أنعقد الملتقى الاقتصادي العربي الألماني التاسع والعشرين خلال الفترة 17-19 يونيو 2026م، في العاصمة الألمانية برلين بمشاركة نحو 450 مشارك وأكثر من 85 متحدثاً من الوزراء والسفراء والخبراء ورجال الاعمال والمهتمين بالعلاقات الاقتصادية العربية الألمانية. وقد تزامن انعقاد الملتقى مع إحتفالات الغرفة بالذكرى الخمسين لتأسيسها.  وشهد الملتقى مشاركة رسمية رفيعة المستوى من الجانبين العربي والألماني حيث شارك في أعماله كل من السيدة كاترينا رايشه، وزيرة الاقتصاد والطاقة في الحكومة الاتحادية الألمانية والدكتور أحمد بن محمد السيد، وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية في دولة قطر شريكة الملتقى لهذا العام، الى جانب العديد من ممثلي الجانب الرسمي والسفراء العرب والالمان واتحادات الغرف العربية والألمانية.

في كلمته الافتتاحية، رحب أولاف هوفمان، رئيس الغرفة ورئيس مجلس إدارة شركة Dorsch Global، بإسمه ونيابة عن الأمين العام الأستاذ عبد العزيز المخلافي بالمشاركين في الملتقى وبضيوف الشرف معالي كاترينا رايشه، وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية، ومعالي الدكتور أحمد بن محمد السيد، وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية في دولة قطر. وكذلك برئيسي الغرفة الشرفيين الدكتور توماس باخ والدكتور بيتر رامزاور.

واكد هوفمان على ديناميكية وصلابة العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية، واستند في طرحه إلى خبراته الشخصية كرجل أعمال نشط في المنطقة. وأشار إلى أن هذه الشراكة ظلت مستقرة حتى في ظل أوقات تتسم بعدم اليقين الاقتصادي والتحديات الجيوسياسية العالمية، كما أنها واصلت تطورها بشكل مستمر.

وفي ظل التغيرات العميقة في سلاسل الإمداد الدولية، والتحولات التكنولوجية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، شدد على ضرورة أن تقوم الشركات بتكييف نماذج أعمالها بشكل مستمر وإعادة توجيهها استراتيجياً. كما أشار هوفمان إلى أن هناك إمكانات كبيرة غير مستغلة حتى الآن لتعميق التعاون بين الجانبين، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة والرقمنة والتنمية المستدامة.

وباعتبارها إحدى الشركات الألمانية الرائدة في مجال الهندسة والاستشارات، تنشط شركة Dorsch Global بشكل كبير في العالم العربي وتشارك في العديد من مشاريع البنية التحتية والتنمية، مما يمنحها دوراً محورياً كجسر يربط بين الأسواق الأوروبية والعربية، ويساهم في التطبيق العملي للتعاون الاقتصادي الثنائي. واختتم قائلاً: “يبدو أننا اليوم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. لذا دعونا نعمل على إعادة مواءمة اقتصاداتنا بما يخدم المصالح المشتركة للعقود الخمسة القادمة”.blank

وأكد سعادة الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني، رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر والنائب الأول لرئيس الغرفة، أهمية تعزيز العلاقات الثنائية وتحديد مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي في ظل بيئة عالمية سريعة التغير. مشدداً على انه ومن خلال مبادرات مثل رؤية قطر الوطنية 2030، التي تستند إلى الاستراتيجية التنموية طويلة الأمد تواصل قطر ترسيخ مكانتها كمركز مهم للاستثمار والتجارة والتكنولوجيا. 

كما نوه الشيخ خليفة بشكل خاص الى استراتيجية الاستثمار المزدوجة التي اتبعتها قطر لعقود والقائمة على الاستثمار المكثف في البنية التحتية والإقتصاد الوطني من جهة، ومن جهة أخرى بناء محفظة استثمارية عالمية تشمل استثمارات في قطاعات واعدة ومنها إستثمارات قطر في الشركات الألمانية وقد أسهمت هذه الاستراتيجية بشكل كبير في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمرونة المالية للدولة.blank

من جانبها أكدت كاترينا رايشه وزيرة الإقتصاد والطاقة في كلمتها الأهمية الاستراتيجية للتعاون العربي الألماني في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والقدرة على مواجهة الأزمات. وأوضحت أن مشاركتها وأي وزير إقتصاد في الملتقى لم تعد مجرد التزام بروتوكولي، بل انطلاقاً من أولوية سياسية واضحة تعكس المكانة التي توليها الحكومة الألمانية للعلاقات مع العالم العربي. وأشارت إلى أن حجم التبادل التجاري بين ألمانيا والدول العربية بلغ في عام 2025م، مستوى قياسياً تاريخياً وصل إلى 62.3 مليار يورو، وهو ما يعكس متانة هذه الشراكة وقدرتها على الصمود، كما يبرز الإمكانات الكبيرة المتاحة لمزيد من النمو رغم التحديات الإقليمية والدولية المستمرة.

وفي معرض حديثها عن التطورات الراهنة في المنطقة، أشادت بالدور الذي تؤديه عدة دول عربية في جهود خفض التصعيد وتعزيز السلام، وهذه المواقف تحظى بتقدير الحكومة الألمانية مؤكدة ادانتها للاعتداءات والهجمات الإيرانية على المنشآت الاقتصادية والاعيان المدنية، مستشهدة بالمقولة: «الصديق يُعرف وقت الضيق»، مؤكدة أن هذا المعنى يحظى بمكانة مشتركة في الثقافتين الألمانية والعربية.

وأوضحت رايشه أن القدرة على الصمود ترتكز على التنويع الاقتصادي والثقة والشراكات الموثوقة، معربة عن إعجابها بطريقة تعامل دول الخليج العربية مع الأزمة الأخيرة، ولا سيما فيما يتعلق بحماية أجوائها، وتأمين بنيتها التحتية الحيوية، وإعادة تشغيل المنشآت المتضررة بسرعة وكفاءة.

كما أشادت بدور الوساطة الذي اضطلعت به كل من قطر والمملكة العربية السعودية، إلى جانب شركاء آخرين، في خفض التصعيد العسكري وإعادة أطراف الحرب إلى طاولة الحوار بعد أشهر من الأعمال العسكرية. وفي الوقت ذاته، أعربت عن تعاطفها مع أسر ضحايا الحرب وموقف ألمانيا الواضح من حل الدولتين والإلتزام بقرارات الشرعية الدولية، مؤكدة تضامن ألمانيا مع المتضررين.

وسلطت الوزيرة الضوء على مكانة ألمانيا كشريك موثوق في المنطقة، مستعرضة عدداً من نماذج التعاون في مجالي الطاقة والبنية التحتية والتعليم. فقد استوردت شركة RWE أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال من الإمارات العربية المتحدة إلى مدينة برونسبوتل عام 2023م. كما أبرمت شركة SEFE اتفاقية طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال مع شركة ADNOC في أبو ظبي، فيما ستبدأ شركة EnBW بتلقي إمدادات مماثلة اعتباراً من عام 2028. كذلك تعمل شركة Uniper على تطوير سلاسل توريد للأمونيا الخضراء من منطقة الخليج. وأشارت إلى أن قطر ستبدأ اعتباراً من العام المقبل بتوريد نحو مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً إلى ألمانيا.

وأكدت رايشه أيضاً تزايد أهمية الاستثمارات الخليجية في ألمانيا، مشيرة إلى استثمار شركة XRG من أبو ظبي بقيمة 14.7 مليار يورو في شركة Covestro الألمانية، وهو أكبر استثمار في شركة واحدة وأحد أكبر الاستثمارات الخليجية في أوروبا. وأضافت أن وزارتها قامت بالموافقة على هذه الصفقة.

واختتمت كلمتها بالتأكيد على أهمية المبادرات الاستراتيجية الكبرى مثل ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي (IMEC)، وكذلك تعميق التعاون الأوروبي المتوسطي، باعتبارهما تجسيداً لرؤية مستقبلية تقوم على ترابط أوثق بين أوروبا والعالم العربي وآسيا. وشكرت الغرفة والأمين العام عبد العزيز المخلافي مجدداً على تنظيم الملتقى الذي أصبح منبراً للحوار العربي الألماني.

الدكتور أحمد بن محمد السيد، وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية في دولة قطر، أكد في كلمته أن العلاقات الاقتصادية القطرية الألمانية تُعد من أكثر الشراكات البينية الإقليمية تقدماً على مستوى العالم، مشيراً إلى أنه رغم ما تحقق من إنجازات كبيرة، لا تزال هناك إمكانات واسعة لتعزيز التعاون بين الجانبين. وأوضح أن أكثر من 300 شركة ألمانية تنشط حالياً في قطر، وتسهم بشكل فاعل في جهود التنويع الاقتصادي والتنمية الوطنية. وفي المقابل، أصبحت قطر أحد أكبر المستثمرين العرب والدوليين في ألمانيا، وهو ما يعكس الثقة القوية في متانة الاقتصاد الألماني وقدرته على الصمود.

وأشار إلى أن الشراكة بين البلدين تعمقت من خلال العديد من الاتفاقيات والمبادرات التي تهدف إلى تسهيل الاستثمارات، وتعزيز التجارة، وتوسيع التعاون بين الشركات. كما أولى اهتماماً خاصاً بمجالات الابتكار والتقنيات المستقبلية، مستشهداً بمعهد ابتكارات التكنولوجيا العميقة (Deep Technology Innovation Institute)، ومختبر الابتكار الإبداعي في الدوحة (Creative Innovation Lab)، إضافة إلى مركز الذكاء الاصطناعي المزمع إنشاؤه، والتي تهدف جميعها إلى تعزيز إقتصاد المعرفة في قطر وتعزيز التبادل والتكامل بين منظومات الابتكار مع ألمانيا ومختلف دول العالم.

كما استعرض الدكتور أحمد بن محمد السيد برنامج التحول الاقتصادي الشامل لدولة قطر في إطار «رؤية قطر الوطنية 2030»، التي تستهدف بناء اقتصاد متنوع وتنافسي قائم على المعرفة. وأوضح أن الابتكار والاستدامة، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير البنية التحتية الحديثة وتعزيز الترابط العالمي، تمثل الركائز الأساسية لهذه الرؤية الطموحة.blank

من جانبها أكدت سعادة زهور العلوي، سفيرة المملكة المغربية وعميدة السلك الدبلوماسي العربي، أهمية الحوار والعمل الفاعل في ظل نظام عالمي يشهد تحولات متسارعة. وأشارت إلى أن الدول العربية وألمانيا مطالبتان بالمساهمة النشطة في تشكيل التطورات الاقتصادية العالمية، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل معها أو الاستجابة لها. وقالت:”يشهد النظام الاقتصادي الدولي تحولًا عميقًا. وفي هذه البيئة المضطربة، لا تستطيع الدول العربية وألمانيا أن تكتفيا بدور المتفرج. فكلاهما يتأثر بشكل مباشر بهذه التحولات، ويواجهان معًا تحديات كبيرة، إلى جانب فرص واعدة لا ينبغي التفريط فيها”.

ودعت إلى ترجمة الإمكانيات والفرص الواعدة بصورة منهجية إلى مشاريع واستثمارات ملموسة على أرض الواقع. كما شددت على أن تصاعد المنافسة الدولية على بناء الشراكات الاستراتيجية يجعل من المرحلة الحالية توقيتاً مناسباً لاتخاذ خطوات حاسمة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول العربية وألمانيا، مؤكدة أن “الوقت مورد لا يمكننا تحمل إهداره بعد الآن”.blank

واختتم الجلسة الافتتاحية الدكتور فولكر تراير، الرئيس التنفيذي للتجارة الخارجية في اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية (DIHK)، حيث أشار إلى الدلالة الرمزية الخاصة للاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية، مؤكداً الدور المحوري الذي تقوم به لخدمة العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية في بناء شراكات طويلة الأمد.

وأوضح أن غرف الصناعة والتجارة الألمانية تتمتع بحضور دولي قوي من خلال 79 غرفة صناعة وتجارة داخل ألمانيا ونحو 150 مكتباً وممثلاً لها حول العالم. كما أشار إلى أن أول غرفة تجارة ألمانية خارجية في المنطقة العربية أُسست في مصر عام 1951م، ما شكل الأساس للتعاون الاقتصادي الواسع القائم اليوم. وشدد تراير على أن التعاون الاقتصادي يرتكز في جوهره على الثقة المتبادلة بين الأفراد والمجتمعات، مبيناً أن مهمة الغرفة تتمثل في بناء العلاقات والشراكات والحفاظ عليها على المدى الطويل، ولا سيما في الفترات التي تشهد تحديات اقتصادية أو سياسية.

كما استعرض شبكة غرف التجارة الألمانية الخارجية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأثنى على الشراكة القائمة بين اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية (DIHK) وغرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية لتعزيز وتطوير التجارة والاستثمار والتعاون بين ألمانيا والدول العربية.blank

وأقامت الغرفة مساء 17 يونيو حفل استقبال للمشاركين في الملتقى في (China Club) ببرلين، حيث ألقى الدكتور بيتر رامزاور، الرئيس الفخري للغرفة، كلمة رحب فيها بالوفود المشاركة، مؤكداً أن الغرفة أصبحت على مدى عقود منصة مؤسسية رائدة لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين الدول العربية وألمانيا وبناء جسور التواصل بين مجتمعَي الأعمال في الجانبين خلال الخمسين عاماً الماضية. وأشاد بالنجاحات التي حققتها الغرفة واستمرارية دورها في دعم الحوار الاقتصادي وتوسيع فرص الاستثمار والتجارة، معتبراً أن انعقاد الملتقى الاقتصادي العربي الألماني للدورة التاسعة والعشرين دون انقطاع يجسد نموذجاً للاستدامة المؤسسية والثقة المتبادلة التي رسختها الغرفة، ويعكس الأهمية المتزايدة للعلاقات الاقتصادية العربية الألمانية بوصفها ركيزة للتعاون والتنمية والمصالح المشتركة في ظل المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.blank

كما اقامت الغرفة حفل عشاء على شرف المشاركين في الملتقى يوم 18 يونيو، القى فيها الدكتور توماس باخ، الرئيس الفخري للغرفة، والرئيس الفخري للجنة الأولمبية الدولية، الكلمة الرئيسية والتي أكد فيها على الأهمية المتزايدة للعلاقات الإقتصادية العربية الألمانية، ولا سيما في ظل المتغيرات الجيوسياسية والإقتصادية التي يشهدها العالم اليوم. وأوضح أن الشراكة الوثيقة بين الجانبين، القائمة على الثقة والحوار والتعاون طويل الأمد، تمثل ركيزة أساسية لمواجهة التحديات المشتركة وإغتنام الفرص الإقتصادية والإستثمارية المستقبلية.

واستهل الدكتور باخ كلمته بالإشادة بتوجه الغرفة نحو منح الشباب والمرأة دوراً أكبر في رسم مستقبل العلاقات الإقتصادية العربية الألمانية، مؤكداً أن إشراك الأجيال الجديدة وتمكين المرأة يمثلان عنصرين أساسيين لضمان إستدامة هذه الشراكة وتعزيزها في العقود المقبلة. كما أشاد بالموضوعات التي تناولها المنتدى هذا العام، مؤكداً أنها عكست أبرز القضايا والتحديات الراهنة، وأسهمت في إثراء الحوار من خلال نقاشات رفيعة المستوى قدمت رؤى قيّمة لتعزيز التعاون الإقتصادي العربي الألماني.

وأشار الدكتور باخ إلى الفيلم الوثائقي الذي أستعرض أبرز محطات الخمسين عاماً الماضية من مسيرة الغرفة، مؤكداً أن الصور التي تضمنها جسّدت شخصيات بارزة أسهمت، على مر العقود، في ترسيخ وإزدهار العلاقات الإقتصادية العربية الألمانية، سواء ممن رحلوا أو ممن يواصلون عطائهم حتى اليوم، وأن لكل منهم بصمته المميزة في هذه المسيرة. كما أثنى على الإنجازات التي حققتها الغرفة على مدى خمسة عقود، مشيداً بجهود الأمين العام، الأستاذ عبد العزيز المخلافي، وفريق العمل، وما بذلوه من جهود في تطوير أنشطة الغرفة وتعزيز مكانتها، مؤكداً أنه لمس بنفسه، من خلال مشاركته في الملتقى في الماضي، التطور المستمر في مستوى التنظيم، وإتساع المشاركة، والمكانة المتنامية التي بات يتمتع بها الملتقى.

كما أشاد برئيس الغرفة الحالي، السيد أولاف هوفمان، متمنياً له التوفيق في قيادة مسيرة الغرفة، وأشاد بالرئيس الفخري للغرفة، الدكتور بيتر رامزاور، تقديراً لدوره البارز في تعزيز مكانة الغرفة وترسيخ العلاقات السياسية والاقتصادية العربية الألمانية خلال سنوات رئاسته. كذلك أثنى على معالي السيد علي الغانم، الرئيس الفخري للغرفة ونائب رئيسها لسنوات عديدة، مثمناً دعمه المتواصل وإسهاماته القيّمة في مسيرة الغرفة وتعزيز العلاقات الاقتصادية العربية الألمانية

وأختتم الدكتور باخ كلمته بالتأكيد على أن ما تشهده المنطقة والعالم من تطورات جيوسياسية وتحديات متسارعة يجعل من الحوار والتعاون الإقتصادي أكثر أهمية من أي وقت مضى. وأعرب عن ثقته بأن الإرث الذي بنته غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية على مدى خمسين عاماً، وما رسخته من جسور للثقة والشراكة بين الجانبين، سيشكل أساساً متيناً لمواصلة تعزيز العلاقات العربية الألمانية. كما أكد أن الملتقى سيظل منصةً رائدة تجمع صناع القرار وقادة الأعمال والمؤسسات من أجل صياغة حلول مشتركة، وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص للتنمية المستدامة والإزدهار بما يخدم مصالح الجانبين.blank

وعلاوة على حفل الإستقبال وحفل العشاء الرسميين والإفتتاح الرسمي شهدت اعمال الملتقى انعقاد تسع جلسات حوارية رئيسية بالإضافة ست جلسات حوار مائدة مستديرة. حيث افتُتِح الملتقى الاقتصادي العربي-الألماني لهذا العام بجلسة خاصة، والتي تم تنظيمها بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، حملت عنوان (من التعافي إلى التحول: إمكانات القطاع الخاص لتحقيق التنمية الصناعية المستدامة في المنطقة العربية)،  والتي ادارها الأستاذ الدكتور خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية وتحدث فيها كل من: سعادة السيد فايز خوري، سفير المملكة الأردنية الهاشمية، السيدة جولي ماري جيكله، أخصائية الابتكار وسلاسل التوريد في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، السيد ديفيد شميد، مستشار لدى UNIDO-GIZ ومحفّز للشراكات في الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، السيدة إيفا شتاينهاوس، الممثلة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان لدى أويلر هيرميس لضمانات ائتمان الصادرات التابعة لجمهورية ألمانيا الاتحادية

تناولت الجلسة التحديات والفرص المرتبطة بالتعافي وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة في المنطقة العربية. وأشار الدكتور خالد حنفي أن «العالم العربي» لا ينبغي النظر إليه ككيان متجانس، بل يضم 22 اقتصاداً متنوعاً تختلف احتياجاتها التنموية من دولة إلى أخرى. كما سلط الضوء على الدور المحوري للقطاع الخاص، الذي يساهم بنحو 65 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العربي وفرص العمل، داعياً إلى تبني نهج تنموي أوسع يتجاوز مجرد تحقيق النمو الاقتصادي ليشمل سلاسل التوريد والابتكار والذكاء الاصطناعي.

من جانبه، شدد سعادة السفير فايز خوري، سفير المملكة الأردنية الهاشمية، على أن التعافي يمثل الأولوية الأساسية للمنطقة بعد الأزمات التي شهدتها في السنوات الأخيرة. وأوضح أنه رغم ضخامة احتياجات إعادة الإعمار في كل من سوريا وقطاع غزة والسودان ولبنان، فإن التمويل لا يشكل العقبة الرئيسية. فالتحدي الحقيقي يكمن في إنشاء منصات فعالة قادرة على توجيه رؤوس الأموال المتاحة من الصناديق العربية والشركات والمؤسسات الأوروبية نحو مشاريع قابلة للتنفيذ. كما قدم الأردن بوصفه مركزاً إقليمياً للاستثمار وإعادة الإعمار، مستنداً إلى ما يتمتع به من استقرار وحوافز استثمارية وكفاءات بشرية وبنية تحتية لوجستية متطورة. وأشار كذلك إلى مؤتمر الاستثمار المرتقب بين الاتحاد الأوروبي والأردن، داعياً المستثمرين الدوليين إلى الانخراط المبكر في هذه الفرص.

بدورها، أكدت جولي ماري جيكله، أخصائية الابتكار وسلاسل التوريد في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، أن التعافي يجب ألا يقتصر على المساعدات الطارئة، بل ينبغي أن يقود إلى تحول صناعي طويل الأمد. وأوضحت أن المنظمة تجمع بين دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية الصناعية، مع التركيز على دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وآليات الحد من المخاطر، وبرامج جذب الاستثمارات. كما أشارت إلى الأردن كنموذج ناجح في قطاعات مثل الطاقة المتجددة والأسمدة، مع التأكيد على أن القدرات المؤسسية لا تزال تشكل عاملاً حاسماً في استيعاب الاستثمارات وتوظيفها بكفاءة.

من جهته، استعرض ديفيد شميد، مستشار UNIDO-GIZ، أوجه التعاون المتنامي بين المؤسستين في إطار مذكرة تفاهم جديدة تهدف إلى تسريع التحول الأخضر، بما في ذلك تنفيذ مشاريع مثل الأمونيا الخضراء. وأكد أهمية بناء الثقة وتوفير بيئة تتسم بالاستقرار وقابلية التنبؤ على المدى الطويل، إضافة إلى تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما أشار إلى خطط الوكالة لزيادة حضورها في سوريا مستقبلاً، وقدم العراق مثالاً إيجابياً في مجال تطوير قدرات الشركات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز جاهزيتها لجذب الاستثمارات.

أما إيفا شتاينهاوس، الممثلة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان لدى أويلر هيرميس، فقد أوضحت الدور الذي تؤديه ضمانات ائتمان الصادرات في جعل البيئات الاستثمارية عالية المخاطر أكثر جاذبية للمستثمرين، من خلال تقاسم المخاطر بين المصدرين والبنوك والحكومات. وحددت قطاعات المياه والنقل والتصنيع باعتبارها من أبرز المجالات الواعدة للاستثمار بمجرد توفير الهياكل التمويلية المناسبة. كما أشارت إلى العراق كنموذج ناجح للمعاملات المدعومة بالضمانات الائتمانية، معتبرة أن تطبيق نماذج مماثلة قد يكون ممكناً في سوريا وفي مختلف أنحاء المنطقة.

وقد خصص الملتقى الجلسة الاولي لدولة قطر شريك الملتقى لهذا العام بعنوان (دولة الشريك قطر – التعامل مع التحولات العالمية: الاستثمار والابتكار والتعاون الاستراتيجي في أوقات عدم اليقين) وادار الجلسة السيد أولاف هوفمان، رئيس الغرفة ورئيس مجلس إدارة Dorsch Global، وتحدث فيها كل من: السيد محمد بن أحمد العبيدلي، عضو مجلس إدارة غرفة قطر، السيد منصور بن راشد الخاطر، الرئيس التنفيذي لـ مركز قطر للمال، السيد هاكان أوزدمير، الرئيس التنفيذي لشركة Siemens WLL Qatar، السيد فيليكس نوغارت، الرئيس التنفيذي لـ NRW.Global Business، السيد يانيك هونيكه، عضو مجلس الإدارة في Deutsche Beteiligungs AG.

وقد تناولت الجلسة الأولى دور دولة قطر كشريك استراتيجي لألمانيا في ظل تنامي حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي على المستوى العالمي. وتركزت المناقشات حول فرص الاستثمار، وبيئات الابتكار، والتعاون التكنولوجي، ومستقبل العلاقات الاقتصادية القطرية الألمانية. أكد هوفمان الأهمية المتزايدة لقطر كشريك اقتصادي إقليمي وعالمي في وقت تشهد فيه الأسواق الدولية مزيداً من التشرذم، وتزداد فيه الحاجة إلى شراكات مرنة ومستدامة أكثر من أي وقت مضى.

وسلط محمد بن أحمد العبيدلي، عضو مجلس إدارة غرفة قطر، الضوء على قوة العلاقات الاقتصادية بين قطر وألمانيا، مشيراً إلى استمرار نمو التبادل التجاري بين البلدين، في حين تنشط أكثر من 300 شركة ألمانية في السوق القطرية. وأوضح أن قطر تطورت من اقتصاد يعتمد على تصدير رؤوس الأموال إلى شريك استثماري استراتيجي يسعى إلى بناء علاقات أعمال طويلة الأمد ومستدامة. وأضاف أن غرفة قطر، في ظل وجود مجتمع شاب وتركيز قوي على الابتكار، باتت تؤدي دور الحاضنة والميسّر والداعم لريادة الأعمال والنمو القائم على التكنولوجيا.

من جانبه، قدم منصور بن راشد الخاطر، الرئيس التنفيذي لمركز قطر للمال، قطر باعتبارها وجهة جاذبة للمستثمرين الدوليين. وأكد أن الموقع الجغرافي المتميز للدولة، إلى جانب متانة أسسها الاقتصادية وبيئتها الاستثمارية المتكاملة، يمنحها مزايا تنافسية كبيرة. وأوضح أن المركز لا يقتصر دوره على توفير الأطر التنظيمية، بل يقدم دعماً عملياً للمستثمرين يشمل تسجيل الشركات وتسهيل الحصول على التأشيرات والخدمات المصرفية، بما يتيح للشركات تأسيس وجود طويل الأمد في قطر. كما استعرض الإصلاحات المستمرة وتطور منظومة الشركات الناشئة والاستثمارات الكبيرة في القطاعات المستقبلية مثل التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الحوسبة السحابية، والبنية التحتية الرقمية.

فيما استعرض هاكان أوزدمير، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنس قطر، كيف أصبحت قطر نموذجاً بارزاً للابتكار التكنولوجي والمرونة الاقتصادية. واستناداً إلى الحضور الممتد لشركة سيمنس في المنطقة لأكثر من قرن، أشار إلى العديد من مشاريع التعاون الناجحة في مجالات كفاءة الطاقة، والبنية التحتية الذكية، والمرافق العامة، وإدارة المطارات، والفعاليات الكبرى مثل كأس العالم FIFA قطر 2022. ووفقاً لأوزدمير، أصبحت قطر بشكل متزايد ساحة لاختبار الحلول التقنية التي يجري لاحقاً تصديرها إلى الأسواق العالمية.

وكان الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في مداخلة أوزدمير، حيث أوضح أن هذه التكنولوجيا توفر إمكانات كبيرة لرفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة التشغيلية، لكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى زيادة متسارعة في الطلب على الطاقة. وهذا يستدعي، بحسب رأيه، تطوير منظومات صناعية متكاملة تتطور فيها الابتكارات الرقمية والبنية التحتية للطاقة والتطبيقات الصناعية بصورة متزامنة.

من جانبه أكد فيليكس نوغارت، الرئيس التنفيذي لـ NRW.Global Business، أهمية الانتقال من الزيارات والبعثات التجارية المتفرقة إلى أشكال أكثر تنظيماً وديناميكية من التعاون. وأشار الى ان ولاية شمال الراين – وستفاليا بأنها واحدة من أكبر المناطق الاقتصادية في أوروبا وشريك طبيعي لدول الخليج، خاصة في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار الصناعي.

وأشار نوغارت إلى أن قوة الاقتصاد الألماني تكمن في الشركات المتوسطة والصغيرة الحجم وما يعرف بـ«الأبطال الخفيين» الذين يتصدرون قطاعات تخصصية عالمية، وكثير منهم يتمركزون في ولاية شمال الراين – وستفاليا. لكنه لفت إلى أن هذه الشركات لا تزال غير مرتبطة بما يكفي بشبكات الابتكار الدولية. ولذلك دعا إلى إنشاء منصات متخصصة تجمع بين الشركات والمؤسسات البحثية والمستثمرين. واستشهد بمنظومة البحث العلمي المحيطة بـ مركز أبحاث يوليش، الذي يعد أحد أبرز مراكز الحوسبة الفائقة والابتكار في أوروبا.

وركز يانيك هونيكه، عضو مجلس الإدارة في شركة Deutsche Beteiligungs AG، على الفرص الاستثمارية المتاحة في قطاع الشركات المتوسطة الألمانية. وأوضح أنه رغم معرفة المستثمرين الدوليين بالشركات الألمانية الكبرى المدرجة في البورصة، فإن القوة الحقيقية للاقتصاد الألماني تكمن في الشركات المتوسطة عالية التخصص.

وأشار إلى وجود فرص واعدة في القطاعات التي تستفيد من الاتجاهات الهيكلية طويلة الأجل، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة، وشبكات الكهرباء، والصناعات الدفاعية، والرعاية الصحية، والتقنيات الرقمية. وأكد أن نجاح تدفقات الاستثمار يتطلب شراكات محلية قوية، وقرباً من الأسواق، وفهماً أعمق لبيئة الشركات المتوسطة الألمانية. كما اعتبر أن التفوق الألماني في الهندسة والتطبيقات الصناعية للذكاء الاصطناعي يمثل مجالاً واعداً للتعاون المستقبلي مع قطر.

وأجمع المتحدثون خلال الجلسة على أن التعاون العربي الألماني ينبغي أن يركز بصورة متزايدة على التنفيذ العملي وتحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس. فبينما تظل الحوارات السياسية والوفود الاقتصادية أدوات مهمة، فإن النجاح المستقبلي سيعتمد على إنشاء منصات مؤسسية قادرة على تسهيل الاستثمارات والابتكار والتعاون البحثي ونقل التكنولوجيا.

واختُتمت الجلسة بنقاش حول تنمية رأس المال البشري. ورداً على سؤال بشأن دمج القطريين في الشركات والجامعات الألمانية، أكد محمد بن أحمد العبيدلي اهتمام قطر بتوسيع برامج التبادل التعليمي والمهني. واتفق المشاركون على أن العلاقات الإنسانية، وتطوير المواهب، ونقل المعرفة، ستشكل ركائز أساسية للمرحلة المقبلة من التعاون الألماني القطري.

وجاءت الجلسة الثانية من الملتقى بعنوان (الذكاء في حركة دائمة: الذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير والصناعة 5.0 كمحركات للمرونة والتكيف والاستقرار الاقتصادي)، وادار الجلسة ديتمار زيرسدورفر، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة nVERIX Strategic Advisory Consulting.

فيما تحدث فيها كل من: السيد خالد المانع، نائب رئيس تطوير الأعمال والمدير التنفيذي لـ «صادرات قطر» في بنك قطر للتنمية، السيد علاء جابر، المدير العام لشركة SAP في قطر والأسواق سريعة النمو، الأستاذ الدكتور علاء الدين الحلحولي، رئيس الجامعة الألمانية الأردنية، الأستاذ الدكتور شاهين ألبيرق، مؤسس ورئيس مركز الذكاء الاصطناعي الملموس والرقمنة في جامعة برلين التقنية، السيد يوناس ميخائيليس، مسؤول استثمارات التكنولوجيا في Qvadrat GmbH ومؤسس شركة نوبورا.

وقد أكد الأستاذ الدكتور شاهين ألبيرق، مؤسس ورئيس مركز الذكاء الاصطناعي الملموس والرقمنة (ZEKI)، أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة استراتيجية للتحول الصناعي. واستعرض عدداً من المشاريع الجارية في ألمانيا، بما في ذلك مبادرات واسعة النطاق للتنقل الرقمي وتطبيقات القيادة الذاتية، مشدداً على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في توسيع نطاق الابتكار.

وكان من أبرز المحاور التي تناولها الدكتور ألبيرق ضرورة استقطاب المواهب العالمية وبناء منظومات بحثية مترابطة دولياً. وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعية المتقدمة تُستخدم بالفعل من قبل شركات صناعة السيارات الكبرى مثل BMW وMercedes-Benz، مؤكداً أن القدرة التنافسية المستقبلية تعتمد على الانفتاح والتعاون العابر للحدود وتعزيز الروابط بين الجامعات والصناعة والحكومات.

واستعرض خالد المانع، نائب رئيس تطوير الأعمال والمدير التنفيذي لـ«صادرات قطر» في بنك قطر للتنمية، استراتيجية قطر الرامية إلى ترسيخ مكانتها كمركز للابتكار والنمو القائم على التصدير. وسلط الضوء على مبادرات مثل «ستارت أب قطر» والبرامج الحكومية الأوسع المصممة لاستقطاب الشركات الدولية ومساعدتها على التوسع. وأكد أن الذكاء الاصطناعي يسرّع وتيرة المنافسة والابتكار، ليس فقط بين الشركات الناشئة، بل أيضاً بين الشركات القائمة التي تسعى إلى تحديث نماذج أعمالها. وأوضح أن نجاح منظومات الابتكار يعتمد على مجموعة من المعايير الأساسية، تشمل قابلية التوسع، وتحقيق قيمة اقتصادية ملموسة، والانسجام مع الأولويات الوطنية، ومراعاة الظروف المحلية مثل توافر الطاقة وقدرات البنية التحتية.

وشدد علاء جابر، المدير العام لشركة SAP في قطر والأسواق سريعة النمو، على أن الذكاء الاصطناعي لا يحقق قيمة حقيقية إلا عندما يُدمج بالكامل في العمليات الأساسية للمؤسسات. وأشار إلى أن المشاريع التجريبية المنفصلة غالباً ما تفشل إذا لم ترتبط بشكل مباشر بالتحديات التشغيلية وتجربة العملاء والمسؤوليات الإدارية الواضحة داخل الشركات. وحدد أربعة عوامل رئيسية لنجاح تبني الذكاء الاصطناعي: دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات التجارية الفعلية ومعالجة التحديات التشغيلية الحقيقية وتحقيق تحسين ملموس في تجربة العملاء وتحديد مسؤوليات واضحة عن النتائج داخل المؤسسة واخيراً الاعتماد على بيانات عالية الجودة وموثوقة ومنظمة.

كما أوضح أن التحول الرقمي لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يتطلب أيضاً تغييراً ثقافياً داخل المؤسسات، وإدارة مقاومة التغيير، والاستثمار في تأهيل القوى العاملة للتكيف مع المتطلبات الجديدة.

من جانبه قدم البروفيسور الدكتور علاء الدين الحلحولي، رئيس الجامعة الألمانية الأردنية، الجامعة كنموذج ناجح لربط التعليم الأكاديمي باحتياجات الصناعة. وأشار إلى النتائج الإيجابية التي حققها خريجو الجامعة في سوق العمل، وإلى الشراكات الممتدة التي تجمعها بالمؤسسات الأكاديمية والصناعية الألمانية. ومن خلال مبادرات مثل برنامج الشراكات بين البحوث التكنولوجية والصناعة (TRIP)، تمكنت الجامعة من تخريج أكثر من 10 آلاف طالب وإنشاء مسارات منظمة للتوظيف في الأردن ودول الخليج وألمانيا. وأكد الحلحولي أن الجامعات يجب أن تتجاوز دورها التقليدي كمؤسسات تعليمية لتصبح منصات للابتكار وحاضنات لرواد الأعمال المستقبليين.

كما ركز يوناس ميخائيليس، مسؤول استثمارات التكنولوجيا في شركة Qvadrat GmbH ومؤسس نوبورا، على أهمية تطبيق الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل الحقيقية مثل قطاع العقارات والعمليات الصناعية. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية مستقلة، بل يمثل تحولاً شاملاً في سير العمل وآليات اتخاذ القرار. وأشار إلى أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي يعتمد بدرجة كبيرة على مستوى النضج المؤسسي وقدرة الشركات على تحويل التكنولوجيا إلى نماذج أعمال قابلة للتوسع. وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الشركات الكبرى على تبني هياكل عمل أكثر مرونة تشبه تلك المعتمدة في الشركات الناشئة.

وحملت الجلسة الثالثة من الملتقى عنوان (إعادة بناء دور الدولة: مسارات إعادة الإعمار والتنمية المستدامة – دور الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والشراكات الدولية). وقد ادار الجلسة الدكتور كيلان بالز، شريك في مكتب Amereller للمحاماة. فيما كان المتحدثون: السيدة روضة إبراهيم النعيمي، مديرة الاستثمار في صندوق قطر للتنمية، السيد هلموت فون شتروفي، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنس في الإمارات والشرق الأوسط، السيد تامر شفيق، نائب الرئيس لتطوير الأعمال في شركة أوراسكوم للإنشاءات، السيد ألكسندر دول، رئيس CVC DIF والرئيس المالي السابق لشركة Deutsche Bahn AG، السيدة جولي فيلر، مسؤولة القروض ورئيسة ملف فلسطين في بنك الاستثمار الأوروبي (EIB).

أكد هلموت فون شتروفي، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنس في الإمارات والشرق الأوسط، أن توفير الطاقة بشكل موثوق يُعد نقطة البداية لأي عملية تعافٍ، إذ يتيح توفير المياه، وإعادة تأهيل القطاع الصناعي، وتنشيط النشاط الاقتصادي بشكل عام. كما أبرز دور حلول البنية التحتية الذكية، بما في ذلك الشبكات الذكية وأنظمة القياس الذكية، باعتبارها عوامل تمكينية أساسية لعمليات إعادة الإعمار الحديثة.

وبالمثل، شدد تامر شفيق، نائب الرئيس لتطوير الأعمال في شركة أوراسكوم للإنشاءات، على خبرة الشركة الواسعة في مشاريع إعادة الإعمار واسعة النطاق في العراق وأفغانستان ومصر، وغالباً بالشراكة مع مزودي التكنولوجيا مثل سيمنس. وأكد أن إعادة الإعمار لا تقتصر على إنشاء الأصول فقط، بل تتطلب أيضاً قدرة طويلة الأمد على التشغيل والصيانة.

من جانبها أكدت السيدة روضة إبراهيم النعيمي، مديرة الاستثمار في صندوق قطر للتنمية، أن التحدي الجوهري في البيئات الهشة يتمثل في جعل المشاريع «قابلة للتمويل». فإلى جانب إعادة بناء الأصول المادية، يجب أن تحقق مشاريع إعادة الإعمار فرص عمل، وآثاراً اقتصادية مضاعفة، وتأثيراً تنموياً طويل الأمد. كما أبرزت أهمية آليات تقاسم المخاطر، والضمانات، والتمويل التحفيزي لجذب مشاركة القطاع الخاص، خاصة في البيئات عالية المخاطر مثل سوريا وفلسطين.

وتناولت جولي فيلر، مسؤولة القروض ورئيسة ملف فلسطين في بنك الاستثمار الأوروبي، دور مؤسسات تمويل التنمية في سد الفجوة بين الأولويات العامة وقدرات القطاع الخاص. وأكدت أن مؤسسات مثل بنك الاستثمار الأوروبي، بفضل تصنيفاتها الائتمانية القوية وولاياتها طويلة الأجل، قادرة على توفير تمويل ميسر ومساعدة فنية لتقليل مخاطر المشاريع. وأشارت إلى أمثلة مثل مشاريع تحلية المياه بنماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) في الأردن، حيث يتم دمج التمويل العام مع التنفيذ الخاص لخلق هياكل استثمارية قابلة للتنفيذ.

وقد أكد المتحدثون خلال النقاش أن نجاح إعادة الإعمار يعتمد على وجود آليات منظمة لتقاسم المخاطر بين الحكومات، والبنوك التنموية، والمستثمرين من القطاع الخاص. وشددت النعيمي على ضرورة إعادة بناء الثقة في البيئات الخارجة من النزاعات، وتصميم أطر توفر الضمانات وتقلل من عدم اليقين لدى المستثمرين.

كما أوضح كل من شفيق وفون شتروفي أن نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) ضرورية لكنها لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي في العديد من المناطق. ورغم قدرتها على تعبئة رأس المال والخبرات، فإنها تتطلب أطر تنظيمية واضحة وتوقعات واقعية للعوائد، خاصة في القطاعات ذات القدرة المحدودة على توليد الإيرادات.

وشدد ألكسندر دول، رئيس CVC DIF والرئيس المالي السابق لشركة Deutsche Bahn AG، على أن الاستثمار في البنية التحتية طويل الأجل بطبيعته، وغالباً لا يحظى بالاهتمام السياسي إلا عند عدم فاعلية الأنظمة. وأكد أن جذب رؤوس الأموال المؤسسية الخاصة يتطلب تحديداً واضحاً لدرجة تحمل المخاطر من قبل الحكومات، إضافة إلى أطر تنظيمية مستقرة وقابلة للتنبؤ. ونظراً لحجم الاستثمارات المطلوبة، أشار أيضاً إلى أهمية وكالات ائتمان الصادرات والمؤسسات المالية متعددة الأطراف باعتبارها عناصر أساسية في تمكين هيكلة المشاريع الكبرى وتقليل مخاطرها.

اما الجلسة الرابعة فقد ناقشت موضوع (ممرات التجارة المرنة: دمج سلاسل الإمداد اللوجستية والمناطق الحرة وكفاءة أداء المرافق العامة على ضوء التحديات الجيوسياسية). وادار الجلسة د. فيليب شتومبفه، المحامٍ في مكتب Stompfe للمحاماة الدولية، وشملت قائمة المتحدثين كل من: الشيخ عبد الرحمن بن فهد آل ثاني، كبير شركاء تطوير الأعمال في المنطقة الحرة في قطر، السيد ماركو نيلسن، الرئيس التنفيذي للمجموعة في QTerminals، أ.د. خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، د. نيلس كِمّه، المدير الإداري في شركة  HPC Hamburg Port Consulting GmbH، السيد توبياس ماير، الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في شركة  DHL Global Forwarding، السيد كريم الحامد، رئيس الاستراتيجية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في Siemens Mobility GmbH.

أوضح الشيخ عبد الرحمن بن فهد آل ثاني، كبير شركاء تطوير الأعمال في المنطقة الحرة في قطر، استراتيجية قطر الرامية إلى ترسيخ مكانتها كمركز تنافسي في مجالي اللوجستيات والصناعة من خلال منصات استثمارية متنوعة وأطر تنظيمية مبسطة. وتشغّل قطر عدة مناطق حرة، بما في ذلك مناطق في الموانئ الجوية والبحرية، بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر حوافز ضريبية، وإجراءات ترخيص سريعة، وخدمات مخصصة للمستثمرين.

وأكد أن تعزيز المرونة في التجارة العالمية يتطلب التكيّف مع الاضطرابات بدلاً من مجرد الاستجابة لها. وفي هذا السياق، تعمل قطر بنشاط على بناء قدرات احتياطية عبر ممرات تجارية متعددة وتشجيع نقل جزء من التصنيع إلى الدول الأقرب للأسواق (Near-shoring). ومع انخفاض نسبي في تكاليف الطاقة والأراضي، توفر قطر مزايا تنافسية للإنتاج الصناعي وإعادة التصدير، لا سيما للمصنعين الأوروبيين الساعين إلى تنويع سلاسل الإمداد.

من جانبه أشار ماركو نيلسن، الرئيس التنفيذي للمجموعة في QTerminals، أن المرونة أصبحت ضرورة هيكلية متزايدة وليست خياراً استراتيجياً فقط. وقد أظهرت الاضطرابات الأخيرة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا، والتوترات في منطقة البحر الأحمر، والمخاطر في مضيق هرمز، هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.

وأوضح أن مستقبل الخدمات اللوجستية يعتمد على المرونة التشغيلية، وإمكانية إعادة توجيه المسارات، وتنويع الممرات التجارية. وبينما يمكن إدارة بعض الاضطرابات (مثل إعادة التوجيه حول باب المندب)، فإن نقاط الضغط الناشئة في طرق التجارة بين آسيا وأوروبا تؤكد الحاجة إلى استثمارات جديدة في البنية التحتية، بما في ذلك ربط شبكات السكك الحديدية بين دول مجلس التعاون الخليجي. كما أشار إلى أهمية الاستفادة من قدرة منطقة الشرق الأوسط على التكيف السريع مع الأزمات.

من جانبه اعتبر أ.د. خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، ان هناك تحولاً عالمياً نحو “الصداقة في التوريد” (Friend-shoring)، وتقريب الإنتاج من الأسواق (Near-shoring)، وأنظمة التجارة متعددة الممرات. وأكد أن النموذج الخطي التقليدي للتجارة العالمية يتم استبداله بشبكات لوجستية مترابطة توفر المرونة والازدواجية. وأبرز الأولويات المستقبلية، ومنها: الاستثمار في بنية تحتية عابرة للحدود لتعزيز الربط، تطوير مسارات بديلة وتخطيط لوجستي قائم على السيناريوهات، توسيع منصات التجارة الرقمية وأنظمة الجمارك الذكية، دمج الاستدامة واللوجستيات الخضراء، الانتقال نحو هيكل تجارة عالمي أكثر تفتتاً لكنه مترابط في الوقت نفسه

فيما أشار د. نيلس كِمّه، المدير الإداري في HPC Hamburg Port Consulting GmbH، إلى أهمية دمج وسائل النقل والأنظمة الرقمية عبر المناطق. ورغم امتلاك دول مجلس التعاون الخليجي لبنية تحتية قوية في الموانئ، فإن شبكات السكك الحديدية واللوجستيات الداخلية لا تزال أقل تطوراً مقارنة بأوروبا. وأكد أن التكامل الإقليمي ومراعاة الظروف المحلية والإقليمية، وليس تقليد النماذج الأجنبية، هو الأساس لبناء أنظمة فعالة ومرنة.

وشدد على أن المرونة لا تتحقق عبر العزلة، بل من خلال الترابط وتبادل البيانات والتشغيل البيني بين الموانئ والسكك الحديدية والطرق. وأشار إلى أن نماذج أوروبية مثل نظام موانئ نهر الراين تُظهر أن منصات البيانات المشتركة والتنسيق اللوجستي يعززان الكفاءة والمرونة بشكل كبير. وأضاف أن الرقمنة في قطاع اللوجستيات ليست مجرد مسألة تقنية معلومات، بل هي تحول تنظيمي يتطلب التعاون والثقة وتغييراً في العقلية.

وأكد توبياس ماير، الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في DHL Global Forwarding، أن سلاسل الإمداد العالمية لا تُدار مركزياً، بل تنشأ من قرارات تجارية لامركزية. وأشار إلى أن النقل البحري لا يزال العمود الفقري للتجارة العالمية، كونه الأكثر كفاءة من حيث التكلفة والأكثر استدامة بيئياً مقارنة بالنقل الجوي والنقل عبر السكك الحديدية. كما أشار إلى نقاط الضعف الرئيسية، بما في ذلك الازدحام في نقاط الاختناق وقلة الرؤية الفورية لحركة الحاويات. وشدد على أهمية تحسين أنظمة التتبع، وتعزيز الشفافية، وضمان حرية المرور في الممرات البحرية الحيوية، باعتبارها ضرورية للاستقرار الاقتصادي العالمي.

كريم الحامد، رئيس الاستراتيجية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في Siemens Mobility GmbH، أكد في مداخلته على أهمية أنظمة النقل متعددة الوسائط التي تجمع بين السكك الحديدية والطرق والموانئ والبنية التحتية للطاقة لضمان المرونة. وأوضح أن الكفاءة لم تعد تُقاس فقط بخفض التكاليف، بل بقدرة النظام على الحفاظ على استمرارية العمل أثناء الأزمات. وأشار إلى تطورات كبرى في البنية التحتية بدول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك توسعة شبكات السكك الحديدية الوطنية والإقليمية مثل مشروع سكك حديد الخليج، الذي يهدف إلى ربط الدول الأعضاء وتعزيز التجارة البينية. ومن المتوقع أن تقلل هذه الاستثمارات الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز.

وحملت الجلسة الخامسة في الملتقى عنوان (بناء الثقة الرقمية وتعزيز المرونة في عصر التنافس الجيوسياسي: تأمين الاقتصاد المتصل)، والتي ادراها أ.د. خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية. وتحدث فيها كل من: السيدة نورة العبد الله، مستشارة الأمن السيبراني لرئيس الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في دولة قطر. السيدة بتول الحسيني، المديرة التنفيذية العليا لشؤون العلاقات الحكومية ورئيسة الأسواق الاستراتيجية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى SAP. السيد يورِن بوسلمي، المدير العام لغرفة الصناعة والتجارة الألمانية التونسية AHK. الدكتور شتيفان فرانتصكه، الرئيس التنفيذي لمؤسسة Berlin Partner للأعمال والتكنولوجيا. السيد فالك شرويدر، شريك أول في شركة Detecon FZ LLC.

أكدت السيدة نورة العبد الله، مستشارة الأمن السيبراني في الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في قطر، أن الأمن السيبراني لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح محركاً أساسياً للازدهار الاقتصادي. فحماية البنية التحتية الرقمية ضرورية لضمان الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على استقرار الأنظمة المترابطة. وشددت على أن المخاطر الرقمية أصبحت دائمة، ويجب التعامل معها كحالة مستمرة وليس كتهديد استثنائي.

بينما أوضحت السيدة بتول الحسيني، المديرة التنفيذية العليا لشؤون العلاقات الحكومية ورئيسة الأسواق الاستراتيجية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى SAP، أن الثقة الرقمية تعادل الثقة الاقتصادية. ففي بيئة اليوم، تعتمد القدرة التنافسية على ضمان أنظمة رقمية آمنة وشفافة وموثوقة. وأبرزت عدة تحولات رئيسية: لا ينبغي فهم السيادة الرقمية على أنها انفصال عن العالم، بل كتحكم استراتيجي ومرونة داخل الشبكات العالمية لتسريع الاستثمار في البنية التحتية الرقمية بشكل كبير، منوهه الى اهمية التحول في إدارة المخاطر السيبرانية من الدفاع التفاعلي إلى الكشف والاستجابة الاستباقية. وأضافت أصبح الذكاء الاصطناعي محورياً في الكشف المبكر عن التهديدات وأنظمة الأمن الآلي ومن الاهمية استبدال النماذج الأمنية التقليدية السلبية بنهج “الكشف، والتحرك، والامتثال”

وسلّط السيد يورِن بوسلمي، المدير الإداري لغرفة الصناعة والتجارة الألمانية التونسية AHK، الضوء على أهمية الشراكات القائمة على الثقة في تطوير المجال الرقمي، خصوصاً بين أوروبا وشمال أفريقيا. وأشار إلى مبادرات مثل مشروع MEDUSA الذي يهدف إلى تعزيز الربط الرقمي والتعاون عبر منطقة البحر المتوسط. وأكد أن تطوير الكفاءات، والتعليم، وبناء الثقة المؤسسية تمثل ركائز أساسية لأنظمة رقمية مستدامة.

وأوضح الدكتور شتيفان فرانتزكه، الرئيس التنفيذي لمؤسسة Berlin Partner للأعمال والتكنولوجيا، أن برلين تُعد مركزاً متنامياً للابتكار الرقمي، خاصة في مجالات التكنولوجيا المالية والتقنيات الناشئة. وشدد على أن تحديات الأمن السيبراني عالمية وتتطلب استجابات منسقة بين منظومات الابتكار والصناعة والمؤسسات العامة.

فيما أكد السيد فالك شرويدر، الشريك الأول في شركة Detecon إحدى شركات الدويتشه تيليكوم المتخصصة في الاستشارات والتحول الرقمي، على تزايد التقارب بين الاتصالات والذكاء الاصطناعي والمخاطر الجيوسياسية. وأشار إلى أن الأنظمة الرقمية الحديثة تعتمد على سلاسل توريد تكنولوجية دولية للغاية، مما يجعل الأمن السيبراني مسؤولية مشتركة بين الدول والشركات. ومع التطور السريع للتقنيات، يجب أن تتكيف الأطر السياسية والتنظيمية بشكل مستمر. وشدد على أهمية ضمان “عمل البنية التحتية الرقمية الأساسية بشكل موثوق”، وفي الوقت نفسه الاستعداد لقدرات دفاع سيبراني متقدمة لمواجهة هجمات أكثر تعقيداً.

وقد ناقشت الجلسة السادسة من الملتقى موضوع (الصحة بلا حدود: بناء أنظمة رعاية صحية وضيافة مرنة وذكية في ظل التحديات الصحية والعالمية المنهجية). ادار الجلسة فولف شفيبرت، المحامٍ في مكتب Schwippert للمحاماة. وتحدث فيها كل من: الدكتور زولتان فارغا، المدير الطبي التنفيذي في APEX Health. سعادة إيان ليندسي، مستشار رئيس مجلس إدارة مجلس التنمية الاقتصادية في البحرين (EDB) والسفير السابق للمملكة المتحدة. الدكتور رضوان سوالمي، رئيس الشؤون الحكومية العامة لمنطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا (IMETA) في شركة بوهرنغر إنغلهايم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ألكسندر فور، رئيس مكتب برلين لمستشفى جامعة هايدلبرغ. كاي بيتريسور، رئيس الاستراتيجية وتطوير الأعمال في معهد WifOR.

ركزت المناقشات بشكل أساسي على التحول المستمر الذي تشهده أنظمة الرعاية الصحية في منطقة الخليج. وأشار إيان ليندسي إلى الدور الريادي التاريخي لمملكة البحرين في مجال الرعاية الصحية على مستوى المنطقة، موضحاً نجاحها في تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، حيث انخفضت مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 40 في المئة عام 2005م إلى ما يقارب 14 في المئة اليوم. وأصبحت الرعاية الصحية ركناً أساسياً في استراتيجيات التنمية الوطنية، مدفوعة بوجود شريحة شبابية واسعة إلى جانب تزايد أعداد كبار السن.

وفي مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، تشمل الإصلاحات تحديث الأطر التنظيمية، وإدخال أنظمة التأمين الصحي الإلزامي، وتوسيع نماذج الرعاية الصحية القائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وأشار الى ان مملكة البحرين أصبحت «منصة انطلاق ميسرة» لمقدمي خدمات الرعاية الصحية الدوليين، بفضل شراكاتها الدولية القوية والاهتمام المتزايد من الشركات العالمية والمؤسسات البحثية.

وقدم الدكتور زولتان فارغا (APEX Health) أمثلة عملية على تشغيل مؤسسات الرعاية الصحية الدولية في المنطقة. فقد تأسست الشركة استجابة لأجندة الإصلاح الصحي في قطر ورؤية قطر الوطنية 2030، وتدير مستشفيات ومرافق طبية من خلال نماذج الخصخصة أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتشرف الشركة على إدارة أو تطوير بنية تحتية صحية في عدة دول، منها قطر والعراق وليبيا والجزائر، بدءاً من المستشفيات الجامعية الكبرى وصولاً إلى المراكز الطبية المتخصصة. وتعكس هذه المشاريع نماذج شراكة مرنة ومتكيفة مع الظروف الوطنية لكل دولة.

ويُعد الدمج القوي للخبرات الدولية إحدى السمات الرئيسية لهذا النموذج، ولا سيما الاستفادة من الكوادر الطبية المدربة في ألمانيا. ففي قطر، على سبيل المثال، يُفترض إن جزءً كبيراً من الطواقم السريرية تلقوا تدريبهم أو تعليمهم ضمن النظام الطبي الألماني. ويعكس ذلك التعاون الممتد بين المؤسسات الصحية الخليجية والمستشفيات الجامعية الألمانية، بما في ذلك الشراكات المرتبطة بمستشفى جامعة هايدلبرغ.

كما سلط الدكتور رضوان سوالمي الضوء على مفارقة هيكلية في قطاع الرعاية الصحية العالمي؛ فبينما تتسارع وتيرة الابتكار العلمي والتكنولوجي، لا يزال الوصول إلى الخدمات الصحية والأدوية غير متكافئ، ويزداد تقييداً بفعل ارتفاع التكاليف. وأوضح أن شركات الأدوية تستثمر مبالغ ضخمة في البحث والتطوير، حيث تخصص شركة بوهرنغر إنغلهايم نحو 28 في المئة من صافي إيراداتها لهذا الغرض، إلا أن وصول المرضى إلى الأدوية لا يزال متأخراً عن وتيرة الابتكار بسبب تحديات القدرة على تحمل التكاليف ومحدودية الأنظمة الصحية.

ومن أبرز التحديات المطروحة: شيخوخة السكان، وارتفاع تكاليف العلاج، وعدم المساواة في الوصول إلى الأدوية الأساسية. وفي المقابل، تكمن الفرص في تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتوسيع برامج إتاحة العلاج للمرضى، وإطلاق مبادرات صحية موجهة، بما في ذلك الشراكات في أفريقيا والشرق الأوسط.

من جانبه أكد ألكسندر فور (مستشفى جامعة هايدلبرغ) أن أنظمة الرعاية الصحية الحديثة يجب أن تتجاوز الهياكل المؤسسية المجزأة وتتجه نحو شبكات رعاية متكاملة ومنسقة. وأوضح أن التميز لا ينبغي أن يتركز في مؤسسة واحدة، بل يجب أن يتوزع عبر منظومة مترابطة تضم المستشفيات، ومقدمي الرعاية الأولية، ومراكز إعادة التأهيل، ومنصات الصحة الرقمية. وينبغي للمراكز الطبية الأكاديمية أن تؤدي دور المحور الرئيسي داخل هذه الشبكات، بما يضمن الجودة والبحث العلمي والتدريب.

كما أشار إلى أن أحد التحديات الأساسية يتمثل في توجيه المرضى داخل أنظمة صحية متزايدة التعقيد، وهو ما يتطلب تنسيقاً أكبر، وأدوات رقمية أكثر تطوراً، وتصميماً للأنظمة الصحية يستند إلى نتائج المرضى بدلاً من الحدود المؤسسية. وشدد على أن الرعاية الصحية يجب أن تستند إلى رؤية مشتركة تركز على الجودة وإمكانية الوصول والنتائج العلاجية، وليس على التكلفة فقط.

فيما قدم كاي بيتريسور رئيس الاستراتيجية وتطوير الأعمال في معهد WifOR الرعاية الصحية باعتبارها استثماراً اقتصادياً أساسياً وليس مجرد بند إنفاق. واستناداً إلى بيانات الاقتصاد الصحي، أوضح أن الاستثمار في الوقاية يحقق عوائد كبيرة على المدى الطويل من خلال رفع الإنتاجية وتقليل عبء الأمراض. إلا أنه أشار إلى أن برامج الوقاية لا تزال تعاني من نقص التمويل على المستوى العالمي بسبب غياب العوائد الفورية على الاستثمار وضعف آليات التقييم. وغالباً ما تعطي الحكومات الأولوية للنفقات قصيرة الأجل على حساب المكاسب الصحية طويلة المدى، رغم وجود أدلة واضحة على الفوائد الاقتصادية الكبيرة للتدخل المبكر، مثل برامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي. ودعا إلى وضع أطر استراتيجية أقوى لتحديد أوجه القصور في الأنظمة الصحية، وقياس عبء الأمراض، ودمج الوقاية بشكل منهجي في التخطيط الاقتصادي الوطني.

من جانبه أشار سوالمي الى التوزيع غير المتوازن للاستثمارات العالمية في البحث والتطوير الدوائي حيث أن معظم استثمارات البحث والتطوير لا تزال متركزة في أوروبا والولايات المتحدة والصين، بينما يركز الشرق الأوسط بصورة أساسية على توطين الصناعات الدوائية والتصنيع أكثر من التركيز على الابتكار. ورغم أن بعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة، تُظهر إمكانات واعدة في هذا المجال، فإن العديد من المنظومات الصحية في دول الخليج لا تزال تفتقر إلى البنية التحتية والحوافز اللازمة لجذب أنشطة البحث والتطوير واسعة النطاق. وأكد المتحدثون الحاجة إلى أطر سياسات أكثر قوة ومنظومات ابتكار متكاملة لتعزيز التعاون العلمي.

ناقشت الجلسة السابعة للملتقى موضوع (ترابط الطاقة والمياه: مخططات بيئية لمستقبل مستدام وآمن). ادار الجلسة محمد هيكل، رئيس مجموعة هيكل ونائب رئيس المنتدى الاستراتيجي السوري. وشملت قائمة المتحدين: أنيتا ريختر، مديرة مشروع في الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ). ياسر ناجي، المدير التنفيذي لشركة Wilo الشرق الأوسط وأفريقيا. يواخيم بفايفر، نائب رئيس الغرفة والشريك الإداري في شركة MACONSO GmbH. ماركو فليكنشتاين، المدير التنفيذي لأنظمة وشبكات الكهرباء في شركة Fichtner GmbH & Co. KG. السيدة كندا شبيب، مستشار استراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ذكاء الاستثمار والتحول الرقمي (مجموعة أكسفورد للأعمال)

وضعت أنيتا ريختر (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي) النقاش في إطار أجندة ألمانيا للتعاون الدولي في مجال المناخ. وأكدت أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باعتبارها الجوار المباشر لأوروبا، تُعد من أكثر المناطق تعرضاً لتأثيرات التغير المناخي، بما في ذلك ندرة المياه وحالات عدم الاستقرار المرتبطة بالمناخ. وأشارت إلى أن مبادرة التصدير الألمانية لحماية المناخ (EXI) تمثل أداة رئيسية لتعزيز نشر التقنيات الخضراء في الخارج، إلى جانب أهمية الأطر التنظيمية مثل التصنيفات الخاصة بالتمويل الأخضر في تعبئة الاستثمارات. وتمثلت الرسالة الأساسية في ضرورة تحويل الالتزامات المناخية إلى إجراءات عملية وتطبيقات قطاعية ملموسة، ولا سيما في قطاع البنية التحتية للمياه. كما شددت على أن الاستثمار في أنظمة المياه الكفؤة والمرنة يمثل استجابة أساسية لتفاقم أزمة شح المياه، ويُعد ركناً محورياً في استراتيجيات التكيف مع التغير المناخي.

وقدم ياسر ناجي، المدير التنفيذي لشركة Wilo، الابتكار التكنولوجي باعتباره عاملاً أساسياً لتعزيز الكفاءة في قطاع المياه. ومن خلال مفهوم «الذكاء الاصطناعي للمياه» (WATER AI)، أوضح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث تحولاً جذرياً في البنية التحتية للمياه عبر الصيانة التنبؤية، وكشف التسربات، وتحسين أنماط الاستهلاك. وأكد أن أنظمة المياه تتحول تدريجياً إلى شبكات بنية تحتية تعتمد على البيانات، حيث يساهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز المرونة والاستدامة. كما اعتبر أن دمج التقنيات الرقمية في الأنظمة المادية أمر ضروري للحد من الفاقد وتحسين الكفاءة التشغيلية لمرافق المياه.

وأكد الدكتور يواخيم بفايفر أن التحدي الرئيسي في العلاقة بين الطاقة والمياه لا يكمن في القدرة الإنتاجية، بل في تكامل الأنظمة وترابط البنية التحتية. وأشار إلى الإمكانات الاستراتيجية التي تتمتع بها مناطق مثل الخليج العربي، حيث يجتمع توفر الطاقة الشمسية بكميات كبيرة مع قدرات تحلية المياه، مما يتيح نموذجاً متكاملاً للتحول في قطاعي الطاقة والمياه. وأوضح أن العناصر الأساسية للبنية التحتية تشمل: شبكات الكهرباء الذكية. أنظمة نقل الهيدروجين والأمونيا. مرافق تحلية المياه واسعة النطاق. وشدد على أن عامل الحسم يتمثل في الترابط والتكامل بين هذه المكونات، وليس في الاستثمارات المنفردة. فبدون أنظمة بنية تحتية متكاملة، لا يمكن تحقيق تحول ناجح في قطاع الطاقة أو ضمان الأمن المائي على نطاق واسع.

وركز الدكتور ماركو فليكنشتاين المدير العام لشركة (Fichtner GmbH & Co. KG) على الاختناقات الهيكلية التي تواجه تطوير البنية التحتية عالمياً. وأوضح أن العامل المقيد لم يعد يتمثل في توفر الطاقة بحد ذاته، بل في قدرات شبكات النقل، وسلاسل التوريد، وتأخر عمليات التخطيط والتنفيذ. وأشار إلى أن النمو المتزايد في الطلب الناتج عن التحول نحو الكهرباء وتوسع مراكز البيانات يفرض ضغوطاً إضافية على الأنظمة القائمة التي تعاني أصلاً من قيود كبيرة. وبناءً على ذلك، أكد أن مشاريع البنية التحتية تحتاج إلى فترات إعداد وتخطيط أطول بكثير، خاصة فيما يتعلق بشبكات نقل الكهرباء. وتمثلت رسالته الرئيسية في أن المرونة والاستدامة تعتمدان على التنسيق المبكر واستشراف الاحتياجات المستقبلية للبنية التحتية، مع اعتبار شبكات الكهرباء العنصر الأكثر أهمية والأعلى تكلفة في أنظمة الطاقة المستقبلية.

فيما قدمت السيدة كندا شبيب رؤية لإعادة الإعمار ترتكز على الحوكمة الرقمية. وأكدت أن إعادة بناء البنية التحتية في البيئات الهشة لا تتطلب الاستثمار المادي فقط، بل تحتاج أيضاً إلى “طبقة من الثقة الرقمية”. ويشمل ذلك: أنظمة موثوقة لبيانات البنية التحتية، آليات شفافة لتتبع المشاريع واستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ وتحسين تخصيص الموارد، علاوة على التوائم الرقمية (Digital Twins) لتخطيط البنية التحتية.

وشددت على ضرورة التعامل مع المياه والطاقة والأمن الغذائي والصحة باعتبارها منظومة مترابطة، خاصة في سياقات إعادة الإعمار بعد النزاعات مثل الحالة السورية. كما طرحت كندا شبيب نموذجاً  تكاملياً للتعاون الدولي يقوم على توزيع الأدوار بين الشركاء الرئيسيين على النحو التالي: دول الخليج: توفير رؤوس الأموال والاستثمارات، أوروبا: تقديم التدريب المهني والتكنولوجيا والخبرات الفنية. الشركاء المحليون: توفير المعرفة بالسياق المحلي والاحتياجات الميدانية.

وجاءت الجلسة الثامنة والختامية للملتقى تحت عنوان (قوة دبلوماسية الشراكة من أجل مستقبل مترابط من الاستقرار والنمو). ادار الجلسة الدكتور فلوريان أميرلر وشارك فيها كل من: سعادة السفير عبد الله الحمر، سفير دولة قطر، سعادة السفير واصف شيحة، سفير الجمهورية التونسية، سعادة الدكتور محمد البدري، سفير جمهورية مصر العربية، سعادة الدكتور فايز خوري، سفير المملكة الأردنية الهاشمية، سعادة رالف بوهـمه، المدير العام للسياسة الاقتصادية الخارجية في الوزارة الاتحادية للشؤون الاقتصادية والطاقة. سعادة كليمنس هاخ، مدير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الاتحادية، سعادة السفير دانيال كريبر، سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى العراق.

تطرق سعادة السفير عبد الله الحمر على عمق العلاقات بين قطر وألمانيا، مشددًا على أن هذه الشراكة تتجاوز بكثير مجالي التجارة والاستثمار. فهي قائمة على الثقة والمصالح المشتركة والتعاون الاستراتيجي طويل الأمد، ومن المتوقع أن تُعرّف مجالات التعاون المستقبلية بشكل متزايد بالابتكار والمرونة والاستثمارات المشتركة في قطاعات مثل الصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والخدمات اللوجستية والبنية التحتية الحيوية والاستثمارات الصناعية الاستراتيجية. كما جدد التزام قطر بالدبلوماسية والوساطة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار الإقليمي.

ورحب سعادة السفير واصف شيحة، سفير الجمهورية التونسية، بالجهود الأخيرة الرامية إلى خفض التصعيد الإقليمي، مؤكدًا أن السلام الدائم لا ينفصل عن معالجة القضية الفلسطينية. وجدد التزام تونس بشراكة مع أوروبا تقوم على المساواة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع تسليط الضوء على التحول الصناعي الناجح في البلاد، لا سيما في قطاع السيارات، باعتباره دليلًا على قيمة تونس كشريك اقتصادي طويل الأمد لألمانيا.

وأكد سعادة الدكتور محمد البدري، سفير جمهورية مصر العربية، أهمية العمل البراغماتي في عالم تتزايد تحدياته وتناول التحديات والأزمات في منطقة الشرق الأوسط وما صحبها من هشاشة في سلاسل الإمداد العالمية، شدد على أن على أوروبا أن تستثمر استراتيجيًا ليس فقط عبر رأس المال، بل أيضًا عبر الانخراط السياسي والتكنولوجي. واستشرافًا للمستقبل، أشار إلى إمكانية تحول الشرق الأوسط إلى مركز رئيسي للطاقة، لا سيما في مجال الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، مقارنًا ذلك بالتطور المبكر لتقنيات الطاقة الشمسية التي واجهت في السابق شكوكًا اقتصادية مماثلة.

وسلط سعادة الدكتور فايز خوري، سفير المملكة الأردنية الهاشمية، الضوء على النجاحات الدبلوماسية التي غالبًا ما تكون غير مرئية، وعلى قدرة الأردن على الحفاظ على الاستقرار رغم الضغوط الإقليمية الكبيرة وتدفقات اللاجئين. وأكد أن الشراكات يجب أن تكون عملية وموجهة نحو النتائج، مع التركيز على الاستثمار وخلق فرص العمل والتنمية المستدامة بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات الطارئة. كما أشار إلى أهمية رأس المال البشري والتكامل الديموغرافي بين أوروبا والشرق الأوسط، معلنًا عن التحضيرات لمؤتمر استثماري قادم بين الاتحاد الأوروبي والأردن يهدف إلى تعزيز الترابط الإقليمي.

ومن وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية الألمانية، أكد سعادة رالف بوهـمه، المدير العام للسياسات الاقتصادية، على التداعيات الاقتصادية للهجمات الأخيرة على دول الخليج العربي، مجددًا تضامن ألمانيا مع شركائها في المنطقة. وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين ألمانيا والدول العربية بلغ 62 مليار يورو في عام 2025م، مؤكدًا الحاجة إلى تنويع سلاسل الإمداد والاستثمار الاستراتيجي وشبكات تجارية أكثر مرونة. وفي هذا السياق، أبرز ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) باعتباره فرصة تحولية لتعزيز الترابط والتكامل الاقتصادي في المستقبل.

وتحدث سعادة كليمنس هاخ عن التحديات السياسية والفرص في المنطقة مشيرًا إلى أمثلة على المرونة والابتكار والتطور الإيجابي في مختلف أنحاء المنطقة. ووصف الجهود الدبلوماسية الأخيرة مع إيران بأنها خطوات بناءة نحو خفض التصعيد، وجدد دعم ألمانيا لحل الدولتين واستمرار دعم السلطة الفلسطينية. كما أشار إلى الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للتعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

واستنادًا إلى خبرته كسفير ألماني لدى العراق، أكد سعادة دانيال كريبر أن التعاون الاقتصادي يعتمد بشكل متزايد على تنسيق سياسي أوسع، بما في ذلك مكافحة الإرهاب وإدارة الهجرة وسياسات المناخ. وأبرز “مبادرة الضمان السيادي” كآلية مهمة تتيح للشركات الألمانية الاستثمار في العراق، وأشار إلى البحث عن مسارات تجارية بديلة عقب اضطرابات البحر الأحمر كدليل على تزايد أهمية الترابط والمرونة وتنوع ممرات اللوجستيات.

وبالإضافة الى الجلسات التسع شهد الملتقى ست جلسات للحوار والتباحث بشكل مباشر بين الجانبين العربي والألماني شملت الفرص والتحديات للتعاون مع كل من قطر، السودان، سوريا، اليمن، تونس والعراق.

 

جلسات الطاولات المستديرة: رافعة لتعزيز الحوار الثنائي العربي–الألماني

 

إلى جانب الجلسات العامة الرئيسية، شهدت أعمال الملتقى الاقتصادي العربي–الألماني التاسع والعشرون خمس جلسات طاولات مستديرة متخصصة، شكّلت منصة نوعية لتعزيز الحوار الثنائي بين الدول العربية وألمانيا، ووفّرت مساحة أعمق وأكثر تركيزاً للتبادل العملي بين الشركاء من الجانبين.

وقد أتاحت هذه الصيغة التفاعلية المصغّرة فرصة لتناول استراتيجيات التعاون الخاصة بكل دولة على حدة، ومناقشة التحديات القطاعية بشكل مباشر، بما يساهم في تحويل الحوار العام إلى مسارات تعاون ثنائي ملموسة وقابلة للتنفيذ. وركّزت النقاشات على توسيع آفاق الشراكة في مجالات حيوية مثل التعليم، والرقمنة، وريادة الأعمال، وإعادة الإعمار بعد النزاعات، مع إبراز إمكانات التكامل بين الخبرات العربية والألمانية.

وشارك في هذه الطاولات المستديرة ممثلون عن الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات التنموية والأوساط الأكاديمية، حيث جرى تبادل الرؤى حول الاتجاهات الراهنة، وتحديد فرص استثمارية محددة، وتطوير مقاربات مشتركة تعزز الشراكات الثنائية بين الدول العربية وألمانيا، بما يكمل الدور الذي تؤديه الجلسات العامة في رسم الإطار الاستراتيجي العام للعلاقات الاقتصادية.

 

المائدة المستديرة بعنوان:( السودان: الشراكة من أجل التعافي والتأهيل وإعادة الإعمار)

ادار هذه الجلسة السيد إدريس سعيد، نائب رئيس البعثة في سفارة جمهورية السودان. وتحدثت فيها سعادة السفيرة إلهام إبراهيم محمد أحمد، سفيرة جمهورية السودان. بالإضافة الى السيد مهند صديق، عضو اتحاد أصحاب العمل السوداني ورئيس مجلس إدارة شركة كاستريز للتجارة العامة.

ركزت المائدة المستديرة الخاصة بالسودان على جهود التعافي الجارية في البلاد، وأولويات إعادة التأهيل والإعمار، والفرص التجارية والاستثمارية المتاحة للشركاء العرب والدوليين، ولا سيما الشركات الألمانية.

استهلت سعادة السفيرة إلهام إبراهيم محمد أحمد الجلسة بالترحيب بالمشاركين، مؤكدة التزام السودان بإعادة البناء والانفتاح مجدداً على الشركاء العرب والدوليين. وشددت على أهمية دور القطاع الخاص في دعم جهود التعافي وتحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل. كما قدم مدير الجلسة عرضاً حول الوضع الراهن في السودان، موضحاً أنه رغم التحديات التي فرضها النزاع، فقد تم إحراز تقدم ملموس في استعادة الاستقرار في العديد من مناطق البلاد. وأشار إلى عدد من التطورات المهمة، من أبرزها: عودة مجلس الوزراء والمؤسسات الحكومية إلى العاصمة الخرطوم، استعادة الخدمات العامة الأساسية في عدد من الولايات والمناطق، إعادة افتتاح المدارس والجامعات، عودة وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى الخرطوم ومناطق أخرى من البلاد، تزايد الاستقرار في معظم الولايات السودانية، بما يهيئ الظروف الملائمة للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وأكد المتحدثون أن السودان دخل مرحلة جديدة تتركز على التعافي وإعادة التأهيل وإعادة الإعمار. وحددت المناقشات عدداً من القطاعات التي توفر فرصاً كبيرة للتعاون الدولي والاستثمار في مجال البنية التحتية والخدمات الأساسية ومنها البنية التحتية العامة، إنتاج ونقل الكهرباء، إمدادات المياه ومعالجتها، البنية التحتية التعليمية والبنية التحتية الصحية.

وتم التركيز بشكل خاص على قطاع الكهرباء، حيث أشار المشاركون إلى الطلب الكبير على المحولات الكهربائية ومعدات الشبكات ومنشآت الطاقة وتم دعوة الشركات الألمانية، التي تحظى بسمعة ممتازة في السودان، على العودة إلى السوق السودانية والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار. كما تم تقديم قطاع التعدين باعتباره أحد أكثر القطاعات الاستثمارية الواعدة في السودان. وأوضح المشاركون أن أنشطة التعدين العميق ما تزال محدودة التطور، وأن عدد المستثمرين الدوليين العاملين فيه لا يزال محدوداً، في حين تقدم الحكومة السودانية حوافز وتسهيلات لجذب المزيد من الاستثمارات.

كما برز ملف الأمن الغذائي كأحد المحاور الرئيسية خلال الجلسة، حيث تم تقديم السودان باعتباره مركزاً زراعياً استراتيجياً لأفريقيا والمنطقة العربية. وشملت أبرز النقاط المطروحة: الإمكانات الزراعية الهائلة للسودان ووفرة الأراضي الخصبة، استقرار الولاية الشمالية الواقعة خارج مناطق النزاع، وما توفره من ظروف مواتية للاستثمارات الزراعية. الفرص المتاحة في إنتاج الحبوب وزراعة السمسم والزراعة العضوية. مكانة السودان كأحد أكبر المنتجين العالميين للصمغ العربي والثروة الحيوانية الكبيرة وإمكانات التصدير، ولا سيما إلى أسواق المملكة العربية السعودية والجزائر.

واستعرض السيد مهند صديق تجارب عملية من قطاع الأعمال، مؤكداً الجودة العالية للسمسم السوداني وقيمته التسويقية المرتفعة مقارنة بالمنتجات المنافسة عالمياً كما أشار إلى وفرة الموارد المائية في السودان والإمكانات الكبيرة لتطوير الإنتاج الزراعي العضوي المعتمد وفق المعايير الدولية.

ودعا المتحدثون رجال الاعمال إلى الاستفادة من الفرص التي توفرها المناطق الحرة في السودان، وخاصة تلك الواقعة في بورتسودان والخرطوم. وأوضحوا أن الاستثمار في هذه المناطق يوفر مستويات إضافية من الحماية والتسهيلات، فضلاً عن بيئة جاذبة للتجارة الدولية والأنشطة الصناعية. كما حث المشاركون المستثمرين على النظر إلى الإمكانات الاقتصادية طويلة الأجل للسودان وموقعه الاستراتيجي، بدلاً من التركيز فقط على التحديات الحالية.

وشهدت الجلسة التفاعلية اهتماماً واسعاً من ممثلي مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث تناولت المناقشات عدداً من الموضوعات المهمة، من بينها: إعادة بناء علاقات الشراكة التجارية التي كانت قائمة قبل الحرب، خاصة في مجال الأمن الغذائي وفرص الاستثمار في حلول معالجة المياه وإدارتها ومشاريع إنتاج الحبوب والاستثمارات الزراعية علاوة على تطوير البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية. تطوير الموانئ وتسهيل حركة التجارة.

وأعرب ممثلون عن شركات ألمانية ودولية، بما في ذلك شركات تعمل في مجالات الخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، عن اهتمامهم باستكشاف فرص التعاون المستقبلية في السودان.

ومن بين أبرز الاهتمامات التي تم تسجيلها خلال الجلسة: أعرب السيد كليمنس دينغمان من شركة CD Vet عن اهتمامه بإعادة إحياء العلاقات التجارية السابقة واستئناف الأنشطة التي كانت قائمة قبل الحرب، خاصة في مجالات الأمن الغذائي والتعاون الزراعي. قدمت البروفيسورة الدكتورة مارغريتا ماثيوبولوس من شركة Aspide Technology UK Ltd عرضاً حول خبرات شركتها في حلول معالجة المياه، وأبدت اهتماماً باستكشاف فرص التعاون في إدارة ندرة المياه وتنفيذ مشاريع البنية التحتية المائية في السودان. وناقش ممثلو القطاع الزراعي فرص الاستثمار في إنتاج الحبوب والصناعات الغذائية، مؤكدين الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها السودان كموقع استراتيجي للاستثمار الزراعي. وشارك السيد ماركو نيلسن، الرئيس التنفيذي لمجموعة QTerminals، في النقاشات المتعلقة بالبنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية والموانئ، مشيراً إلى اهتمام محتمل بالمشروعات المرتبطة بتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية في السودان.

في ختام الجلسة، أكدت سعادة السفيرة إلهام إبراهيم محمد أحمد أن السودان، رغم التحديات الراهنة، يوفر فرصاً تجارية واستثمارية واعدة في العديد من القطاعات الاقتصادية. ودعت الشركات المهتمة إلى التواصل المباشر مع الشركاء السودانيين، مشيرة إلى أن سفارة جمهورية السودان مستعدة لتسهيل الاتصالات التجارية وتقديم المعلومات اللازمة للمستثمرين.

كما تمت دعوة المشاركين للانضمام إلى وفد اقتصادي وتجاري من المقرر أن يزور السودان في النصف الثاني من العام 2026م، بهدف الاطلاع ميدانياً على فرص الاستثمار واحتياجات إعادة الإعمار. واختتمت الجلسة بدعوة قوية إلى تعزيز التعاون الاقتصادي السوداني الألماني، بما يسهم في دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في السودان.

 

المائدة المستديرة بعنوان: (تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري التونسي–الألماني: آفاق جديدة للشراكة والاستثمار)

وشملت قائمة المتحدثين في الجلسة كل من: سعادة السيد واصف شيحة، سفير الجمهورية التونسية لدى ألمانيا. السيد يورن بوسلمي، المدير التنفيذي لغرفة الصناعة والتجارة الألمانية التونسية AHK. السيدة سعيدة كحولي، المديرة التنفيذية لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي في تونس (FIPA Tunisia) بألمانيا.

سلطت المائدة المستديرة الضوء على الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها تونس كشريك استراتيجي للشركات والمستثمرين الألمان، وأكد المتحدثون على قدرة تونس على الصمود، وامتلاكها لقوى عاملة عالية التأهيل، وبيئة استثمارية جاذبة، فضلاً عن دورها كحلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا والعالم العربي. حيث استهل سعادة السفير واصف شيحة الجلسة بالتأكيد على التزام تونس المستمر منذ عقود بجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مشيراً إلى أن تونس كانت من أوائل دول المنطقة التي اعتمدت تشريعات تهدف إلى تسهيل الاستثمار الأجنبي. وأوضح أن القانون التونسي يضمن المساواة الكاملة بين المستثمرين المحليين والأجانب، حيث يستفيد الجميع من الإطار القانوني ذاته ومن الحوافز الاستثمارية نفسها.

كما أبرز السفير الموقع الجغرافي المتميز لتونس وقربها من أوروبا، موضحاً أن الوصول إليها من ألمانيا لا يستغرق سوى رحلة جوية قصيرة، وأن البلاد ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي. فمنذ عام 1995م، تتمتع تونس باتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي للسلع الصناعية، كما تشارك بفاعلية في إطار التعاون الأورو-متوسطي. وأشار إلى أنه رغم أن السوق المحلية التونسية تضم نحو 12 مليون مستهلك، فإن القيمة الحقيقية لتونس تكمن أيضاً في قدرتها على توفير منفذ متميز إلى الأسواق العربية والأفريقية المجاورة بفضل شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية الإقليمية والثنائية.

وأشار السفير الى ديناميكية واستقرار المؤسسات التونسية، حيث أكد أن التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد بعد ثورة عام 2011م، لم تؤثر على استمرارية عمل المؤسسات والإدارة العامة، التي ظلت تؤدي وظائفها بكفاءة وموثوقية خلال مختلف مراحل الانتقال السياسي. وأكد أن الاستمرارية والاستقرار والموثوقية المؤسسية ما تزال من أبرز سمات البيئة الاستثمارية في تونس. وأضاف أن تونس نجحت، رغم الاضطرابات الإقليمية والتحديات الاقتصادية العالمية، في الحفاظ على اقتصاد تنافسي وقادر على التكيف، مستندة إلى مجتمع مدني قوي، ومنظومة تعليمية متطورة، وإطار أمني مستقر.

من جانبها، قدمت السيدة سعيدة كحولي عرضاً شاملاً حول مكانة تونس كوجهة جاذبة لخدمات التعهيد القريب (Nearshoring) وكمنصة متكاملة للإنتاج الصناعي للشركات الألمانية والدولية. وأوضحت أن تونس تمتلك رأس مال بشرياً عالي التأهيل، حيث يتخرج سنوياً أكثر من عشرة آلاف مهندس ومتخصص في تكنولوجيا المعلومات من الجامعات التونسية. وأشارت إلى أن هذا العنصر، إلى جانب القرب الجغرافي من أوروبا والتوافق في المناطق الزمنية، يوفر ظروفاً مثالية للتعاون الاقتصادي وتنفيذ المشاريع. وأكدت أن الاقتصاد الرقمي يساهم حالياً بأكثر من 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي التونسي، ويضم أكثر من 2200 شركة تكنولوجية ناشطة في مجالات تطوير البرمجيات والبحث والتطوير والذكاء الاصطناعي والأنظمة المدمجة.

كما استعرضت قوة القاعدة الصناعية التونسية، لا سيما في قطاعات صناعة السيارات والإلكترونيات والهندسة الميكانيكية والصناعات الدوائية وعلوم الحياة. وأوضحت أن القطاع الصناعي يستحوذ على أكثر من 60 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد، بينما تنشط في تونس أكثر من 320 شركة ألمانية حققت نجاحات ملموسة في السوق التونسية. وتطرقت إلى جهود تونس في تعزيز مفاهيم الصناعة 4.0 والابتكار والتحول الأخضر، مشيرة إلى الاستثمارات المتواصلة في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف ضمان إنتاج صناعي مستدام وقادر على المنافسة في الأسواق الأوروبية.

كما استعرضت المزايا التي يوفرها قانون الاستثمار التونسي لعام 2016م، والتي تشمل السماح بالملكية الأجنبية الكاملة للمشروعات دون الحاجة إلى شريك محلي، وحرية تحويل رؤوس الأموال والأرباح إلى الخارج، والإعفاءات الضريبية والحوافز المالية، وبرامج دعم التدريب والتوظيف، إضافة إلى حوافز خاصة بالتنمية الجهوية والقطاعات ذات الأولوية.

وأوضحت أن وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، التابعة لوزارة الاقتصاد التونسية، تقدم دعماً متكاملاً للمستثمرين في مختلف مراحل تأسيس وتنفيذ مشاريعهم الاستثمارية.

بدوره، أكد السيد يورن بوسلمي على عمق العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا وتونس والنمو المستمر للاستثمارات الألمانية في البلاد. وأشار إلى أن تونس تستضيف عدداً من الشركات الألمانية يفوق ما تستضيفه بعض الوجهات المنافسة في المنطقة، وأن الاستثمارات الألمانية تواصل التوسع سواء من حيث حجم العمالة أو نطاق الأنشطة الاقتصادية. ووصف تونس بأنها بيئة أعمال قائمة على الثقة والموثوقية والتقارب الثقافي مع أوروبا، معتبراً أن أهميتها لا تكمن في حجم سوقها المحلية بقدر ما تكمن في كونها موقعاً اقتصادياً عالي التنافسية وقائماً على الابتكار.

وأكد أن تونس تشهد تحولاً متسارعاً من الأنشطة الصناعية كثيفة العمالة إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، واصفاً هذا التحول بأنه انتقال «من ساعات العمل اليدوي إلى ساعات العمل الذهني»، في إشارة إلى التنامي المتزايد لأهمية الخدمات الهندسية وتكنولوجيا المعلومات والبحث والتطوير والأمن السيبراني والحلول الرقمية. وأشار إلى أن العديد من الشركات الدولية بدأت نشاطها في تونس عبر إنشاء منشآت إنتاجية، قبل أن توسع أعمالها لاحقاً لتشمل مراكز للبحث والتطوير والهندسة. كما يجري إنشاء عدد متزايد من مراكز الكفاءات والمراكز الهندسية التي تقدم خدمات على مستوى المجموعات الدولية في مجالات تطوير البرمجيات والأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية. وفي ختام مداخلته، شدد بوسلمي على الموقع الاستراتيجي لتونس كبوابة نحو أفريقيا والمنطقة العربية الأوسع، ما يجعلها مركزاً مهماً للشركات الراغبة في التوسع عبر أسواق متعددة.

وأظهرت النقاشات في المائدة المستديرة أن تونس توفر بيئة جاذبة للغاية للشركات الألمانية الباحثة عن حلول موثوقة لتنفيذ الاعمال القريب، وشراكات صناعية متقدمة، وتعاون قائم على الابتكار. كما أكد المشاركون أن ما تتمتع به تونس من رأس مال بشري مؤهل، وقرب جغرافي من أوروبا، وتكاليف تنافسية، وحوافز استثمارية واسعة، وخبرات متنامية في التقنيات المتقدمة، يجعل منها شريكاً استراتيجياً واعداً لتعزيز التعاون الاقتصادي العربي الألماني خلال السنوات المقبلة.

 

 

المائدة المستديرة بعنوان:( قطر كقوة إقليمية رائدة – مسارات الاستثمار للشركاء العالميين)

ادارت الجلسة السيدة مريم ماموزي، الرئيسة التنفيذية والمحامية في شركة MM Legale، بحضور سعادة السيد عبد الله الحمر، سفير دولة قطر لدى ألمانيا وسعادة الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني، رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر، وشارك في المداخلات السيد فيصل آل إبراهيم، أخصائي أول للشؤون الدولية والمحلية في “استثمر في قطر” (Invest Qatar). وسعادة الشيخة حصة بنت ناصر آل ثاني، رئيسة قطاع الخدمات المهنية في قطر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز قطر للمال (QFC) والسيد هاكان أوزدمير، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنس ذ.م.م (Siemens WLL).

وشهدت الجلسة مشاركة عدد من كبار المسؤولين وممثلي المؤسسات الاقتصادية القطرية، حيث استعرض السيد فيصل آل إبراهيم الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد للدولة والجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد في إطار رؤية قطر الوطنية 2030 واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة. وأكد أن قطر تستهدف جذب استثمارات أجنبية مباشرة تراكمية بقيمة 100 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030م، إلى جانب تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني وترسيخ مكانتها ضمن أفضل بيئات الأعمال عالمياً.

وأضاف أن الدولة تركز على مجموعة واسعة من القطاعات الواعدة تشمل الخدمات اللوجستية والتصنيع والسياحة والخدمات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والرعاية الصحية والتعليم والتقنيات الخضراء والإعلام والصناعات الإبداعية. كما أشاروا إلى أن المؤسسة تعمل كبوابة موحدة للمستثمرين من خلال تقديم الدعم في جميع مراحل العملية الاستثمارية، بدءاً من دراسة فرص السوق وتأسيس الشركات وصولاً إلى خدمات التوسع والنمو.

من جانبها، استعرضت الشيخة حصة بنت ناصر آل ثاني المزايا التنافسية التي يوفرها مركز قطر للمال للشركات الأجنبية، وفي مقدمتها إمكانية التملك الأجنبي الكامل بنسبة 100 في المئة دون الحاجة إلى شريك محلي، وحرية تحويل رؤوس الأموال والأرباح إلى الخارج، وعدم اشتراط حد أدنى لرأس المال في العديد من الأنشطة، فضلاً عن العمل ضمن إطار قانوني يستند إلى القانون الإنجليزي العام، ووجود محاكم مستقلة وآليات فعالة لتسوية النزاعات. كما تم التأكيد على سهولة وسرعة إجراءات تأسيس الشركات عبر المنصات الرقمية، حيث يمكن إنجاز بعض عمليات التسجيل خلال فترة تتراوح بين 24 و48 ساعة فقط. ويضم المركز حالياً أكثر من 4400 كيان اقتصادي مسجل من أكثر من 135 دولة.

وفي عرض لتجربة القطاع الخاص الألماني في قطر، أكد الرئيس التنفيذي لشركة سيمنس في قطر، هاكان أوزدمير، أن السوق القطرية تمثل نموذجاً ناجحاً للاستثمار طويل الأجل، مشيراً إلى أن أنشطة الشركة تشمل تشغيل أنظمة النقل الذكية في المدينة التعليمية، وتقديم حلول الأتمتة والرقمنة لمشاريع النفط والغاز، وتطوير تقنيات الأمن السيبراني والمباني الذكية، إضافة إلى المشاركة في مشاريع المدن الذكية والبنية التحتية المستدامة مثل مشيرب ولوسيل.

وأشار أوزدمير إلى أن قطر تعد الدولة الوحيدة في منطقة مجلس التعاون الخليجي التي نفذت فيها سيمنس استثمارات مباشرة في رأس المال، وهو ما يعكس مستوى الثقة الكبير الذي توليه الشركة للاقتصاد القطري. كما أوضح أن قطر أصبحت مركزاً إقليمياً لأنشطة الشركة في عدد من الأسواق الإقليمية والدولية، بما في ذلك العراق ومصر ودول أفريقيا وآسيا، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وشبكاتها اللوجستية المتطورة.

كما ركزت المناقشات على الدور المتنامي للابتكار وريادة الأعمال في الاقتصاد القطري، حيث أشار المشاركون إلى وجود منظومة متكاملة لدعم الشركات الناشئة تشمل برامج تحفيزية مرتبطة بالفعاليات الدولية الكبرى مثل «ويب ساميت قطر»، إضافة إلى فرص التمويل التي يوفرها بنك قطر للتنمية والبرامج المخصصة لشركات التكنولوجيا والابتكار. وتم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم محركات النمو المستقبلي في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك الصحة والتعليم والطاقة والبنية التحتية والخدمات العامة، مع الإشارة إلى أن قطر تعد من الدول الأكثر انفتاحاً على تبني التقنيات الحديثة والاستثمار فيها.

وفي سياق بحث آفاق التعاون بين قطر وألمانيا، أكد المشاركون وجود فرص واسعة لتعزيز الشراكات الثنائية في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والتعليم والبحث العلمي والمدن الذكية والبنية التحتية المستدامة. كما تم طرح فكرة إنشاء نماذج أعمال مشتركة تسمح للشركات الناشئة الألمانية بالعمل في كل من ألمانيا وقطر في الوقت نفسه، مع الاستفادة من قطر كمنصة للانطلاق نحو أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا وآسيا.

واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن قطر لم تعد تُنظر إليها فقط كسوق محلية واعدة، بل باتت تُعتبر مركزاً إقليمياً استراتيجياً للأعمال والاستثمار والتوسع الدولي، مدعوماً باستقرار اقتصادي وسياسي، وبنية تحتية عالمية المستوى، وإطار تشريعي متطور، ورؤية واضحة تستهدف تعزيز الابتكار وجذب الاستثمارات النوعية من مختلف أنحاء العالم. وقد شدد المسؤولون القطريون على التزام الدولة المستمر بدعم المستثمرين وتوفير الظروف اللازمة لضمان نجاح مشاريعهم واستدامتها على المدى الطويل، بما يعزز مكانة قطر كشريك اقتصادي موثوق ووجهة رئيسية للاستثمارات العالمية.

المائدة المستديرة بعنوان: (مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة في اليمن)

أدار الجلسة الأستاذ عبد العزيز المخلافي، الأمين العام للغرفة، وحضر اعمالها معالي الدكتور توماس باخ الرئيس الفخري للغرفة والرئيس الفخري للجنة الأولمبية الدولية وتحدث فيها سعادة السيد توماس شنايدر، سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن وسعادة السيد لؤي الإرياني، سفير الجمهورية اليمنية لدى ألمانيا وسعادة السيد محمد عبده سعيد، رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة اليمنية.

سلطت هذه الجلسة من المائدة المستديرة الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه اليمن، إلى جانب الإمكانات الاقتصادية الواعدة التي يمتلكها على المدى الطويل. ورغم استمرار الصراع والأزمة الإنسانية، أشار المتحدثون إلى عدد من التطورات السياسية والاقتصادية المشجعة، من بينها تشكيل حكومة جديدة، والتقدم في مسار الإصلاح المؤسسي، وتجدد التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وتزايد الدعم الدولي لليمن.

فقد أشار السفير الألماني لدى اليمن، توماس شنايدر، إلى أن اليمن شهد خلال الأشهر الأخيرة تطورات سياسية مهمة رغم البيئة الأمنية الصعبة، من بينها تشكيل حكومة جديدة وتعزيز مؤسسات الدولة تدريجياً. وأوضح أن توحيد القوات المسلحة تحت قيادة واحدة وتجديد التعاون مع المؤسسات المالية الدولية يمثلان خطوات مهمة نحو تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.

من جانبه، أكد السفير اليمني لدى ألمانيا، لؤي الإرياني، أن الحكومة اليمنية الجديدة تمارس أعمالها من العاصمة المؤقتة عدن، وتضم للمرة الأولى في تاريخ البلاد ثلاث وزيرات. وشدد على أن تعزيز مؤسسات الدولة واستعادة السلام وإعادة إدراج اليمن ضمن أولويات المجتمع الدولي تمثل أهدافاً رئيسية للحكومة.

وأكد السفير شنايدر أن اليمن يمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة رغم الظروف الراهنة. وأوضح أن اليمن يُعد على الأرجح أكبر دول شبه الجزيرة العربية من حيث عدد السكان، كما يتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية على مضيق باب المندب الذي يربط الخليج العربي بأفريقيا وآسيا. وأضاف أن اليمن يمتلك موارد بشرية مؤهلة نسبياً، إلى جانب احتياطيات مهمة من النفط والغاز، إلا أن الاستفادة من هذه الموارد لا تزال محدودة بسبب الأوضاع الأمنية وتعطل صادرات النفط والغاز نتيجة الهجمات والاضطرابات المستمرة التي تنفذها جماعة الحوثي.

كما شدد المشاركون على الدور المهم الذي تؤديه المملكة العربية السعودية في جهود استقرار اليمن، وحجم الدعم الذي تقدمه للبلاد. واعتُبر التعاون الثلاثي بين اليمن والسعودية والشركاء الدوليين أحد المسارات الواعدة لتعزيز التنمية مستقبلاً.

خلال النقاش، دعا حسام مجلي من مكتب أميريلر القانوني إلى اعتماد نهج عملي وتدريجي للتعامل الاقتصادي مع اليمن. وأوضح أنه لا ينبغي انتظار التوصل إلى تسوية سياسية شاملة قبل إطلاق الأنشطة الاستثمارية، بل يمكن البدء بمشروعات صغيرة ومبادرات إقليمية محددة. ونظراً لتباين الأوضاع بين المناطق اليمنية المختلفة، شدد على ضرورة تصميم الاستثمارات وفق خصوصية كل منطقة بدلاً من التعامل مع اليمن كسوق موحدة. وأشار إلى أن المبادرات القائمة على التجمعات الاقتصادية المحلية والانخراط التدريجي يمكن أن توفر نقاط دخول مناسبة للشركات الدولية، وتسهم في الوقت نفسه في دعم التنمية الاقتصادية المحلية وتعزيز الثقة.

حدد المشاركون عدداً من القطاعات التي تمتلك فرصاً واعدة للاستثمار والتعاون مستقبلاً، من أبرزها: الزراعة والثروة السمكية. الطاقة المتجددة وتوليد الكهرباء. البنية التحتية والخدمات اللوجستية، بما في ذلك موانئ البحر الأحمر. الرعاية الصحية والخدمات الطبية. السياحة والسياحة البيئية. وأكد المتحدثون أن أزمة الكهرباء الحادة التي يعاني منها اليمن تفتح المجال أمام حلول الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

واستعرض أولاف هوفمان رئيس الغرفة ورئيس شركة دورش غلوبال الجهود الجارية لإعداد خطة رئيسية للسياحة المستدامة في جزيرة سقطرى. وأوضح أن الشركة كانت تنشط في اليمن حتى عام 2015م، وحافظت منذ ذلك الحين على روابط غير رسمية مع كوادرها المحلية. وأشار إلى أن المبادرة الحالية، المدعومة من الحكومة الألمانية، تهدف إلى تطوير السياحة المستدامة في الجزيرة مع الحفاظ على تنوعها البيولوجي الفريد. واعتبر المشروع نموذجاً تجريبياً مهماً يمكن أن يشكل مدخلاً لاستئناف الانخراط الألماني في اليمن. كما أشار إلى تزايد اهتمام المستثمرين الخليجيين والشركاء الدوليين بدعم مشاريع السياحة البيئية في سقطرى.

وقدم الدكتور محمود جابر، عرضاً للتجارب العملية الجارية في اليمن، مشيراً إلى نجاح التعاون مع عدد من المستشفيات والمؤسسات الصحية، بما في ذلك مشاريع مراكز القلب، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، والمستشفيات المتنقلة، والبنية التحتية الطبية.

وأشار الى أن تطوير القطاع الصحي لا يقتصر على إنشاء المرافق الحديثة، بل يتطلب أيضاً تعزيز القدرات المؤسسية، وضمان صيانة المنشآت الصحية، وتأمين دفع رواتب العاملين في القطاع الصحي بصورة منتظمة وأن أي دعم مستقبلي يجب أن يركز على تقوية المنظومة الصحية ككل، وليس فقط على تنفيذ المشاريع الكبرى ذات الطابع الرمزي.

اتفق المشاركون على أن اليمن يجب ألا يغيب عن اهتمام المجتمع الدولي نظراً لأهميته الاستراتيجية بالنسبة لاستقرار المنطقة وحركة التجارة العالمية. وأكد المتحدثون مراراً أن تحقيق السلام والتنمية المستدامة يتطلبان شراكات قوية واستمرار الانخراط الإقليمي والدولي.

وتركزت الأولويات التي جرى التأكيد عليها في: دعم بناء مؤسسات الدولة والإصلاح المؤسسي، تعزيز القدرات المحلية وتنمية الموارد البشرية، تشجيع استثمارات القطاع الخاص، إشراك الجاليات اليمنية في الخارج، دعم المشاريع العملية صغيرة الحجم والتجمعات الاقتصادية الإقليمية وإبقاء اليمن ضمن أولويات الاهتمام الدولي.

وفي الختام، أكد السفيرين توماس شنايدر ولؤي الإرياني أن جذب الاهتمام الدولي وخلق الفرص الاقتصادية يمثلان عنصرين أساسيين لمستقبل اليمن. كما أكدا على أن منصات الحوار مثل الملتقى الاقتصادي العربي الألماني تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الشراكات الدولية وتحديد مجالات التعاون العملي القابلة للتنفيذ.

المائدة المستديرة بعنوان: (سوريا الجديدة: رؤى وآفاق العلاقات التجارية مع الشركات الألمانية)

ادار الجلسة السيد محمد هيكل، رئيس مجموعة هيكل الى جانب مشاركة كل من: سعادة السيد كليمنس هاتخ، مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وزارة الخارجية الألمانية، سعادة السيد محمد براء شكري، القائم بالأعمال، سفارة الجمهورية العربية السورية، السيد هيلموت فون شتروفي، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنز في الإمارات والشرق الأوسط والدكتور شارلز مالك، رئيس منظمة التقنيين السوريين والسيد وليد سحاري، رئيس مجلس الأعمال السوري الألماني

ركزت المائدة المستديرة على مسار التحول الذي تمر به البلاد، وآفاق التعافي الاقتصادي، وفرص الانخراط الدولي في جهود إعادة الإعمار والتحديث. وأقر المشاركون بأن سوريا ما تزال في بداية مرحلة انتقالية طويلة ومعقدة، حيث لا تزال التحديات السياسية والاقتصادية والمؤسسية كبيرة، إلا أن هناك زخماً متزايداً نحو الاستقرار والانفتاح الاقتصادي وإعادة الاندماج الدولي.

وأكدت المناقشات أن الأولوية يجب أن تنتقل من المساعدات الإنسانية إلى التعافي الاقتصادي المستدام والتنمية بقيادة القطاع الخاص، مع التركيز على إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، وإعادة ربط سوريا بالنظام المالي الدولي، وتفعيل دور الجاليات السورية في الخارج، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار. كما تم التأكيد على الدور المحوري للخبرات السورية في الخارج، باعتبارها عنصراً أساسياً في جهود إعادة الإعمار لما تمتلكه من مهارات ورأس مال وخبرة دولية.

شدد المتحدثون على أن سوريا لا تزال في المراحل الأولى من التحول السياسي والاقتصادي، وأن مثل هذه العمليات تتطلب وقتاً طويلاً ولا يمكن توقع نتائج فورية. وأوضحوا أن تقييم التقدم يجب أن يتم في ضوء عقود من النزاع والانكماش الاقتصادي وتآكل المؤسسات.

ورغم استمرار التحديات، لاحظ المشاركون وجود إرادة قوية لدى العديد من السوريين للمساهمة في إعادة بناء بلادهم واستعادة مؤسسات الدولة. ووُصف مسار الانتقال بأنه يشمل عدة أبعاد متوازية، منها إعادة الاندماج الدولي، وتوحيد المناطق سياسياً وإدارياً، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة المجتمعية، والتعافي الاقتصادي. وأشار عدد من المشاركين إلى أن التعافي الاقتصادي يجب أن يكون المؤشر الرئيسي لقياس التقدم في سوريا، وحددوا ثلاثة محاور أساسية لذلك.

المحور الأول يتعلق بفعالية البنية التحتية الأساسية، ويمكن قياسه من خلال تحسينات في إمدادات الكهرباء، وتوافر المياه، وتشغيل النقل والمطارات، وموثوقية البنية التحتية الحيوية، وتقديم الخدمات العامة الأساسية. وقد لوحظ تحسن ملموس في توفر الكهرباء، وهو ما اعتُبر مؤشراً إيجابياً للمواطنين وقطاع الأعمال.

المحور الثاني يرتبط بالنشاط الاقتصادي والتعافي الصناعي، حيث أشار المتحدثون إلى زيادة في إعادة فتح المصانع، واستئناف الإنتاج الصناعي، وارتفاع حركة التجارة، وعودة رواد الأعمال والمستثمرين، إلى جانب إنشاء شركات وصناعات جديدة. كما تم تقديم أمثلة على مبادرات صناعية ناشئة، من بينها جهود لتطوير قطاع السيارات وتحديث المنشآت الصناعية القائمة.

أما المحور الثالث فيتعلق بقابلية الاستثمار وإمكانية الوصول إلى التمويل، حيث أكد المشاركون على ضرورة الانتقال من مذكرات التفاهم إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل. ولا تزال هناك تحديات تتعلق بضعف الوصول إلى النظام المالي الدولي، وصعوبات في الحصول على الاعتمادات المستندية، وغياب ضمانات ائتمان الصادرات والتأمين، إضافة إلى قضايا الديون غير المحسومة والقيود على التمويل الدولي. واعتُبر تقييم استدامة الديون من قبل صندوق النقد الدولي وخطط إعادة الهيكلة المقبلة خطوات مهمة نحو التطبيع الاقتصادي.

 كما أكد المتحدثون أن أهم مورد تمتلكه سوريا هو الإنسان. وتم تسليط الضوء بشكل خاص على الجالية السورية في الخارج، التي اكتسبت خبرات مهنية كبيرة وموارد مالية وتجارب دولية في أوروبا وأمريكا الشمالية ومناطق أخرى. وأُشير إلى ألمانيا كأحد أبرز الدول التي استضافت ودمجت عدداً كبيراً من السوريين، حيث يمكن لهذه الكفاءات أن تلعب دوراً محورياً في جهود إعادة الإعمار. كما تم التأكيد على أهمية تعزيز الهوية السورية المشتركة وتشجيع السوريين في الخارج على إعادة التواصل مع بلدهم والمساهمة في تطويره.

كما تم استعراض مبادرة “التقنيين السوريين” الهادفة إلى ربط المؤسسات العامة السورية بالخبرات السورية المؤهلة في الخارج. وتعمل المبادرة كجسر يربط بين المؤسسات الحكومية التي تحتاج إلى خبرات، والخبراء السوريين المقيمين في الخارج، والجهات التمويلية المحتملة. وتهدف المبادرة إلى تحديد التحديات العملية التي تواجه الوزارات والمؤسسات العامة وربطها بخبراء قادرين على تقديم الدعم إما عن بُعد أو من خلال مشاريع محددة. وأكد المشاركون أن هذا النموذج يتيح للخبرات السورية في الخارج المساهمة في إعادة الإعمار دون الحاجة إلى العودة الدائمة، بما يراعي التزاماتهم المهنية والعائلية.

وأشار المشاركون إلى تحول ملحوظ في دوافع عودة السوريين إلى بلادهم. ففي الفترة التي أعقبت التطورات السياسية الأخيرة، كانت الزيارات ذات طابع عاطفي في الغالب، وتركزت على لمّ الشمل العائلي واستعادة الذكريات. أما مؤخراً، فقد بدأ عدد متزايد من السوريين بالعودة ضمن مشاريع استثمارية وتجارية ملموسة، تشمل قطاعات مثل الرعاية الصحية والبنية التحتية وتنمية القطاع الخاص. ويُنظر إلى هذا التحول من زيارات عاطفية إلى انخراط اقتصادي فعلي كمؤشر إيجابي على تنامي الثقة في مستقبل البلاد.

وأشار عدد من المتحدثين إلى أن الدولة السورية تتجه تدريجياً نحو دور تمكيني يسمح بمشاركة أوسع للمجتمع المدني والقطاع الخاص. وتمت الإشارة إلى الزيادة الملحوظة في عدد المنظمات غير الحكومية العاملة داخل سوريا، باعتبارها مؤشراً على انفتاح أكبر في بيئة العمل المدني. ووُصفت العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والخبراء بأنها عنصر أساسي في عملية إعادة الإعمار.

وأكد المشاركون أن على الشركات الدولية ألا تركز فقط على المخاطر، بل أيضاً على الفرص الكبيرة المرتبطة بالانخراط المبكر في السوق السورية. وتشمل مجالات التعاون المحتملة، صناعة السيارات، والرعاية الصحية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، والطاقة، ونقل التكنولوجيا، والتدريب المهني، وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وشجع المتحدثون الشركات الألمانية على تبني نهج أكثر ريادة في الأعمال، والنظر إلى الشراكة مع الجانب السوري كفرصة تحقق منفعة متبادلة للطرفين.

واتفق المشاركون على أن تعافي سوريا يتطلب التزاماً طويل الأمد، وتوقعات واقعية، وتعاوناً دولياً واسع النطاق. وتم تحديد أولويات رئيسية تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، وإعادة ربط سوريا بالنظام المالي الدولي، وتعزيز مؤسسات الدولة والحوكمة، وتفعيل دور الجاليات السورية، وتشجيع الاستثمار الخاص، ودعم التعافي الصناعي وخلق فرص العمل، وتعزيز التعاون بين الدولة والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.

واختتمت المناقشات بالإشارة إلى أن مسار التحول في سوريا لا يزال هشاً والتحديات كبيرة، إلا أن التطورات الأخيرة توفر مؤشرات حذرة على التفاؤل، وأن استمرار انخراط الشركاء الدوليين والقطاع الخاص والجاليات السورية سيكون ضرورياً لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام واستقرار طويل الأمد.

وعلاوة على هذه الجلسات الحوارية شهدت اعمال الملتقى جلستين حواريتين مغلقة مع معالي الدكتور أحمد بن محمد السيد، وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية في دولة قطر، الأولى مع نخبة من مدراء الشركات الألمانية والثانية مع رؤساء الغرف التجارية العربية. كما انعقدت جلسة حوارية مغلقة حول التعاون وفرص الشراكة والاعمال في العراق بمشاركة سعادة السفير دانيال كريبر، سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى العراق، وممثلين حكوميين ألمان ومن القطاع الخاص الألماني الأعضاء في مبادرة خبراء العراق.