ارتفع مؤشر مناخ الأعمال للشركات الألمانية الصادر عن معهد (ifo) في شهر يوليو 2026م إلى 86.6 نقطة مقارنة بـ 85.7 نقطة في يونيو، وهذا هو الارتفاع الثالث على التوالي. ويُعزى هذا التحسن بشكل رئيسي إلى ارتفاع توقعات الشركات بشأن اعمالها خلال الأشهر المقبلة، رغم أن تقييمها لأوضاع اعمالها الحالية جاء أقل إيجابية. وعلى الرغم من استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات في منطقة الخليج العربي  وتأثيراتها على أسعار الطاقة والشحن، فإن الاقتصاد الألماني أظهر قدراً أقل من التشاؤم.

     في قطاع الصناعة، سجل المؤشر ارتفاعاً ملحوظاً حيث سجل في يوليو مستوى (- 9.6 نقطة) بعد ان كان عند مستوى ( -12.5 نقطة) في يونيو الماضي، ويأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بتحسن واضح في توقعات الشركات لأعمالها في المستقبل القريب. في المقابل، جاءت تقييمات الشركات لأوضاعها الحالية أقل إيجابية مقارنة بالشهر السابق. كما شهد القطاع انتعاشاً في الطلب، إلى جانب تراجع مشكلات نقص المواد الخام.

     أما في قطاع الخدمات، فقد ارتفع المؤشر أيضاً في يوليو حيث وصل الى مستوى ( -4.4 نقطة) مرتفعا من مستوى ( -5.1 نقطة) في الشهر السابق، حيث أصبحت الشركات أقل تشاؤماً بشأن الاعمال في الأشهر المقبلة، رغم أن تقييمها للوضع الحالي لأعمالها تراجع بشكل طفيف. وسجلت شركات تنظيم الرحلات السياحية تحسناً ملحوظاً في مستوى الثقة.

     كذلك سجل مؤشر الاعمال في قطاع التجارة تحسناً ملحوظاً مسجلاً مستوى ( -23.4 نقطة) في يوليو بينما كان عند مستوى ( -26.7 نقطة) في يونيو الماضي، إذ أبدت الشركات رضاً أكبر عن أعمالها الجارية، كما أصبحت توقعاتها المستقبلية أقل تشاؤماً، ولا سيما لدى شركات تجارة التجزئة التي تراجعت مخاوفها مقارنة بالفترة السابقة.

     وعلى نفس المنوال تحسن مؤشر الاعمال في قطاع البناء، حيث ارتفع المؤشر في شهر يوليو الى مستوى ( -20.4 نقطة) في حين كان عند مستوى ( -22.8 نقطة) في يونيو الماضي.  وجاء هذا الارتفاع نتيجة تحسن كل من تقييم الشركات للأوضاع الحالية لأعمالها وتوقعاتها المستقبلية، في الوقت الذي انخفض فيه عدد الشركات التي اشتكت من نقص الطلبيات والعقود.

     وفيما يتعلق بتطورات الاقتصاد الكلي، أظهر أحدث تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الاتحادي ان هنالك تحسنًا ملحوظًا في أداء قطاع الصناعة الألماني خلال شهر مايو 2026م، في إشارة إلى استمرار التعافي التدريجي للنشاط الصناعي رغم التحديات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية. وبحسب التقرير فقد ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.9 في المئة مقارنة بشهر أبريل، متجاوزًا بفارق كبير توقعات المحللين التي كانت تشير إلى نمو محدود لا يتجاوز 0.1 في المئة، وهو ما يعكس أداءً أقوى من المتوقع للقطاع. وأوضح خبراء الاقتصاد أن الأداء الإيجابي للإنتاج الصناعي في مايو يعود بالدرجة الأولى إلى النمو القوي في صناعة السيارات، إذ ارتفع إنتاج هذا القطاع بنسبة 3.6 في المئة مقارنة بالشهر السابق، ليشكل المحرك الرئيسي لارتفاع الإنتاج الصناعي الإجمالي.

     من جانبه، رأى ينس-أوليفر نيكلاش، كبير الاقتصاديين في بنك LBBW، أن الأرقام تعكس استمرار الانتعاش التدريجي للصناعة الألمانية، مشيرًا إلى أن هذه النتائج تُعد إيجابية بالنظر إلى أنها تغطي فترة الحرب على إيران، التي اتسمت بارتفاع كبير في مستويات عدم اليقين. وأضاف أنه من المرجح ألا يكون الاقتصاد الألماني قد سجل انكماشًا خلال الربع الثاني من العام، وهو ما اعتبره تطورًا إيجابيًا.

     في المقابل، أبدى يورغ كريمر، كبير الاقتصاديين في Commerzbank، قدرًا أكبر من التحفظ، معتبرًا أن الزيادة المسجلة في مايو لا تغير حقيقة أن الإنتاج الصناعي الألماني لا يزال يتحرك أفقيًا عند مستويات منخفضة. وأضاف كريمر أن آفاق النمو ستظل محدودة، موضحًا أن حزمة الإصلاحات التي أقرتها الحكومة الألمانية، رغم ما تتضمنه من خطوات إيجابية، لم تنجح حتى الآن في تحسين جاذبية ألمانيا كموقع اقتصادي بصورة جوهرية، كما أن الضغوط المتزايدة الناتجة عن المنافسة الصينية لا تزال تلقي بثقلها على الصناعة الألمانية.

     في سياق متصل، واصلت الصادرات الألمانية أداءها الإيجابي خلال شهر مايو 2026م، مسجلة نمواً للشهر الرابع على التوالي، في تطور يعزز الآمال بإمكانية تعافي أكبر اقتصاد أوروبي، وجاء هذا الأداء الإيجابي مدفوعاً بالدرجة الأولى بزيادة قوية في الصادرات إلى الولايات المتحدة، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية الناجمة عن الحرب على إيران وما صاحبها من ارتفاع في أسعار الطاقة. وأعلن مكتب الاحصاء الاتحادي أن قيمة الصادرات ارتفعت بنسبة 0.9 في المئة خلال مايو مقارنة بالشهر السابق، لتصل إلى 137.9 مليار يورو، فيما سجلت زيادة سنوية بلغت 6.1 في المئة مقارنة بمايو 2025م. وجاءت هذه النتائج مخالفة لتوقعات معظم الاقتصاديين الذين كانوا يرجحون حدوث تراجع طفيف في الصادرات.

     ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه البيانات تعكس تحسناً ملحوظاً في أداء الاقتصاد الألماني. حيث قال توماس غيتسل، كبير الاقتصاديين في بنك VP Bank في ليختنشتاين، إن شهر مايو كان “شهراً جيداً للاقتصاد الألماني”، معتبراً أن المخاوف من تعرض الاقتصاد لركود خلال الربع الثاني من العام قد لا تتحقق في ضوء المؤشرات الاقتصادية الإيجابية الأخيرة. وشهدت الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة أكبر معدل نمو بين الشركاء التجاريين الرئيسيين، إذ بلغت قيمتها 14.1 مليار يورو، بزيادة قدرها 23.1 في المئة مقارنة بشهر أبريل، كما ارتفعت بأكثر من 15 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. ويعزو ألكسندر كروغر، كبير الاقتصاديين في بنك ABN Amro، هذا الأداء إلى استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي حافظ على الطلب المرتفع على المنتجات الألمانية. ولم يقتصر النمو على السوق الأمريكية، إذ ارتفعت الصادرات الألمانية إلى الصين بنسبة 7.1 في المئة مقارنة بشهر أبريل لتبلغ 6.2 مليار يورو، وفي المقابل، تراجعت الصادرات إلى دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.1 في المئة لتبلغ 78.3 مليار يورو، مما يعكس استمرار ضعف الطلب داخل السوق الأوروبية.

     وفي جانب الواردات، بلغت قيمة السلع المستوردة إلى ألمانيا 118.8 مليار يورو خلال مايو. ورغم انخفاضها بنسبة 2.5 في المئة مقارنة بأبريل، فإنها ارتفعت بنسبة 6.9 في المئة على أساس سنوي. وظلت الصين أكبر مورد للسلع إلى ألمانيا، حيث بلغت قيمة الواردات منها 15.1 مليار يورو، بزيادة قدرها 2 في المئة مقارنة بالشهر السابق، بينما ارتفعت الواردات من الولايات المتحدة بنسبة 11.5 في المئة لتصل إلى 9.5 مليار يورو. وأدى هذا التطور إلى ارتفاع فائض الميزان التجاري الألماني إلى 19.1 مليار يورو خلال مايو، مقارنة بـ 14.7 مليار يورو في أبريل، وهو ما يعكس تحسناً واضحاً في التجارة الخارجية.

     ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يكون أداء مايو كافياً لدفع الناتج المحلي الإجمالي إلى تسجيل نمو جديد في الربع الثاني، حتى في حال حدوث تراجع محدود خلال شهر يونيو.  وكان الاقتصاد الألماني قد حقق نمواً بنسبة 0.3 في المئة في الربع الأول من عام 2026م، بينما كانت توقعات العديد من المحللين تشير إلى احتمال دخول الاقتصاد في حالة ركود أو تسجيل نمو صفري بسبب تداعيات الحرب على إيران.

سوق العمل: تراجع محدود في البطالة وتقاعد ثلث القوى العاملة حتى 2040م

     أعلنت وكالة العمل الاتحادية أن سوق العمل في ألمانيا أنهى فترة الانتعاش الموسمي خلال الربيع بوتيرة متحفظة في ظل استمرار ضعف ديناميكية التوظيف وتراجع محدود في معدلات البطالة. ووفقاً لبيانات شهر يونيو 2026م، انخفض عدد العاطلين عن العمل بمقدار 15 ألف شخص مقارنة بالشهر السابق ليصل إلى 2.936 مليون عاطل، فيما تراجعت نسبة البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية لتبلغ 6.2 في المئة. وعلى أساس سنوي، ارتفع عدد العاطلين بنحو 22 ألف شخص مقارنة بشهر يونيو 2025م، في حين بقي معدل البطالة مستقراً عند 6.2 في المئة دون تغيير عن العام الماضي.

     وفي تعليقها على بيانات سوق العمل لشهر يونيو، قالت Andrea Nahles، رئيسة مجلس إدارة وكالة العمل الاتحادية، إن سوق العمل لا يشهد تغيرات جوهرية، مشيرة إلى أن انخفاض أعداد العاطلين عن العمل لا يزال محدودًا للغاية.

     أما فيما يخص العمل بدوام مختصر (Kurzarbeit)، فقد بلغ عدد المسجلين الجدد في البرنامج خلال الفترة من الأول وحتى 24 يونيو نحو 26 ألف عامل. وتشير أحدث البيانات المتاحة حتى أبريل 2026م إلى أن نحو 133 ألف موظف حصلوا على إعانات العمل بدوام مختصر، وهو ما يمثل انخفاضاً قدره 17 ألف شخص مقارنة بالشهر السابق، وتراجعاً كبيراً بلغ 101 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وفيما يتعلق بالطلب على العمالة، أوضحت وكالة العمل الاتحادية أن الطلب استقر بشكل عام عند مستوى منخفض. فقد بلغ عدد الوظائف الشاغرة المسجلة لديها خلال يونيو 648 ألف وظيفة، بزيادة 16 ألف وظيفة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

     في سياق متصل، تواجه ألمانيا خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة تحديًا ديموغرافيًا واقتصاديًا كبيرًا يتمثل في خروج أعداد غير مسبوقة من القوى العاملة إلى التقاعد، مع اقتراب جيل “الطفرة السكانية” (Baby Boomers) من بلوغ سن التقاعد القانوني. ووفقًا للنتائج الأولية للتعداد المصغر لعام 2025م الصادرة عن مكتب الإحصاء الاتحادي (Destatis)، فإن نحو 13.3 مليون شخص من القوى العاملة الحالية سيتجاوزون سن التقاعد البالغ 67 عامًا بحلول عام 2040م، وهو ما يعادل قرابة 30 في المئة من إجمالي القوى العاملة في البلاد، الأمر الذي ينذر باتساع فجوة العمالة وتزايد الضغوط على الاقتصاد الألماني.

     وتشير البيانات إلى أن الأجيال الشابة لن تكون قادرة من حيث الحجم العددي على تعويض خروج هذه الأعداد الكبيرة من سوق العمل، إذ بلغ عدد العاملين من الفئة العمرية بين 60 و64 عامًا نحو 4.5 مليون شخص في عام 2025م، فيما وصل عدد العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و59 عامًا إلى نحو 5.5 مليون شخص، بينما لا تصل أي من الفئات العمرية الأصغر إلى هذا الحجم، وهو ما يعكس التغيرات الديموغرافية العميقة التي يشهدها المجتمع الألماني.

     وفي مواجهة هذا الواقع الديموغرافي المتغير، يتزايد الجدل في ألمانيا حول أهمية تعزيز مشاركة كبار السن في سوق العمل باعتبارها أحد الحلول العملية للتخفيف من النقص المتزايد في العمالة الماهرة. فمع استمرار انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر المتوقع، تتزايد الضغوط على سوق العمل ونظام الضمان الاجتماعي، الأمر الذي يدفع صناع القرار إلى البحث عن آليات تضمن الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الفئات العمرية الأكبر سنًا، بدلاً من خروجها المبكر من سوق العمل. وتشير الإحصاءات إلى أن مشاركة كبار السن في سوق العمل شهدت بالفعل تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر ضمن القوى العاملة من 20.7 في المئة عام 2015م إلى نحو 27 في المئة في عام 2025م، وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في هيكل سوق العمل الألماني. كما ارتفعت نسبة العاملين الذين تجاوزوا سن الخامسة والستين من 2.5 في المئة إلى 4.3 في المئة خلال الفترة نفسها.

     ويرتبط هذا التطور إلى حد كبير بالإصلاحات التي أدخلتها الحكومة الألمانية على نظام التقاعد، وفي مقدمتها الرفع التدريجي لسن التقاعد القانوني إلى 67 عامًا، إلى جانب التوسع في أنماط العمل المرنة والعمل الجزئي، بما يتيح لكبار السن الاستمرار في ممارسة نشاطهم المهني بما يتناسب مع أوضاعهم الصحية والاجتماعية. كما بدأت العديد من الشركات الألمانية في إعادة النظر في سياسات التوظيف وإدارة الموارد البشرية، من خلال توفير برامج للتدريب المستمر، وتهيئة بيئة عمل أكثر مرونة، بما يساعد على الاحتفاظ بالموظفين ذوي الخبرة لفترات أطول.            

الحكومة الألمانية تُقر مشروع موازنة 2027م: زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي وارتفاع الديون

     وافقت الحكومة الألمانية على مشروع الموازنة العامة لعام 2027م، لتبدأ بذلك رسمياً إجراءات إقرارها داخل البرلمان الاتحادي (البوندستاج)، إلا أن خطة الموازنة الجديدة أثارت جدلاً سياسياً واقتصادياً واسعاً بسبب اعتمادها على زيادة كبيرة في الاقتراض العام، ورفع الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، مقابل تقليص مخصصات صندوق المناخ والتحول في الطاقة وإجراء تخفيضات في عدد من بنود الإنفاق الاجتماعي. وتبلغ قيمة الموازنة المقترحة 555.4 مليار يورو، مقارنة بـ 524.5 مليار يورو في موازنة العام الجاري، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن التحديات الأمنية والاقتصادية تفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

     ويخصص مشروع الموازنة نحو 109.7 مليار يورو لوزارة الدفاع في عام 2027م، أي بزيادة تقارب الثلث مقارنة بموازنة عام 2026م، في إطار مواصلة تعزيز قدرات الجيش الألماني في مواجهة التهديدات الأمنية، ولا سيما في ظل الحرب الروسية مع أوكرانيا. كما رصدت الحكومة نحو 11.6 مليار يورو لدعم أوكرانيا.

     ولتمويل هذه الزيادات، تخطط الحكومة لرفع صافي الاقتراض الجديد إلى 118.7 مليار يورو في عام 2027م، بعد أن كان مقرراً أن يبلغ 98 مليار يورو في عام 2026م، إضافة إلى اقتراض جديد من الصناديق الخاصة المخصصة للبنية التحتية والحياد المناخي والدفاع، ما يرفع إجمالي الديون الجديدة إلى أكثر من 200  مليار يورو خلال العام المقبل، مع توقع ارتفاعها إلى 219.5  مليار يورو بحلول عام 2030م. كما تعتزم الحكومة استثمار 117.5 مليار يورو في مشاريع البنية التحتية، تشمل تحديث الجسور والطرق وشبكات السكك الحديدية والمنشآت المتقادمة.

     ودافع لارس كلينغبايل، وزير المالية الألماني عن سياسة الاقتراض الجديدة، مؤكداً أن الظروف الأمنية الحالية لا تسمح بالتمسك بسياسة “الصفر الأسود” التي تقوم على تحقيق موازنة متوازنة دون ديون، وقال إن “ألمانيا لا تستطيع الدفاع عن نفسها في مواجهة بوتين بسياسة الصفر الأسود”، مشيراً إلى أن التهديدات الروسية تستوجب زيادة الإنفاق الدفاعي. وأضاف أن الحكومة اضطرت أيضاً إلى خفض توقعاتها للنمو الاقتصادي نتيجة تداعيات حرب إيران، الأمر الذي سينعكس على انخفاض الإيرادات الضريبية مقارنة بالتوقعات السابقة.

     وتتضمن الموازنة الجديدة أيضاً إجراءات لتقليص الإنفاق، من بينها خفض التمويل المخصص لصندوق المناخ والتحول، وتقليص مساهمات الحكومة الاتحادية في نظامي التأمين التقاعدي والتأمين الصحي القانوني، إلى جانب فرض رسم جديد على المنتجات البلاستيكية، ورفع الضرائب على التبغ والمشروبات الكحولية والنبيذ، فضلاً عن سحب نحو 6.8 مليارات يورو من الاحتياطيات المالية. كما يقضي المشروع باستخدام جزء من عائدات رسوم الانبعاثات الكربونية، التي كانت تذهب بالكامل إلى صندوق المناخ والتحول، لدعم الموازنة العامة، بقيمة تبلغ 2.7 مليار يورو، مع تأكيد وزارة المالية أن برامج الدعم التي سبق التعهد بها لن تُمس.

     وأثارت الخطة المالية انتقادات حادة من الأوساط الاقتصادية، إذ اعتبرت تانيا غونر، المديرة التنفيذية لاتحاد الصناعات الألمانية، أن الزيادات الكبيرة في الإنفاق والديون “مقلقة للغاية”، مؤكدة أن الحكومة، رغم ارتفاع الإيرادات الضريبية والاقتراض الضخم، لم تتمكن من تقديم موازنة تتسم بالاستدامة المالية. كما انتقدت ماري-كريستين أوسترمان، رئيسة اتحاد الشركات العائلية، توجه الحكومة إلى استنزاف الاحتياطيات ورفع الضرائب واستخدام وسائل محاسبية لنقل الأموال بين البنود بدلاً من تنفيذ إصلاحات حقيقية وترشيد الإنفاق. 

     وفي ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة، أقرت الحكومة بوجود فجوات تمويلية متنامية، إذ تشير تقديراتها إلى عجز يبلغ 22 مليار يورو في عام 2028م، يرتفع إلى 38 مليار يورو في عام 2029م، ثم إلى 47 مليار يورو في عام 2030م، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى الارتفاع الكبير في تكاليف خدمة الدين، حيث يتوقع ان ترتفع نفقات الفوائد على الديون على مستوى الحكومة الاتحادية  الى الضعف،  إذ سترتفع من 41.9 مليار يورو عام 2027م إلى 80.7 مليار يورو بحلول العام 2030م. ولمواجهة هذه الضغوط، تنوي الحكومة تأجيل بدء سداد القروض الممولة من الصندوق الخاص بالجيش الألماني من عام 2031م إلى 2033م، بما يوفر هامشاً مالياً أوسع خلال السنوات المقبلة.

     وبعد اقرار مجلس الوزراء لمشروع الميزانية، سينتقل مشروع الموازنة إلى البرلمان الألماني (البوندستاج) لمناقشته خلال الأشهر المقبلة، على أن يصوت على إقراره النهائي في نهاية شهر نوفمبر القادم، مع توقع إدخال تعديلات على الصيغة الحالية خلال المناقشات البرلمانية.                                                                                                                                                              

الائتلاف الحاكم في ألمانيا يقر حزمة إصلاحات واسعة لتحديث الاقتصاد وإعادة هيكلة نظامي الضرائب والضمان الاجتماعي

     توصل الائتلاف الحكومي الألماني، المؤلف من الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، إلى اتفاق بشأن حزمة إصلاحات شاملة تضم 34 بنداً، في خطوة تهدف إلى تحديث ألمانيا، وتحفيز النمو الاقتصادي، وضمان استدامة دولة الرفاه الاجتماعي، وذلك في وقت تراجعت فيه ثقة المواطنين بقدرة الحكومة على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد. وتتضمن الحزمة إصلاحات واسعة في مجالات الضرائب وسوق العمل والتقاعد والرعاية الصحية والحد من البيروقراطية، إلى جانب إجراءات لدعم القطاعات الصناعية المستقبلية.

     في مجال الضرائب، قررت الحكومة تخفيف الأعباء المالية عن الملايين من دافعي الضرائب اعتباراً من الأول من يناير 2027م، عبر رفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة، وزيادة الإعفاءات الضريبية المخصصة للأطفال، ورفع قيمة إعانة الأطفال، وزيادة الخصم الضريبي للموظفين، فضلاً عن تخفيف حدة التصاعد الضريبي على ضريبة الدخل. وتركز هذه الإجراءات على أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، إذ ستستفيد، على سبيل المثال، أسرة عاملة لديها طفلان ويبلغ دخلها السنوي الخاضع للضريبة 60 ألف يورو من تخفيضات ضريبية قد تصل إلى 600 يورو سنوياً. وتقدر الحكومة إجمالي كلفة هذه التسهيلات الضريبية بنحو عشرة مليارات يورو.

     وفي المقابل، سيتم تشديد ما يعرف بـ”ضريبة الأثرياء”، بحيث يبدأ تطبيق معدل الضريبة البالغ 45 في المئة على الدخول السنوية الخاضعة للضريبة التي تتجاوز 250 ألف يورو بدلاً من الحد الحالي، فيما سترتفع النسبة إلى 47 في المئة لمن تزيد دخولهم على 280 ألف يورو سنوياً. وفي الوقت ذاته، استبعدت الحكومة أي زيادة في ضرائب الميراث أو الثروة. كما تقرر رفع الضريبة الموحدة المفروضة على الوظائف الصغيرة (Mini-Jobs) من 2 في المئة إلى 5 في المئة، إلى جانب تقليص الامتيازات الضريبية المرتبطة بخصم تكاليف أعمال الحرف والصيانة المنزلية.

     وفي سوق العمل، تنص الإصلاحات على إلغاء إمكانية الحصول على الإجازة المرضية عبر الهاتف، وتشديد العقوبات على إصدار شهادات مرضية غير صحيحة، مع إلزام الموظفين بتقديم الشهادة الطبية اعتباراً من اليوم الأول للمرض. ولزيادة مرونة سوق العمل، سيسمح مستقبلاً بإبرام عقود عمل محددة المدة دون الحاجة إلى مبرر لمدة تصل إلى 48 شهراً، وهو ما يمثل ضعف المدة المسموح بها حالياً. وستطبق هذه القواعد على العاملين الذين يتم توظيفهم حتى نهاية عام 2030م. في المقابل، تراجعت الحكومة عن مقترحات كانت مطروحة سابقاً بشأن زيادة مرونة ساعات العمل.

     كما أقرت الحكومة تسهيلات لإنهاء عقود العمل بالنسبة لأصحاب الدخول المرتفعة مع إمكانية الحصول على تعويضات مالية، مع منح مزايا ضريبية لهذه التعويضات إذا انتقل الموظف بسرعة إلى وظيفة جديدة، بهدف تشجيع التنقل السريع داخل سوق العمل. وشملت الإجراءات أيضاً زيادة الإعفاءات الضريبية الخاصة بمكافآت العمل في أيام الأحد والعطل الرسمية، وإعفاء بعض هذه البدلات، إذا كانت منصوصاً عليها في الاتفاقيات الجماعية، من اشتراكات الضمان الاجتماعي بالكامل. وفي إطار مكافحة نقص العمالة المؤهلة، تعتزم الحكومة إطلاق برنامج يحمل اسم “الفرصة الثانية” لمساعدة الشباب الذين لم يكملوا تعليمهم المدرسي أو تدريبهم المهني على العودة إلى مسارات التعليم والتأهيل.

     وعلى صعيد السياسة الاقتصادية، تعهدت الحكومة بدعم الصناعات المستقبلية بصورة مكثفة، وفي مقدمتها صناعة السيارات والصناعات الكيميائية والدوائية وتقنيات الطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري، وصناعة الآلات والمعدات وإنتاج البطاريات وأشباه الموصلات، إضافة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي.

    أما في ملف التقاعد، فقد تبنت الحكومة بالكامل توصيات لجنة إصلاح نظام المعاشات التقاعدية. ويعد إنشاء نظام “التقاعد الرأسمالي” أحد أبرز عناصر الإصلاح، حيث سترتفع مساهمات التقاعد التي يدفعها العامل وصاحب العمل معاً بما يصل إلى نقطتين مئويتين. كما ينص البرنامج على رفع سن التقاعد القانوني تدريجياً إلى ما بعد 67 عاماً خلال العقود المقبلة، وإلغاء إمكانية التقاعد المبكر دون اقتطاعات لمن أمضوا 45 عاماً في العمل، مع منع التقاعد قبل سن 64 عاماً حتى في حال قبول تخفيض قيمة المعاش. ومن المقرر أيضاً إعادة تفعيل ما يعرف بـ”عامل الاستدامة” اعتباراً من عام 2031م، بما يؤدي إلى تقليص وتيرة الزيادات السنوية في المعاشات، فضلاً عن إدخال العاملين لحسابهم الخاص والسياسيين ضمن نظام التقاعد القانوني، في حين سيظل الموظفون الحكوميون خارج هذا النظام.

     وفي قطاع الرعاية الصحية، تهدف الإصلاحات إلى منع ارتفاع اشتراكات التأمين الصحي مستقبلاً عبر تخفيض الإنفاق الصحي، بما يوفر ما لا يقل عن 16.3 مليار يورو بحلول عام 2027م، وذلك من خلال فرض قيود على الإنفاق في العيادات والمستشفيات وقطاع الصناعات الدوائية. وفي المقابل، سيتحمل المؤمن عليهم أعباء إضافية، من بينها زيادة المساهمات الشخصية عند شراء الأدوية، وتشديد شروط التأمين المجاني للزوج أو الزوجة ضمن التأمين الصحي العائلي.

استثمار ألماني ضخم لتعزيز سيادة أوروبا في صناعة الرقائق الإلكترونية

     في خطوة تعكس الطموحات الألمانية والأوروبية لتعزيز استقلالها التكنولوجي وتقليص اعتمادها على سلاسل الإمداد الخارجية، افتتحت شركة Infineon Technologies الألمانية، بداية شهر يوليو الجاري، مصنعها الجديد لإنتاج أشباه الموصلات في مدينة Dresden، وهو أحد أكبر المشروعات الصناعية في تاريخ الشركة وأحد أكثر مصانع الرقائق الإلكترونية تطورًا على مستوى العالم.

     ويأتي افتتاح المصنع، الذي يحمل اسم Smart Power Fab، في توقيت يشهد ارتفاعًا غير مسبوق في الطلب العالمي على الرقائق الإلكترونية، مدفوعًا بالتوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتحول نحو السيارات الكهربائية، والاعتماد المتزايد على مراكز البيانات والتقنيات الرقمية الحديثة. كما يتزامن مع جهود أوروبية واسعة لتعزيز الأمن الصناعي والتكنولوجي وتقليل الاعتماد على الموردين في آسيا والولايات المتحدة في قطاع يعد من أكثر القطاعات استراتيجية في الاقتصاد العالمي.

     وتمكنت شركة Infineon من إنجاز المشروع قبل الموعد المحدد بنحو ثلاثة أشهر، في مؤشر على الأهمية التي توليها الشركة لتسريع زيادة قدراتها الإنتاجية لمواكبة النمو المتسارع في الأسواق العالمية. ويعد المصنع الجديد امتدادًا لمجمع إنفينيون الصناعي في دريسدن، الذي ينتج بالفعل نحو ثلث الرقائق الإلكترونية المصنعة داخل أوروبا، ما يجعل المدينة أحد أهم مراكز صناعة أشباه الموصلات في القارة، ويعزز مكانتها ضمن ما يعرف بـ”وادي السيليكون الأوروبي” في ولاية ساكسونيا.

     ووفقًا للشركة، فإن مصنع ” Smart Power Fab” يمثل واحدًا من أحدث منشآت تصنيع أشباه الموصلات عالميًا، سواء من حيث البنية الهندسية أو تقنيات الإنتاج المستخدمة. ومن المقرر أن ينتج المصنع رقائق إلكترونية على رقاقات سيليكون بقطر 300 مليمتر، وهي التقنية الأكثر تطورًا وكفاءة في صناعة أشباه الموصلات، إذ تسمح بإنتاج عدد أكبر من الشرائح الإلكترونية في كل دورة تصنيع، بما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج ورفع الطاقة الإنتاجية.

     ومع التوسعة الجديدة، تسعى الشركة إلى تلبية احتياجات أربع قطاعات رئيسية ترى أنها ستقود الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، وهي: التحول في مجال الطاقة، والتنقل الكهربائي، وإنترنت الأشياء، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

     وتبلغ قيمة الاستثمار في المصنع الجديد نحو خمس مليارات يورو، ما يجعله أكبر استثمار منفرد تنفذه Infineon في موقعها بمدينة دريسدن. ولم تعتمد الشركة على تمويلها الذاتي فقط، إذ يحظى المشروع بدعم حكومي ألماني وأوروبي كبير في إطار قانون الرقائق الأوروبي، حيث حصل على تمويل عام بقيمة 920 مليون يورو بعد موافقة المفوضية الأوروبية  في فبراير 2025م. ويشارك في هذا الدعم كل من الحكومة الألمانية وحكومة ولاية ساكسونيا، في إطار استراتيجية أوروبية تهدف إلى إعادة بناء القدرات الصناعية للقارة في قطاع أشباه الموصلات، بعد أن كشفت أزمات السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال جائحة كورونا، مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتماد الصناعات الأوروبية على الإنتاج الآسيوي.

     وترى Infineon أن المصنع الجديد سيعزز مرونة سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية، خاصة في قطاعات الطاقة وصناعة الآلات والمعدات وصناعة السيارات، كما سيسهم في دعم ما تصفه الشركة بـ”السيادة الرقمية الأوروبية” عبر توفير مكونات أساسية لمراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية داخل القارة. وجاء تسريع افتتاح المصنع في ظل الانتعاش الكبير الذي يشهده سوق الرقائق الإلكترونية نتيجة الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

     وكانت Infineon قد أعلنت في وقت سابق من العام الجاري زيادة استثماراتها المخصصة للسنة المالية الحالية، موضحة أن الجزء الأكبر من هذه الأموال سيُستخدم لتسريع رفع الطاقة الإنتاجية للمصنع الجديد، استعدادًا لتلبية الطلب المتوقع خلال السنوات المقبلة. وتراهن الشركة على استمرار النمو القوي في احتياجات الأسواق العالمية، ليس فقط في مجال الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا في قطاعات السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والأتمتة الصناعية، وإنترنت الأشياء، وهي جميعها تعتمد بصورة متزايدة على الرقائق الإلكترونية المتخصصة.

     ومن المنتظر أن يوفر المصنع نحو ألف فرصة عمل جديدة داخل Infineon، وهو رقم يمثل إضافة مهمة إلى القوة العاملة للشركة، التي يبلغ عدد موظفيها نحو 56.5 ألف موظف حول العالم وفق أحدث تقرير مالي. غير أن الأثر الاقتصادي للمشروع يتجاوز الوظائف المباشرة، إذ يتوقع أن يؤدي إلى خلق آلاف فرص العمل الإضافية لدى الشركات الموردة، ومقدمي الخدمات، وشركاء التصنيع في المنطقة.