أظهر مؤشر مناخ الأعمال في ألمانيا ifo تحسناً ملحوظاً خلال شهر سبتمبر 2026م، حيث ارتفع إلى مستوى 89.9 نقطة مقارنة بـ 88.8 نقطة في أغسطس الماضي. وجاء هذا التحسن نتيجة تقييم الشركات لأوضاعها الحالية بصورة أكثر إيجابية، إلى جانب استمرار تحسن توقعاتها بشأن الاعمال خلال الأشهر المقبلة. ويؤشر هذا التحسن إلى أن الاقتصاد الألماني يواصل مسار التعافي، وإن كان ذلك متفاوتاً بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.
في قطاع الصناعة، واصل مؤشر مناخ الاعمال ارتفاعه حيث سجل في سبتمبر مستوى ( -2.8 نقطة) بعد ان كان عند مستوى ( -4.2 نقطة) في أغسطس الماضي، وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بصورة رئيسية بتحسن واضح في توقعات الشركات لمستوى اعمالها خلال الفترة القادمة، ولا سيما في قطاع الصناعات الكهربائية. وفي المقابل، جاء تقييم الشركات لأوضاعها الحالية أقل إيجابية قليلاً مقارنة بالشهر السابق. حيث لا تزال الشركات الصناعية غير راضية عن مستوى الطلبات الجديدة، فيما يواجه قطاع صناعة السيارات ظروفاً صعبة في ظل استمرار التحديات التي تواجه الصناعة.
أما قطاع الخدمات، فقد عاد مؤشر مناخ الأعمال فيه إلى المنطقة الإيجابية مسجلاً 0.7 نقطة في سبتمبر ومرتفعا من مستوى ( -2.1 نقطة) المسجل في أغسطس، مدعوماً بشكل أساسي بارتفاع مستوى رضا الشركات عن أعمالها الجارية. كما قامت الشركات بتحسين توقعاتها المستقبلية، ما يعكس زيادة في التفاؤل بشأن تطورات الاعمال خلال الفترة المقبلة.
كما ارتفع المؤشر في قطاع التجارة أيضاً في سبتمبر الى مستوى ( -17.2 نقطة) بعد ان كان عند مستوى ( -20.5 نقطة) في الشهر الماضي، حيث قيّم التجار أوضاعهم الحالية بصورة أكثر إيجابية، كما تحسنت توقعاتهم المستقبلية. ومع ذلك، لا يزال تجار التجزئة يتبنون موقفاً حذراً في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع معدلات التضخم، الأمر الذي يحد من التفاؤل بشأن تطور الطلب الاستهلاكي.
وظل مؤشر مناخ الأعمال في قطاع البناء شبه مستقر في شهر سبتمبر مقارنة بالشهر السابق حيث سجل مستوى ( -17 نقطة) فيما كان قد سجل مستوى ( -16.9 نقطة) في أغسطس. فمن جهة، أبدت الشركات قدراً أكبر من الرضا عن أعمالها الحالية، بينما تراجعت توقعاتها المستقبلية لمستوى الاعمال بشكل طفيف.
من جانب أخر سجّل الاقتصاد الألماني نمواً أقوى مما كان متوقعاً خلال الربع الثاني من عام 2026م، رغم تداعيات الحرب في إيران وارتفاع أسعار النفط واستمرار الظروف الجوية غير المواتية. وأعلن مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني (Destatis) أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع خلال الفترة من أبريل إلى يونيو بنسبة 0.3 في المئة مقارنة بالربع السابق. وقالت رئيسة مكتب الإحصاء الاتحادي، روث براند، إن ديناميكية النمو التي بدأها الاقتصاد الألماني مطلع العام استمرت خلال الربع الثاني، مشيرة إلى أن هذا الأداء يعود بشكل أساسي إلى التطور الإيجابي للصادرات.
وبهذا النمو، يكون الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا قد سجل ارتفاعاً للربع الثالث على التوالي. فقد نما الاقتصاد بنسبة 0.3 في المئة في الربع الأخير من عام 2025م، ثم ارتفع بنسبة 0.4 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026م. وكانت الصادرات العامل الأبرز وراء الأداء الاقتصادي في الربيع، إذ ارتفعت صادرات السلع والخدمات بنسبة 2 في المئة مقارنة بالربع الأول من العام.
وفي سياق متصل، خلصت معاهد اقتصادية ألمانية رائدة، هي معهد إيفو في ميونيخ (ifo)، والمعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW) في برلين، ومعهد لايبنيتز للأبحاث الاقتصادية في هاله (IWH)، ومعهد كيل للاقتصاد العالمي، ومعهد RWI في إيسن، في تقريرها المشترك “التشخيص الاقتصادي المشترك” (Gemeinschaftsdiagnose)، إلى أن ألمانيا تشهد أخيراً عودة إلى النمو والانتعاش الاقتصادي. إذ يتوقع التقرير أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي في العام 2026م بنسبة 1.3 في المئة وبذلك ستكون وتيرة تعافي الاقتصاد أقوى مما كان متوقعاً في الربيع، عندما كانت المعاهد تتوقع نمواً بنسبة 0.6 في المئة فقط.
وأوضح التقرير أن الصادرات والناتج الصناعي قد ارتفعا بصورة «مفاجئة وقوية». وجاءت دفعة النمو في هذين القطاعين من قوة الاقتصاد العالمي والازدهار العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي. كما واجت الاقتصاديات المنافسة مشكلات كبيرة في الإنتاج بسبب الحرب مع إيران. وأضاف التقرير أن صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب أدت بالفعل إلى إبطاء الاقتصاد الألماني، إلا أن الارتفاع في أسعار الوقود وزيت التدفئة لم ينعكس حتى الآن بصورة كبيرة على أسعار السلع والخدمات الأخرى التي يدفعها المستهلكون. وبالرغم من تحسن التوقعات، شدد التقرير على أن التعافي لا يزال ضعيفاً. وقال Oliver Holtemöller، من معهد Leibniz للبحوث الاقتصادية في هاله، إن الانتعاش “يقوم على أساس ضيق، لأن ارتفاع أسعار الطاقة والمشكلات الهيكلية تشكل عبئاً” على الاقتصاد. وبالنسبة لعام 2027م، رفعت المعاهد توقعاتها للنمو من 0.9 في المئة إلى 1.1 في المئة أما في عام 2028م، فلا تتوقع سوى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4 في المئة، ما يعني أن وتيرة النمو الاقتصادي “ستفقد زخمها”.
من جانبها رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توقعاتها لنمو الاقتصاد الألماني خلال العام الجاري بشكل ملحوظ، متوقعة أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 1.1 في المئة في عام 2026م، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 0.7 في المئة فقط في يونيو الماضي. وأبقت المنظمة على توقعاتها للنمو في ألمانيا خلال عام 2027م عند 1.1 في المئة. وأرجعت المنظمة التحسن في آفاق الاقتصاد الألماني إلى الأداء القوي للصادرات خلال النصف الأول من العام. وقال Robert Grundke، الخبير في منظمة التعاون والتنمية إن الصادرات الألمانية ارتفعت بصورة فاقت التوقعات، مدفوعة، من بين عوامل أخرى، بزيادة الطلب على المنتجات والمعدات الإلكترونية في ظل الطفرة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن الطلب على هذه المنتجات يُتوقع أن يظل مرتفعاً خلال الفترة المقبلة. كما ساهمت زيادة الاستثمارات الحكومية في قطاعي الدفاع والبنية التحتية في دعم التعافي الاقتصادي،
كما تتوقع المنظمة نمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 1 في المئة في عام 2026م، فيما تقدر نمو الاقتصاد العالمي بنحو 2.9 في المئة. غير أن توقعاتها لعام 2027م كانت أكثر تحفظاً بالنسبة لاقتصاد منطقة اليورو والتي تتوقع ان ينمو بنسبة 1 في المئة فقط، بينما سينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3 في المئة. وأوضحت المنظمة أن النمو الاقتصادي في العديد من الدول ظل متماسكاً خلال النصف الأول من العام الجاري، رغم التداعيات السلبية للحرب مع أيران. وساعدت وفرة مخزونات النفط، والإمدادات القادمة من خارج منطقة الخليج العربي، إلى جانب إجراءات الدعم الحكومية، في الحد من الآثار الاقتصادية السلبية للأزمة.
سوق العمل: البطالة تتجاوز 3 ملايين عاطل وتزايد الاعتماد على العمالة الأجنبية في “مهن الاختناق”
سجل سوق العمل خلال شهر أغسطس 2026م، ارتفاعاً في عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا بنحو 54 ألف شخص مقارنة بشهر يوليو الماضي، ليصل إجمالي عددهم إلى 3.061 مليون عاطل. وبالمقارنة مع شهر أغسطس من العام الماضي، ارتفع عدد العاطلين بنحو 36 ألف شخص. كما ارتفع معدل البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية على أساس سنوي ليصل في أغسطس من العام الجاري الى 6.5 في المئة.
وفي تعليقها على بيانات سوق العمل في أغسطس قالت Andrea Nahles، رئيسة مجلس إدارة وكالة العمل الاتحادية “حتى في أغسطس، لا يظهر سوق العمل سوى قدر ضئيل من الديناميكية. وبذلك يستمر الأداء الضعيف الذي شهدناه خلال الأشهر الماضية”.
وفي جانب برنامج العمل بدوام مختصر فقد تم خلال الفترة من 1 إلى 24 أغسطس 2026م تسجيل أكثر من 14 ألف موظف جديد في البرنامج. وبلغ اجمالي المستفيدين من البرنامج بحسب أحدث البيانات لشهر يونيو 2026م، نحو 140 ألف شخص ويمثل هذا العدد زيادة بنحو 8 آلاف شخص مقارنة بشهر مايو، لكنه يقل بنحو 55 ألف شخص عن مستواه في يونيو من العام الماضي. اما فيما يتعلق بالطلب على العمالة فقد بلغ عدد الوظائف الشاغرة المسجلة لدى وكالة العمل الاتحادية في شهر أغسطس 2026م 656 ألف وظيفة بزيادة قدرها 25 ألف وظيفة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
علاوة على ذلك، يواجه سوق العمل الألماني تحدياً متزايداً يتمثل في النقص الحاد في العمالة، ولا سيما في عدد من المهن التي يصعب استقطاب العاملين إليها. وفي ظل استمرار التغير الديموغرافي وتراجع أعداد السكان في سن العمل، تتجه ألمانيا بصورة متزايدة إلى العمالة الوافدة من الخارج لسد هذه الفجوة. ويعمل حالياً نحو 9 ملايين شخص فيما يعرف بـ«مهن الاختناق» أو المهن التي تعاني نقصاً في العمالة، من بينهم أكثر من مليون عامل قادم من الخارج. وخلال السنوات العشر الماضية، تضاعفت نسبة العاملين الأجانب في هذه المهن، بينما أصبح الأجانب يشكلون في بعض القطاعات التي تعاني صعوبة في شغل الوظائف نحو ثلث العاملين. وتشمل هذه المهن، على سبيل المثال، سائقي الشاحنات، وعمال تركيب السقالات، وعمال تركيب الأرضيات، وعمال تنظيف المباني، وهي وظائف يواجه أصحاب العمل صعوبة متزايدة في العثور على العدد الكافي من العاملين لشغلها.
ولا يقتصر الاعتماد على العمالة الوافدة على بعض المهن الفنية والخدمية، بل أصبح واضحاً بصورة خاصة في القطاعات التي تتسم بارتفاع معدلات الطلب على العمالة وانخفاض الإقبال المحلي عليها. ففي قطاع المطاعم وصناعة وتجهيز اللحوم، يشكل العاملون القادمون من الخارج نحو 60 في المئة من إجمالي العاملين، أي أنهم يمثلون الأغلبية في هذه القطاعات. ويفسر النائب في البرلمان الألماني باسكال مايزر ذلك بطبيعة هذه الوظائف، التي وصفها بأنها “شاقة للغاية”، فضلاً عن ارتباط بعضها بظروف عمل صعبة وأجور ليست مرتفعة بالقدر الكافي لجذب عدد أكبر من العمالة المحلية.
ويرى مايزر أن تحسين الأجور وظروف العمل يمثل عاملاً أساسياً في ضمان استمرار العاملين الوافدين في ألمانيا، بدلاً من مغادرتهم بعد فترة قصيرة. وتشير توقعات الحكومة الألمانية إلى أن الحاجة إلى العمالة القادمة من الخارج ستواصل الارتفاع بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة. ولا يعني ذلك الاستغناء عن جهود تأهيل وتدريب العاملين الموجودين بالفعل في ألمانيا؛ بل إن استراتيجية سوق العمل الألمانية تحتاج، وفق هذا الطرح، إلى الجمع بين مسارين متوازيين: تأهيل السكان الموجودين في ألمانيا من جهة، واستقطاب العمالة الأجنبية من جهة أخرى.
وتكتسب هذه الحاجة أهمية خاصة في ظل التغيرات الديموغرافية التي تشهدها ألمانيا، حيث يتقاعد عدد كبير من أفراد جيل «طفرة المواليد» في السنوات المقبلة، بينما لا يكفي عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل لتعويض جميع المتقاعدين. وتبدو التحديات الديموغرافية أكثر حدة في شرق ألمانيا، حيث تتوقع الحكومة الاتحادية أن تحتاج ولايات شرق ألمانيا خلال السنوات المقبلة إلى معدل صافٍ من الهجرة، مقارنة بعدد سكانها، يفوق ما تحتاج إليه مناطق غرب البلاد.
ويعني ذلك أن الهجرة لم تعد بالنسبة إلى الاقتصاد الألماني مجرد وسيلة لسد بعض الوظائف الشاغرة، وإنما أصبحت أحد العناصر الرئيسية للحفاظ على قدرة سوق العمل والاقتصاد على النمو.
الاستثمارات الأجنبية في ألمانيا ترتفع في العام 2025م بنسبة 50 في المئة
أظهرت دراسة حديثة صادرة عن معهد الاقتصاد الألماني في كولونيا (IW)، والتي استندت إلى أحدث بيانات البنك المركزي الألماني (Bundesbank). ان الاستثمارات الأجنبية في ألمانيا شهدت العام 2025م ارتفاعاً كبيراً، حيث استثمرت الشركات الأجنبية في ألمانيا العام الماضي نحو 86 مليار يورو، بزيادة قدرها 50 في المئة مقارنة بالعام 2024م.
وقالت الخبيرة الاقتصادية في معهد الاقتصاد الألماني، Samina Sultan، “بعد الانخفاض الحاد الذي بلغ نحو 32 في المئة عام 2024م، عادت الاستثمارات الأجنبية إلى الاستقرار من جديد”. مشيرة الى ان تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتسم بإمكانية حدوث تقلبات كبيرة من عام إلى آخر، كما يمكن أن تتأثر بصورة واضحة بصفقات استثمارية كبيرة منفردة. فضلاً عن ذلك، غالباً ما تخضع البيانات لتعديلات لاحقة، سواء بالزيادة أو النقصان.
ولهذا السبب، قارن معهد الاقتصاد الألماني إجمالي قيمة الاستثمارات لعام 2025م مع متوسط قيمة الاستثمارات الاجنبية للفترة بين عامي 2015م و2024م. وقد أظهرت هذه المقارنة، ان الاستثمارات الأجنبية في عام 2025م، لا تزال أعلى بنحو 11 في المئة من المتوسط المسجل خلال تلك الفترة.
وأكدت Sultan أن “الدول التي يأتي منها رأس المال شهدت تحولاً واضحاً في عام 2025م،” فقد استثمرت الشركات الأمريكية في ألمانيا 11.8 مليار يورو فقط، بانخفاض حاد بلغ نحو 44 في المئة مقارنة بعام 2024م. وبذلك تراجعت حصة الولايات المتحدة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في ألمانيا من أكثر من 36 في المئة إلى نحو 14 في المئة فقط.
وجاءت الاستثمارات من المملكة المتحدة لتعوض هذا التراجع بشكل كبير. فقد ارتفعت الاستثمارات البريطانية في ألمانيا عام 2025م، بنحو 284 في المئة، لتصل إلى 26 مليار يورو. وأكدت الخبيرة في معهد الاقتصاد الألماني Samina Sultan، أن المملكة المتحدة أصبحت بذلك في الصدارة بوضوح أمام الولايات المتحدة، موضحةً ان “حصة المملكة المتحدة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في ألمانيا بلغت نحو 31 في المئة”.
أما الاستثمارات الصينية، فعلى الرغم من ارتفاعها بنحو 51 في المئة خلال عام 2025م، فإنها ظلت، وفقاً للمعهد، “ظاهرة هامشية”، إذ لم تتجاوز قيمتها 199 مليون يورو. وبحسب البيانات، لا تتجاوز حصة الصين من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في ألمانيا 0.2 في المئة. كما سجلت الاستثمارات القادمة من تشيلي والمملكة العربية السعودية نمواً قوياً، حيث ارتفعت استثمارات كل منهما بأكثر من 40 في المئة حيث وصلت الاستثمارات السعودية في المانيا العام 2025م، الى نحو 1.1 مليار يورو فيما بلغت استثمارات تشيلي 2.840 مليار يورو.
واشارت Sultan، الى ان “الجزء الأكبر بفارق واضح من رأس المال الاستثماري الأجنبي لا يزال يأتي من أوروبا”، فقد استثمرت الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في ألمانيا خلال العام الماضي نحو 43 مليار يورو، رغم تسجيلها انخفاضاً طفيفاً بنسبة 2.7 في المئة. ويمثل هذا المبلغ ما يزيد قليلاً على 50 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في ألمانيا. وإذا أضيفت استثمارات المملكة المتحدة إلى استثمارات دول الاتحاد الأوروبي، فإن أكثر من 80 في المئة من الاستثمارات الأجنبية في ألمانيا تأتي من أوروبا. وأكدت الخبيرة الاقتصادية في معهد الاقتصاد الألماني أن هذه الأرقام تظهر بوضوح أن “أوثق وأكثر العلاقات الاقتصادية موثوقية لا تزال تلك القائمة مع الدول الأوروبية المجاورة”.
وتشمل الاستثمارات الأجنبية المباشرة، على سبيل المثال، عمليات اندماج الشركات والاستحواذ عليها أو المساهمات وحصص الملكية. ولا يقتصر تدفق الاستثمارات في هذه الحالات على الأموال فحسب، بل غالباً ما يصاحبه أيضاً نقل المعرفة والخبرات الفنية (Know-how) والتكنولوجيا.
7.2 مليون وظيفة في ألمانيا تعتمد على الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي
يشكل قطاع التصدير أحد الركائز الأساسية للازدهار الاقتصادي في ألمانيا، فيما يحتل الاتحاد الأوروبي موقعاً محورياً في منظومة التجارة الخارجية الألمانية. وأظهرت دراسة أعدتها مؤسسة Prognos بتكليف من اتحاد الاقتصاد البافاري (vbw)، أن التطور الاقتصادي لألمانيا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى كفاءة الاتحاد الأوروبي وقدرته على أداء وظائفه الاقتصادية.
وبدلاً من النظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره مجرد سوق تصدير، اعتبرت الدراسة ان التكامل الأوروبي منظومة اقتصادية متكاملة، مع التركيز على تأثيره في القيمة المضافة وفرص العمل وديناميكية النمو داخل ألمانيا، وكذلك مدى حساسية الاقتصاد الألماني لأي تغيرات في البيئة الاقتصادية الأوروبية. حيث يستحوذ الاتحاد الأوروبي على أكثر من نصف الصادرات الألمانية، ما يجعل السوق الأوروبية الموحدة أهم سوق تصريف للمنتجات الألمانية، بل إن أهميتها شهدت زيادة خلال الفترة الأخيرة. وتكشف طبيعة هذه الصادرات عن درجة عالية من الترابط بين الاقتصادات الأوروبية؛ إذ إن نحو 52 في المئة من الصادرات الألمانية إلى دول الاتحاد الأوروبي تتكون من سلع وسيطة تدخل في مراحل إنتاج وتصنيع لاحقة داخل أوروبا. ويعكس ذلك مدى تشابك سلاسل القيمة والإنتاج بين ألمانيا وشركائها الأوروبيين. وتتركز نسبة كبيرة من الصادرات الألمانية داخل الاتحاد الأوروبي في خمس دول رئيسية هي فرنسا وهولندا وبولندا وإيطاليا والنمسا، التي تستحوذ مجتمعة على أكثر من نصف الصادرات الألمانية إلى دول الاتحاد.
ولا تقتصر أهمية الطلب الأوروبي على دعم قطاع التصدير فحسب، وإنما يمتد تأثيره بصورة مباشرة إلى الاقتصاد الألماني. ووفقاً للدراسة، يسهم الطلب القادم من دول الاتحاد الأوروبي في توليد نحو 554 مليار يورو من القيمة المضافة الإجمالية في ألمانيا، أي ما يعادل نحو 16 في المئة من إجمالي القيمة المضافة، كما يساهم في تأمين نحو 7.2 مليون وظيفة.
ويعد قطاع الصناعة من أبرز المستفيدين من الطلب الأوروبي، إلى جانب القطاعات الألمانية الرئيسية ذات التوجه التصديري، وفي مقدمتها صناعة السيارات وصناعة الآلات والمعدات. ويعكس ذلك الدور المركزي الذي تلعبه السوق الأوروبية في دعم القاعدة الصناعية الألمانية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل التوريد والأسواق الخارجية.
وتظهر الدراسة أن الترابط الاقتصادي بين ألمانيا وشركائها الأوروبيين هو الأقوى في أوروبا الغربية. غير أن دول وسط وشرق أوروبا وشمالها اكتسبت أهمية متزايدة بالنسبة للاقتصاد الألماني خلال السنوات الأخيرة، في ظل توسع العلاقات التجارية وتزايد اندماج سلاسل الإنتاج عبر الحدود.
وتتضح أهمية السوق الأوروبية بالنسبة للصادرات الألمانية بصورة أكبر عند مقارنة تطورات الصادرات إلى مختلف الأسواق العالمية خلال النصف الأول من عام 2026م. فعلى الرغم من استمرار الولايات المتحدة في تصدر الأسواق الخارجية للصادرات الألمانية من حيث القيمة، إذ بلغت الصادرات إليها نحو 73.1 مليار يورو، فإن هذا الرقم يمثل تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025م، عندما سجلت الصادرات الألمانية إلى السوق الأمريكية نحو 77.9 مليار يورو. وبذلك انخفضت الصادرات بقيمة 4.8 مليار يورو، أي بنسبة 6.1 في المئة.
ويأتي هذا التراجع في ظل تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية، التي أضرت بصورة خاصة بقطاع صناعة السيارات الألماني. وفي المقابل، حققت الصادرات الألمانية إلى عدد من الأسواق الأوروبية نمواً قوياً. فقد ارتفعت الصادرات إلى فرنسا بنسبة 7.6 في المئة لتصل إلى 63.2 مليار يورو، بينما زادت الصادرات إلى هولندا بنسبة 9 في المئة لتبلغ 60.5 مليار يورو. وبذلك أصبحت فرنسا وهولندا أهم سوقين أوروبيين لصناعة التصدير الألمانية، في مؤشر جديد على الدور المحوري الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي في دعم الاقتصاد الألماني، خصوصاً في ظل تزايد المخاطر التجارية والجيوسياسية خارج القارة.
وتشير تحليلات السيناريوهات الواردة في الدراسة إلى أن حدوث حالة من الركود أو الجمود الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي ستكون له تداعيات أكبر على الصادرات والقيمة المضافة وفرص العمل في ألمانيا مقارنة بتطورات اقتصادية مماثلة في مناطق أخرى من العالم. ويعني ذلك أن أداء الاقتصاد الألماني لا يعتمد فقط على الطلب العالمي بصورة عامة، بل يرتبط بشكل خاص بالقدرة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي على النمو والحفاظ على تدفق التجارة والاستثمار والإنتاج بين دوله.
ولا يقتصر أثر التكامل الأوروبي على التجارة والصادرات، إذ تلعب الحدود المفتوحة في منطقة شنغن دوراً مهماً في ضمان كفاءة سلاسل الإمداد وتسهيل حركة التجارة والسياحة وتنقل العمال عبر الحدود. وتحذر الدراسة من أن إعادة فرض ضوابط حدودية منهجية داخل منطقة شنغن ستكون لها تكلفة اقتصادية مباشرة على ألمانيا،
الذكاء الاصطناعي يدفع قطاع الشركات الناشئة في ألمانيا إلى مستويات قياسية جديدة
تشهد منظومة الشركات الناشئة في ألمانيا طفرة غير مسبوقة، مدفوعة بصورة رئيسية بالتطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد بلغ عدد الشركات الجديدة التي تأسست في البلاد مستويات قياسية، فيما تنظر الشركات الناشئة والمستثمرون إلى المستقبل بدرجة متزايدة من التفاؤل، رغم استمرار التحديات التي يواجها الاقتصاد الألماني.
ووفقاً لاتحاد الشركات الناشئة الألماني، تحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل تغيير رئيسي، وأصبح في الوقت نفسه المحرك الأهم لنشاط الشركات الناشئة في ألمانيا، فقد أظهر مسح أجراه الاتحاد أن الذكاء الاصطناعي أصبح في العام 2026م عاملاً محورياً بالنسبة إلى شركة ناشئة واحدة من كل ثلاث شركات (34 في المئة) بعد ان كان في العام 2025م عند مستوى (27 في المئة).
وبحسب بيانات اتحاد الشركات الناشئة تشهد السوق حالياً طفرة غير مسبوقة، حيث تأسست 3,053 شركة جديدة خلال النصف الأول من عام 2026م، بزيادة قدرها 52 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما تجاوز هذا العدد إجمالي الشركات الناشئة التي تأسست في ألمانيا خلال عام 2024م بأكمله. وتشير المعطيات الحالية إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تزال في بدايتها، ما يرجح استمرار موجة تأسيس الشركات الناشئة في ألمانيا خلال السنوات المقبلة.
ويرى Oliver Falck، الخبير في معهد ” ifo” للبحوث الاقتصادية في ميونيخ، أن الظروف المحيطة بتأسيس الشركات الناشئة في ألمانيا أصبحت أفضل بكثير خلال السنوات الأخيرة. مشيراً إلى ظهور “منظومات بيئية” متكاملة تساعد على إنشاء الشركات وتطويرها. ولا يرتبط هذا الارتفاع بالفرص التكنولوجية وحدها، إذ يرى خبير معهد « ifo» Falck أن الوضع الاقتصادي الصعب في ألمانيا يمثل عاملاً آخر وراء تزايد أعداد المؤسسين الجدد. فعندما تتراجع فرص العمل حتى أمام أصحاب المؤهلات العالية في الشركات القائمة، قد ينظر كثيرون إلى العمل الحر وتأسيس الشركات باعتبارهما فرصة بديلة.
وتؤكد Miriam Wohlfarth، التي أسست بالفعل شركتها الناشئة الثالثة في قطاع الخدمات المالية. وكانت Wohlfarth قد حققت نجاحاً مبكراً في عام 2009م عندما أسست شركة التكنولوجيا المالية (Ratepay)، التي تحولت لاحقاً إلى شركة «يونيكورن»، أي شركة ناشئة تجاوز تقييمها مليار يورو. وتقول Wohlfarth، إن من يرغب في تأسيس شركة اليوم يتمتع بظروف أفضل مما كانت عليه الحال في الماضي. أما أحدث مشاريعها، فهي شركة (Banxware)، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في توفير القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة. ومنذ تأسيس الشركة في عام 2020م، ارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وتصف Wohlfarth، الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي داخل الشركة بالقول إنه يشبه “موظفين إضافيين” يشاركون الفريق في اتخاذ القرارات، في إشارة إلى الإمكانات الجديدة التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي للشركات الناشئة.
رغم تحسن البيئة المحيطة بالشركات الناشئة، لا يزال نقص رأس المال أحد أهم العقبات أمام تأسيس الشركات وتوسيع أعمالها. لكن حتى في مجال التمويل، تحسنت الظروف بصورة ملحوظة خلال السنوات الماضية، وفقاً Mathias Ockenfels، الشريك في شركة (b2venture) المتخصصة في توفير رأس المال الاستثماري. ويشير Ockenfels، إلى أن المشهد كان مختلفاً تماماً عندما دخل مجال تمويل الشركات الناشئة قبل نحو عقدين. ففي ذلك الوقت لم يكن يوجد، على مسافة قريبة من مكتب شركته في برلين، أي صندوق استثماري آخر تقريباً. أما اليوم، فأصبح هناك عشرات الصناديق التي تستثمر مئات الملايين من اليورو وأكثر في أفكار ومشاريع تجارية جديدة.
ومع ذلك، لا تزال ألمانيا بعيدة عن مستوى الولايات المتحدة من حيث حجم رأس المال المتاح للشركات الناشئة. فوفقاً لدراسة أجراها اتحاد الشركات الناشئة، بلغ حجم الاستثمارات في الشركات الناشئة في ألمانيا 86 يورو للفرد، ما وضعها في المرتبة 13 بين أكبر 30 اقتصاداً في العالم. في المقابل، تتصدر الولايات المتحدة بفارق كبير، إذ يبلغ حجم الاستثمار 724 يورو للفرد، وهو مستوى يجعلها في فئة منفصلة عن بقية الاقتصادات الكبرى.
وعلى الرغم من التفوق الأميركي الواضح في مجال تمويل الشركات الناشئة، فإن التجربة الألمانية لا تبدو بالضرورة أقل جاذبية في جميع المجالات. وتقول Annika von Mutius، مؤسسة شركة (Empion) المتخصصة في خدمات الموارد البشرية والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، إنها عملت سابقاً في شركة ناشئة في وادي السيليكون قبل أن تؤسس شركتها الخاصة في ألمانيا عام 2022م. وتضم الشركة حالياً نحو 50 موظفاً. وترى von Mutius، أن الصورة النمطية التي تقول إن “كل شيء في ألمانيا معقد، بينما كل شيء في الولايات المتحدة سهل” ليست دقيقة. ومع ذلك، تواجه الشركات الناشئة في ألمانيا تحديات حقيقية، من بينها التعقيد الكبير في البيئة التنظيمية، ولا سيما فيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى محدودية المرونة في سوق العمل.
التبادل التجاري العربي الألماني يناير – يونيو 2026م
بلغ حجم التبادل التجاري العربي الألماني خلال الفترة من يناير إلى يونيو عام 2026م، ما قيمته ( 27,93) مليار يورو، مســــــــــجلاً إنخفاضاً بنســـــــبة 6,59- ) (في المئة مقارنة بالفترة نفســــــــها من العام الماضي 2025م، حيث إنخفضت قيمة الصادرات الألمانية الى الدول العربية خلال هذه الفترة بنســـــــــبة 5,49- ) ( في المئة لتصل قيمتها الى 18,04مليار يورو، كما إنخفضت قيمــــــــة الواردات الألمانية من الدول العربية بنســــــبة (8,52- ) في المئة ووصلت قيمتها إلى 9,89 مليار يورو. وتصدّرت المملكة العربية السعودية قائمة مستوردي السلع الألمانية من الدول العربية (4068,92 مليون يورو)، تليها دولة الإمارات العربية المتحدة (4055,73 مليون يورو)، فجمهورية مصر العربية (2311,24 مليون يورو)، في حين تصدّرت ليبيا قائمة الدول العربية المصدّرة إلى ألمانيا (2354,70 مليون يورو).
| التبادل التجاري بين ألمانيا والدول العربية يناير ـ يونيو 2026م مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025م (مليون يورو) | ||||||
| الواردات الألمانية | الصادرات الألمانية | |||||
| البلد | يناير ـ يونيو 2026م | يناير ـ يونيو 2025م | التغيير% | يناير ـ يونيو 2026م | يناير ـ يونيو 2025م | التغيير% |
| الأردن | 61,357 | 61,066 | 0,48 | 559,034 | 405,164 | 37,98 |
| الإمارات | 678,333 | 1026,459 | -33,92 | 4055,732 | 5176,458 | -21,65 |
| البحرين | 157,014 | 148,152 | 5,98 | 227,349 | 201,588 | 12,78 |
| تونس | 1770,179 | 1681,114 | 5,30 | 1200,157 | 1059,153 | 13,31 |
| الجزائر | 501,016 | 671,459 | -25,38 | 1043,145 | 1129,059 | -7,61 |
| جيبوتي | 0,396 | 0,309 | 28,16 | 8,612 | 5,313 | 62,09 |
| السعودية | 726,898 | 707,093 | 2,80 | 4068,929 | 4156,779 | -2,11 |
| السودان | 5,284 | 6,246 | -15,40 | 20,831 | 15,077 | 38,16 |
| سوريا | 35,379 | 13,463 | 162,79 | 46,119 | 20,062 | 129,88 |
| الصومال | 1,532 | 1,861 | -17,68 | 10,553 | 7,739 | 36,36 |
| العراق | 279,834 | 645,851 | -56,67 | 573,174 | 718,454 | -20,22 |
| عمان | 53,608 | 32,705 | 63,91 | 341,733 | 345,856 | -1,19 |
| فلسطين | 6,339 | 4,164 | 52,23 | 53,676 | 54,587 | -1,67 |
| قطر | 188,245 | 306,401 | -38,56 | 540,474 | 620,956 | -12,96 |
| جزر القمر | 1,26 | 0,78 | 61,54 | 1,994 | 0,49 | 306,94 |
| الكويت | 135,675 | 208,184 | -34,83 | 422,03 | 535,938 | -21,25 |
| لبنان | 26,134 | 31,052 | -15,84 | 257,801 | 275,319 | -6,36 |
| ليبيا | 2354,703 | 2544,199 | -7,45 | 287,188 | 364,073 | -21,12 |
| مصر | 963,807 | 796,597 | 20,99 | 2311,244 | 2021,661 | 14,32 |
| المغرب | 1899,113 | 1898,508 | 0,03 | 1909,902 | 1898,836 | 0,58 |
| موريتانيا | 43,652 | 26,263 | 66,21 | 69,575 | 34,311 | 102,78 |
| اليمن | 1,679 | 0,736 | 128,13 | 35,044 | 46,392 | -24,46 |
| المجموع | 9891,437 | 10812,662 | -8,52 | 18044,296 | 19093,265 | -5,49 |
- المصدر: مركز الإحصاء الاتحادي، فيزبادن