأخرة عن دول رائدة مثل إستونيا، التي تبلغ نسبة الاستثمار العام فيها 6.8 في المئة.

     وتؤكد الدراسة أن تراجع الإنتاجية الألمانية ليس أمراً حتمياً، وأن الاستفادة من تجارب الدول التي حققت تقدماً في الرقمنة والذكاء الاصطناعي والابتكار وتقليص البيروقراطية والاستثمار يمكن أن تمنح الاقتصاد الألماني دفعة قوية. غير أن الباحثين يشددون على أن آثار الإصلاحات لن تظهر فوراً، كما أن النتائج المتوقعة في المجالات الخمسة لا يمكن جمعها بصورة مباشرة بسبب وجود تداخل بينها. ومع ذلك، فإن تنفيذ هذه الإصلاحات على نطاق واسع يمكن أن يرفع الإنتاجية إلى مستوى يكفي لمنع تراجع مستوى الرفاه في ألمانيا، رغم تداعيات الشيخوخة السكانية وتقلص القوة العاملة.

 

الجفاف في ألمانيا يهدد الصناعة ويشعل المنافسة على الموارد المائية

     تشهد ألمانيا تصاعدًا غير مسبوق في تداعيات الجفاف وانخفاض منسوب الأنهار، وفي مقدمتها نهر الراين، الأمر الذي بات يهدد سلاسل الإمداد والإنتاج الصناعي ويضع المياه في صدارة التحديات الاقتصادية والاستراتيجية للبلاد. وتشير تقديرات حصرية إلى أن خسائر الإنتاج في منطقة حوض الراين قد تصل خلال الصيف الحالي إلى نحو 913 مليون يورو، فيما يتوقع الخبراء أن تتحول المياه خلال السنوات المقبلة إلى أحد أهم عوامل التنافس بين القطاعات الاقتصادية والمناطق الصناعية.

     ودفع الانخفاض الحاد في مناسيب الأنهار وزير النقل الألماني الجديد شتيفن بيلغر إلى عقد اجتماع طارئ مع ممثلي قطاع الملاحة والموانئ والصناعة، معلنًا عن حزمة إجراءات عاجلة تشمل نقل الشحنات ذات الأولوية إلى الطرق البرية، ومنح استثناءات لشاحنات النقل من قيود السير في العطل، إضافة إلى تعزيز نقل البضائع عبر السكك الحديدية بواسطة شركة القطارات الألمانية للشحن DB Cargo. كما أكد أن ظاهرة انخفاض مناسيب المياه ستصبح أكثر تكرارًا في المستقبل، ما يستدعي تسريع تطوير الممرات المائية الألمانية.

     ووفقًا لدراسة أعدتها مؤسسة (Prognos)، فإن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن انخفاض منسوب الراين لا تقتصر على تراجع الإنتاج بقيمة 913 مليون يورو، بل تشمل أيضًا انخفاض القيمة المضافة بنحو 214 مليون يورو، إضافة إلى فقدان ما يعادل 1900 فرصة عمل. وتتحمل منطقة مانهايم-لودفيغسهافن النصيب الأكبر من هذه الخسائر بقيمة إنتاجية تبلغ 494 مليون يورو. كما تشمل المناطق الأكثر تضررًا راين-ماين، وكارلسروه، وماينتس، فيما يتحمل قطاع الصناعات الكيميائية أكبر الخسائر بقيمة 426 مليون يورو، يليه قطاعا تكرير النفط بقيمة تبلغ 208 مليون يورو.

     وتواجه المصافي النفطية ضغوطًا متزايدة نتيجة اعتمادها الكبير على النقل النهري، إذ لم تعد السفن قادرة في كثير من المناطق إلا على تحميل ربع طاقتها التشغيلية، بينما اضطرت بعض السفن إلى تعليق رحلاتها مؤقتًا، ما دفع الشركات إلى التحول نحو النقل بالسكك الحديدية أو الشاحنات حيثما أمكن. وتحذر رابطة محطات الوقود الألمانية من احتمال حدوث اختناقات في الإمدادات إذا استمر غياب الأمطار خلال الفترة المقبلة، رغم أن الإمدادات ما تزال مستقرة حتى الآن. كما تتوقع غرفة الصناعة والتجارة الألمانية تراجع حجم البضائع المنقولة بنحو ثلاثة ملايين طن شهريًا، في حين يرى معهد الاقتصاد الألماني أن التداعيات الاقتصادية قد تكون كافية للقضاء على النمو الاقتصادي المحدود المتوقع لألمانيا خلال العام الجاري.

     وتبرز ولاية براندنبورغ مثالًا واضحًا على تصاعد النزاع حول الموارد المائية، حيث يواجه مشروع لإنشاء مصنع جديد لعلب المشروبات تابع لشركة ريد بول اعتراضات بيئية بسبب حجم المياه المخصصة له، في حين تؤكد السلطات المحلية أولوية الحفاظ على المياه الجوفية. كما بدأت بعض البلديات في فرض شروط جديدة على الشركات، من بينها إلزامها بخفض استهلاك المياه أو تحمل تكاليف جلب مياه إضافية من مناطق أخرى.

     ولا تقتصر تداعيات أزمة المياه على الصناعة التقليدية، إذ تواجه الزراعة أيضًا مخاطر متزايدة مع توقعات بخسائر في محصول القمح الألماني تصل إلى 1.4 مليون طن بقيمة تقارب 233 مليون يورو، إلى جانب تأثر محاصيل البطاطس والذرة وبنجر السكر. كما يتوقع ارتفاع نسبة الأراضي الزراعية التي تعتمد على الري خلال السنوات المقبلة نتيجة تزايد موجات الجفاف.

     ومن جهة أخرى، باتت مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي تمثل مصدرًا جديدًا للطلب على المياه بسبب احتياجاتها الكبيرة للتبريد. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مراكز البيانات استهلكت عالميًا بحلول عام 2025م نحو 4.5 تريليون لتر من المياه، مع توقع تضاعف قدرات مراكز البيانات في أوروبا ثلاث مرات خلال السنوات الخمس المقبلة..

     كما تمثل صناعة أشباه الموصلات أحد أكثر القطاعات اعتمادًا على المياه. ففي مدينة دريسدن يجري تنفيذ مشروع بنية تحتية بقيمة 300 مليون يورو لتزويد أكبر تجمع لصناعة الرقائق الإلكترونية في أوروبا بالمياه الصناعية عبر محطة خاصة على نهر الإلبه، ستوفر يوميًا ما يصل إلى 67 ألف متر مكعب من المياه، بما يعادل استهلاك مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 670 ألف نسمة، مع إعادة نحو 80 في المئة من المياه المستخدمة إلى النهر بعد معالجتها. ويتوقع أن ترتفع حصة صناعة الرقائق من إجمالي استهلاك المياه في دريسدن من 27 في المئة حاليًا إلى نحو 45 في المئة بحلول عام 2030م مع توسع الاستثمارات في القطاع.

     ويرى الخبراء أن الحلول متاحة، إذ يمكن للمصانع خفض استهلاك المياه بشكل كبير من خلال تحسين كفاءة العمليات الصناعية وإعادة تدوير المياه، حيث يمكن تقليل الاستهلاك بنسبة تصل إلى 70 في المئة في صناعة الصلب، و75 في المئة في المصافي والصناعات الكيميائية، و55 في المئة في صناعة السيارات، و45 في المئة في الصناعات الغذائية والمشروبات. كما تؤكد التجربة الإسبانية، التي أعقبت سنوات من الجفاف، إمكانية رفع معدلات إعادة استخدام المياه إلى نحو 10 في المئة مقارنة بمتوسط أوروبي يبلغ حوالي 2 في المئة، ما يوفر نموذجًا يمكن لألمانيا الاستفادة منه في مواجهة تحدياتها المائية المستقبلية.

 

رأس المال الصيني في الصناعة الألمانية: فوائد اقتصادية وتحديات استراتيجية

     في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف داخل ألمانيا بشأن تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني في القطاعات الصناعية والتكنولوجية الحساسة، تكشف نتائج دراسة حديثة أجرتها مجلة «بلوس مينوس» الاقتصادية التابعة لشبكة البث الألمانية ARD عن صورة أكثر توازناً وتعقيداً مما ساد في النقاشات العامة خلال العقد الماضي. فبعد عشر سنوات من موجة استحواذ الشركات الصينية على عدد من الشركات والمصانع في ألمانيا والتي بلغت ذروتها عام 2016م، لا تظهر البيانات المتاحة حتى الآن دلائل على حدوث «بيع ممنهج» للتكنولوجيا الألمانية أو إضعاف واسع النطاق للشركات المستحوذ عليها، كما لا تؤكد في الوقت ذاته التوقعات المتفائلة التي راهنت على تحقيق قفزات نمو استثنائية بفضل رؤوس الأموال الصينية.

     وكان عام 2016م نقطة تحول بارزة في العلاقات الاستثمارية بين ألمانيا والصين، إذ شهد دخول مستثمرين صينيين إلى 68 شركة ألمانية عبر شراء حصص استراتيجية أو تنفيذ عمليات استحواذ كاملة. وتركزت هذه الاستثمارات بشكل خاص في قطاعات صناعة الآلات والمعدات وصناعة السيارات والهندسة الكهربائية، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري للقوة الصناعية الألمانية ومصدراً رئيسياً للتفوق التكنولوجي الذي تتمتع به البلاد عالمياً. وفي ذلك الوقت، انقسمت الآراء بين من اعتبر هذه الاستثمارات تهديداً مباشراً للسيادة التكنولوجية الألمانية، وبين من رأى فيها فرصة لتعزيز القدرة التنافسية للشركات الألمانية من خلال توفير التمويل اللازم للتوسع والوصول إلى الأسواق الآسيوية سريعة النمو.

     ولتقييم النتائج الفعلية لهذه الاستثمارات بعيداً عن الجدل السياسي والإعلامي، قامت مجلة «بلوس مينوس» بتحليل الأداء الاقتصادي لنحو خمسين شركة ألمانية تخضع لملكية أغلبية صينية، مع التركيز على مؤشرات رئيسية تشمل حجم المبيعات ومستويات التوظيف والتغيرات الاستراتيجية التي شهدتها هذه الشركات خلال السنوات اللاحقة للاستحواذ. كما شاركت مجموعة من الشركات في استطلاع تناول قضايا نقل المعرفة وأهمية المواقع الإنتاجية الألمانية ضمن استراتيجيات المالكين الجدد.

     وتشير النتائج إلى أن الشركات المشمولة بالدراسة حافظت بصورة عامة على استقرارها الاقتصادي. فبعد مرور خمس سنوات على دخول المستثمرين الصينيين، ارتفعت إيرادات هذه الشركات في المتوسط بنحو ستة في المئة مقارنة بمستوياتها في سنة الاستحواذ. وعلى الرغم من أن هذه النسبة لا تعكس نمواً استثنائياً، فإنها تدل على قدرة الشركات على المحافظة على نشاطها الاقتصادي في بيئة شهدت خلال الفترة نفسها تحديات كبيرة، من بينها جائحة كورونا واضطرابات سلاسل التوريد العالمية والتقلبات الاقتصادية الدولية.

     أما فيما يتعلق بسوق العمل، فقد أظهرت الدراسة أن المخاوف من عمليات تسريح واسعة للعمالة الألمانية لم تتحقق. صحيح أن أعداد الموظفين تراجعت خلال فترة جائحة كورونا، إلا أن هذه التراجعات كانت جزءاً من ظاهرة اقتصادية عالمية أثرت على معظم القطاعات الصناعية. ومع عودة النشاط الاقتصادي، استعادت الشركات مستويات التوظيف السابقة، بل تمكن بعضها من تجاوزها بنسب طفيفة، ما يشير إلى أن المستثمرين الصينيين لم يعتمدوا استراتيجية قائمة على نقل الإنتاج بشكل واسع إلى الخارج أو إغلاق المواقع الألمانية لصالح مواقع إنتاج منخفضة التكلفة.

     ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين الملكية الصينية وتحسن أداء الشركات. فالتطور الاقتصادي لأي مؤسسة يتأثر بعوامل متعددة تشمل أوضاع السوق العالمية، والابتكار التكنولوجي، والإدارة، والظروف الاقتصادية العامة. ومع ذلك، فإن الأرقام الحالية لا تدعم السيناريوهات التي حذرت من إفراغ الشركات الألمانية من أصولها التقنية أو تحويلها إلى مجرد مراكز تابعة للمجموعات الصناعية الصينية.

     وفيما يتعلق بالمخاوف من نقل الشركات الصينية المعرفة والتكنولوجيا الألمانية بصورة أحادية الاتجاه، وهي المخاوف التي صاحبت موجة الاستحواذات الصينية، أظهرت الدراسة نتائج مختلفة، فحوالي 70 في المئة من الشركات التي شملها الاستطلاع أكدت حدوث زيادة في نقل الخبرات التقنية إلى الصين، إلا أن أكثر من نصف هذه الشركات أوضحت في الوقت ذاته أنها استفادت أيضاً من الخبرات والمعارف التي تم تطويرها داخل الشركات الصينية الأم.

     وتشير هذه النتائج إلى أن العلاقة بين الجانبين لم تقتصر على تدفق المعرفة من ألمانيا إلى الصين، بل اتخذت في العديد من الحالات طابعاً تبادلياً، خاصة في مجالات الإدارة الرقمية، وتطوير سلاسل التوريد، والوصول إلى الأسواق الآسيوية، وتحسين العمليات الإنتاجية. ويعكس ذلك التحولات التي شهدها الاقتصاد الصيني خلال العقدين الماضيين، حيث لم تعد الصين مجرد قاعدة إنتاج منخفضة التكاليف، بل أصبحت لاعباً مهماً في مجالات التكنولوجيا والابتكار الصناعي.

     ورغم هذه التحديات، تشير نتائج الدراسة إلى أن غالبية الشركات التي انتقلت إلى ملكية صينية لا تعتبر مواقعها الإنتاجية في ألمانيا مهددة. بل إن أكثر من نصف الشركات المشاركة في الدراسة أكدت أن أهمية مواقعها الألمانية ازدادت منذ الاستحواذ، في حين رأت نحو ثلث الشركات أن هذه الأهمية بقيت مستقرة دون تغيير. ويعكس ذلك استمرار جاذبية ألمانيا كمركز صناعي متقدم يتمتع بمهارات فنية عالية وبنية تحتية متطورة وشبكات بحث وتطوير متقدمة يصعب الاستغناء عنها.