في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف داخل ألمانيا بشأن تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني في القطاعات الصناعية والتكنولوجية الحساسة، تكشف نتائج دراسة حديثة أجرتها مجلة «بلوس مينوس» الاقتصادية التابعة لشبكة البث الألمانية ARD عن صورة أكثر توازناً وتعقيداً مما ساد في النقاشات العامة خلال العقد الماضي. فبعد عشر سنوات من موجة استحواذ الشركات الصينية على عدد من الشركات والمصانع في ألمانيا والتي بلغت ذروتها عام 2016م، لا تظهر البيانات المتاحة حتى الآن دلائل على حدوث «بيع ممنهج» للتكنولوجيا الألمانية أو إضعاف واسع النطاق للشركات المستحوذ عليها، كما لا تؤكد في الوقت ذاته التوقعات المتفائلة التي راهنت على تحقيق قفزات نمو استثنائية بفضل رؤوس الأموال الصينية.

     وكان عام 2016م نقطة تحول بارزة في العلاقات الاستثمارية بين ألمانيا والصين، إذ شهد دخول مستثمرين صينيين إلى 68 شركة ألمانية عبر شراء حصص استراتيجية أو تنفيذ عمليات استحواذ كاملة. وتركزت هذه الاستثمارات بشكل خاص في قطاعات صناعة الآلات والمعدات وصناعة السيارات والهندسة الكهربائية، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري للقوة الصناعية الألمانية ومصدراً رئيسياً للتفوق التكنولوجي الذي تتمتع به البلاد عالمياً. وفي ذلك الوقت، انقسمت الآراء بين من اعتبر هذه الاستثمارات تهديداً مباشراً للسيادة التكنولوجية الألمانية، وبين من رأى فيها فرصة لتعزيز القدرة التنافسية للشركات الألمانية من خلال توفير التمويل اللازم للتوسع والوصول إلى الأسواق الآسيوية سريعة النمو.

     ولتقييم النتائج الفعلية لهذه الاستثمارات بعيداً عن الجدل السياسي والإعلامي، قامت مجلة «بلوس مينوس» بتحليل الأداء الاقتصادي لنحو خمسين شركة ألمانية تخضع لملكية أغلبية صينية، مع التركيز على مؤشرات رئيسية تشمل حجم المبيعات ومستويات التوظيف والتغيرات الاستراتيجية التي شهدتها هذه الشركات خلال السنوات اللاحقة للاستحواذ. كما شاركت مجموعة من الشركات في استطلاع تناول قضايا نقل المعرفة وأهمية المواقع الإنتاجية الألمانية ضمن استراتيجيات المالكين الجدد.

     وتشير النتائج إلى أن الشركات المشمولة بالدراسة حافظت بصورة عامة على استقرارها الاقتصادي. فبعد مرور خمس سنوات على دخول المستثمرين الصينيين، ارتفعت إيرادات هذه الشركات في المتوسط بنحو ستة في المئة مقارنة بمستوياتها في سنة الاستحواذ. وعلى الرغم من أن هذه النسبة لا تعكس نمواً استثنائياً، فإنها تدل على قدرة الشركات على المحافظة على نشاطها الاقتصادي في بيئة شهدت خلال الفترة نفسها تحديات كبيرة، من بينها جائحة كورونا واضطرابات سلاسل التوريد العالمية والتقلبات الاقتصادية الدولية.

     أما فيما يتعلق بسوق العمل، فقد أظهرت الدراسة أن المخاوف من عمليات تسريح واسعة للعمالة الألمانية لم تتحقق. صحيح أن أعداد الموظفين تراجعت خلال فترة جائحة كورونا، إلا أن هذه التراجعات كانت جزءاً من ظاهرة اقتصادية عالمية أثرت على معظم القطاعات الصناعية. ومع عودة النشاط الاقتصادي، استعادت الشركات مستويات التوظيف السابقة، بل تمكن بعضها من تجاوزها بنسب طفيفة، ما يشير إلى أن المستثمرين الصينيين لم يعتمدوا استراتيجية قائمة على نقل الإنتاج بشكل واسع إلى الخارج أو إغلاق المواقع الألمانية لصالح مواقع إنتاج منخفضة التكلفة.

     ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين الملكية الصينية وتحسن أداء الشركات. فالتطور الاقتصادي لأي مؤسسة يتأثر بعوامل متعددة تشمل أوضاع السوق العالمية، والابتكار التكنولوجي، والإدارة، والظروف الاقتصادية العامة. ومع ذلك، فإن الأرقام الحالية لا تدعم السيناريوهات التي حذرت من إفراغ الشركات الألمانية من أصولها التقنية أو تحويلها إلى مجرد مراكز تابعة للمجموعات الصناعية الصينية.

     وفيما يتعلق بالمخاوف من نقل الشركات الصينية المعرفة والتكنولوجيا الألمانية بصورة أحادية الاتجاه، وهي المخاوف التي صاحبت موجة الاستحواذات الصينية، أظهرت الدراسة نتائج مختلفة، فحوالي 70 في المئة من الشركات التي شملها الاستطلاع أكدت حدوث زيادة في نقل الخبرات التقنية إلى الصين، إلا أن أكثر من نصف هذه الشركات أوضحت في الوقت ذاته أنها استفادت أيضاً من الخبرات والمعارف التي تم تطويرها داخل الشركات الصينية الأم.

     وتشير هذه النتائج إلى أن العلاقة بين الجانبين لم تقتصر على تدفق المعرفة من ألمانيا إلى الصين، بل اتخذت في العديد من الحالات طابعاً تبادلياً، خاصة في مجالات الإدارة الرقمية، وتطوير سلاسل التوريد، والوصول إلى الأسواق الآسيوية، وتحسين العمليات الإنتاجية. ويعكس ذلك التحولات التي شهدها الاقتصاد الصيني خلال العقدين الماضيين، حيث لم تعد الصين مجرد قاعدة إنتاج منخفضة التكاليف، بل أصبحت لاعباً مهماً في مجالات التكنولوجيا والابتكار الصناعي.

     ورغم هذه التحديات، تشير نتائج الدراسة إلى أن غالبية الشركات التي انتقلت إلى ملكية صينية لا تعتبر مواقعها الإنتاجية في ألمانيا مهددة. بل إن أكثر من نصف الشركات المشاركة في الدراسة أكدت أن أهمية مواقعها الألمانية ازدادت منذ الاستحواذ، في حين رأت نحو ثلث الشركات أن هذه الأهمية بقيت مستقرة دون تغيير. ويعكس ذلك استمرار جاذبية ألمانيا كمركز صناعي متقدم يتمتع بمهارات فنية عالية وبنية تحتية متطورة وشبكات بحث وتطوير متقدمة يصعب الاستغناء عنها.