بعد التراجع الذي شهده مؤشر ifo لمناخ الاعمال للشركات الألمانية خلال شهري مارس وأبريل، ارتفع المؤشر في مايو إلى 84.9 نقطة، مقارنة بـ 84.5 نقطة في أبريل الماضي.  حيث أبدت الشركات قدراً أكبر من الرضا عن أوضاع أعمالها الحالية، كما أصبحت نظرتها إلى مستوى الاعمال المتوقع خلال الأشهر المقبلة أقل تشاؤماً. ويعكس ذلك مؤشرات أولية على استقرار الاقتصاد الألماني في المدى القريب، غير أن هذا الاستقرار لا يزال عرضة للمخاطر والتقلبات، مما يدل على استمرار هشاشة الوضع الاقتصادي.

     في قطاع الصناعة، تحسن مناخ الأعمال بشكل محدود، حيث ارتفع المؤشر في شهر مايو الى مستوى ( -15 نقطة) بعد ان كان عند مستوى ( -15.4 نقطة) في أبريل الماضي. ويعود ذلك إلى تقييمات أكثر إيجابية للشركات للوضع الراهن للأعمال. على الرغم من ازياد التشاؤم بمستوى الاعمال خلال الفترة القادمة وأيضا تراجع عدد الطلبيات الجديدة.

     أما في قطاع الخدمات، فقد سجل المؤشر ارتفاعاً ملحوظاً في شهر مايو عند مستوى ( -6.9 نقطة) مقابل مستوى ( -11 نقطة) في الشهر السابق، واتى هذا التحسن بعد التراجع الحاد الذي شهده مناخ الاعمال في هذا القطاع خلال الشهرين الماضيين. حيث قيّمت الشركات أوضاع أعمالها الجارية بصورة أفضل نسبياً. وتحسنت توقعاتها للأعمال خلال الأشهر القادمة، فبالرغم من استمرار الضغوط في قطاع الخدمات اللوجستية، فإن الوضع لم يعد بنفس المستوى من السوء كما كان في الشهر السابق. وينطبق الأمر ذاته على قطاع السياحة.

     وعلى نفس المنوال عاد مناخ الاعمال في قطاع التجارة إلى التحسن، فقد سجل المؤشر في مايو مستوى ( -30 نقطة) مرتفعا من مستوى ( -32.6 نقطة) في أبريل الماضي. حيث أبدت الشركات رضاً أكبر عن الوضع الحالي، كما تراجع مستوى التشاؤم بشأن التوقعات المستقبلية. ومع ذلك، لا تزال الأوضاع هشة في كل من تجارة الجملة والتجزئة بسبب استمرار إحجام المستهلكين عن الإنفاق والشراء.

     وعلى عكس اتجاه التحسن، تراجع مناخ الاعمال في قطاع البناء بشكل طفيف في مايو مسجلا مستوى ( -24.3 نقطة) بينما كان عند مستوى ( -23.8 نقطة) في ابريل الماضي. وكان هذا التراجع نتيجة التقييم الأقل إيجابية للوضع الحالي للأعمال. وبالرغم من تحسن التوقعات المستقبلية بعض الشيء بعد الانخفاض الذي شهدته في الشهر السابق. الا ان الشركات لا تزال تنظر إلى المستقبل بدرجة من الحذر والتشكك.

     في سياق متصل خفض مجلس الخبراء الاقتصاديين الألمان، المعروف بـ«حكماء الاقتصاد»، توقعاته لنمو الاقتصاد الألماني بصورة ملحوظة في تقريره الاقتصادي للربيع، محذراً من أن تداعيات الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الزيادة المتوقعة في أعباء التأمينات الاجتماعية، ستؤثر سلباً على أداء الاقتصاد الألماني خلال السنوات المقبلة. ووفقاً للتقرير، يتوقع المجلس أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنسبة 0.5 في المئة فقط خلال عام 2026م، مقارنة بتوقعاته السابقة الصادرة في نوفمبر 2025م والتي كانت تشير إلى نمو قدره 0.9 في المئة. أما بالنسبة لعام 2027م، فتشير التقديرات إلى نمو محدود يبلغ 0.8 في المئة.  ويرى الخبراء أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب الإيرانية يمثل عاملاً رئيسياً وراء هذا التخفيض في التوقعات، إذ أدى إلى إضعاف النشاط الاقتصادي في وقت كان الاقتصاد الألماني يعاني فيه أساساً من تباطؤ واضح. كما أن الحكومة الألمانية والمفوضية الأوروبية قامتا مؤخراً بخفض توقعاتهما للنمو الاقتصادي في ألمانيا للأسباب نفسها.

     وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة انعكس مباشرة على معدلات التضخم والقوة الشرائية للأسر. فبحسب التوقعات الجديدة، سيرتفع معدل التضخم في ألمانيا إلى 3 في المئة خلال عام 2026م، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 2.8 في المئة في عام 2027م، وذلك بعد أن بلغ المتوسط 2.2 في المئة في عام 2025م. ويؤكد المجلس أن زيادة تكاليف الطاقة لا تضر بالمستهلكين فقط، بل تفرض أيضاً أعباء إضافية على الشركات، ما يؤدي إلى مزيد من التراجع في الإنتاج الصناعي ويحد من الاستثمارات الخاصة. وفي المقابل، من المتوقع أن تسهم النفقات الحكومية المقررة ضمن حزمة التمويل الخاصة بالدفاع والبنية التحتية في تقديم دعم محدود للنشاط الاقتصادي.

     وركز تقرير الربيع بصورة خاصة على التحديات الهيكلية التي تواجه أنظمة التأمينات الاجتماعية في ألمانيا. فمع استمرار شيخوخة المجتمع وتزايد أعداد المتقاعدين، ترتفع نفقات التأمينات الاجتماعية بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات الناتجة عن الاشتراكات. ويتوقع الخبراء أن يرتفع إجمالي تكاليف التأمينات الاجتماعية إلى ما يقارب 50 في المئة من الميزانية العامة للدولة بحلول عام 2040م. ويرى المجلس أن هذا التطور سيصبح عبئاً متزايداً على الاقتصاد الوطني، إذ سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف العمل بالنسبة للشركات، وانخفاض صافي دخول الأسر، وبالتالي تراجع الاستهلاك الخاص. كما تشير الحسابات إلى أن الزيادة المتوقعة في الاشتراكات ستخفض الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنسبة تتراوح بين 0.5 في المئة و0.9 في المئة بحلول عام 2035م.

     وتظهر الدراسات الواردة في التقرير أن الأجيال الشابة ستتحمل خلال حياتها المهنية نسبة أكبر بكثير من دخلها لصالح تمويل أنظمة التأمينات الاجتماعية مقارنة بالأجيال السابقة. ومن هذا المنطلق دعا المجلس إلى تبني إصلاحات هيكلية واسعة تهدف إلى الحد من نمو النفقات الاجتماعية وضمان استدامة التمويل على المدى الطويل.  وفي السياق ذاته، تستعد الحكومة الائتلافية الألمانية الحالية لإطلاق حزمة إصلاحات واسعة قبل العطلة الصيفية تشمل إصلاح نظام الرعاية طويلة الأجل، وإصلاح ضريبة الدخل بهدف تخفيف الأعباء عن أصحاب الدخول الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى إصلاح نظام التقاعد. إلا أن تفاصيل هذه الإصلاحات وآليات تمويلها لا تزال محل نقاش سياسي واسع ولم يتم التوصل إلى توافق نهائي بشأنها حتى الآن.

     من جانبها خفّضت المفوضية الأوروبية في توقعاتها الاقتصادية للربيع تقديراتها لنمو الاقتصاد الألماني خلال عام 2026م إلى النصف تقريباً، متوقعةً أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً لا يتجاوز 0.6 في المئة، وذلك نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الإيرانية. كما تتوقع المفوضية أن يرتفع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 3 في المئة خلال عام 2026م. ولم يقتصر خفض التوقعات على ألمانيا وحدها، بل شمل الاقتصاد الأوروبي ككل. فقد خفّضت المفوضية توقعاتها لنمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي من 1.4 في المئة إلى 1.1 في المئة، كما خفّضت توقعاتها لنمو اقتصادات الدول الـ 21 الأعضاء في منطقة اليورو إلى 0.9 في المئة.

سوق العمل: تراجع عدد العاطلين الى ما دون 3 ملايين والعمل بدوام جزئي يتزايد  

     لأول مرة منذ ديسمبر 2025م، انخفض عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا في شهر مايو 2026م مجددًا إلى ما دون حاجز الثلاثة ملايين، وفقًا لما أعلنته وكالة العمل الاتحادية (BA). حيث كان هناك في مايو نحو 2.95 مليون شخص بدون عمل على مستوى البلاد، أي بانخفاض قدره 58 ألفًا مقارنة بالشهر السابق. ومع ذلك، وبالمقارنة مع شهر مايو 2025م، فإن عدد العاطلين عن العمل أعلى بمقدار 31 ألف شخص. كما بلغ معدل البطالة في مايو2026م 6.3 في المئة، أي أقل بمقدار 0.1 نقطة مئوية مقارنة بشهر أبريل، لكنه أعلى بمقدار 0.1 نقطة عن معدل البطالة مقارنة بنفس الشهر من العام السابق.

     وصرحت Andrea Nahles، رئيسة وكالة العمل الاتحادية إن التقرير لا يتحدث عن تعافٍ حقيقي في سوق العمل. مضيفةً انه ” ورغم انخفاض البطالة، فإن الانتعاش الربيعي هذا العام لم يكتسب زخمًا حقيقيًا”. مشيرةً إلى أن هذا الانخفاض قد يكون مرتبطًا بضعف الانتعاش الربيعي في شهر أبريل أكثر من قوته في شهر مايو.

     وفي جانب برنامج العمل بدوام مختصر فقد بلغ عدد الموظفين الجدد المسجلين في البرنامج خلال الفترة من 1 إلى 25 مايو نحو 26 ألف موظف. وقد بلغ اجمالي عدد المستفيدين من تعويضات البرنامج، بحسب أحدث البيانات لشهر مارس 2026م، نحو 151,000 موظف. ويُعد هذا العدد أقل بـ 1,000 شخص مقارنة بالشهر السابق، وأقل بـ 113,000 شخص مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي. كما ارتفع عدد الوظائف الشاغرة المسجلة في وكالة العمل الاتحادية خلال شهر مايو بشكل واضح مقارنة بالعام الماضي. حيث كان هناك نحو 643 ألف وظيفة شاغرة، أي بزيادة تقارب ألفي وظيفة مقارنة بالشهر السابق ونحو 8 آلاف وظيفة شاغرة أكثر مقارنة بمايو 2025م.

     علاوة على ذلك، أظهرت بيانات مكتب الاحصاء الاتحادي (Destatis)، أن العمل بدوام جزئي في ألمانيا بلغ خلال عام 2025م أعلى مستوى له على الإطلاق، في مؤشر يعكس التحولات الهيكلية التي يشهدها سوق العمل الألماني وتغير أولويات العاملين فيما يتعلق بالتوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

     وبحسب البيانات الرسمية، ارتفعت نسبة العاملين بدوام جزئي إلى 31.9 في المئة من إجمالي العاملين، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ بدء جمع هذه البيانات. وفي الوقت ذاته، لم يعد العمل الجزئي يقتصر على النماذج التقليدية ذات الساعات المحدودة، إذ ارتفع متوسط ساعات العمل الأسبوعية للعاملين بدوام جزئي إلى 21.3 ساعة أسبوعياً مقارنة بـ 19.3 ساعة في عام 2015م، بزيادة قدرها ساعتان أسبوعياً خلال عشر سنوات.

     وتشير هذه الأرقام إلى تحول تدريجي نحو أنماط عمل أكثر مرونة، تسمح بمشاركة أكبر في سوق العمل دون الالتزام بالدوام الكامل. ويرى خبراء سوق العمل أن هذا التطور يعكس تزايد الإقبال على نماذج العمل التي تتوافق مع المتطلبات الأسرية والاجتماعية، بدلاً من اعتباره تراجعاً في الرغبة بالعمل.

     وتبقى النساء الفئة الأكثر اعتماداً على العمل بدوام جزئي، حيث بلغت نسبتهن 50.6 في المئة من إجمالي النساء العاملات خلال عام 2025م، مقابل 14.3 في المئة فقط من الرجال. ورغم استمرار الفجوة الكبيرة بين الجنسين، فإن وتيرة نمو العمل الجزئي بين الرجال كانت أسرع خلال العقد الأخير، إذ ارتفعت نسبتهم من 10.6 في المئة عام 2015م إلى 14.3 في المئة عام 2025م، بينما ارتفعت نسبة النساء من 48 في المئة إلى 50.6 في المئة خلال الفترة نفسها.

     وتظهر الفوارق بصورة أوضح بين الآباء والأمهات العاملين. فقد بلغت نسبة العمل بدوام جزئي بين الأمهات اللواتي لديهن أطفال دون سن الثامنة عشرة 66.4 في المئة، مقارنة بـ 8.6 في المئة فقط من الآباء، ما يعكس استمرار تحمل النساء النصيب الأكبر من مسؤوليات الرعاية الأسرية ورعاية الأطفال.

     كما يرتبط انتشار العمل الجزئي بالعمر، إذ ترتفع النسبة تدريجياً مع التقدم في السن. فقد بلغت 30.6 في المئة بين العاملين في سن 55 عاماً، وارتفعت إلى 33.5 في المئة عند سن 60 عاماً، ثم تجاوزت نصف العاملين لتصل إلى 53.4 في المئة بين العاملين في سن 65 عاماً. أما بين العاملين الذين تجاوزوا سن التقاعد القانوني، فقد أصبحت الغالبية الساحقة تعتمد على الدوام الجزئي، حيث بلغت النسبة 90.3 في المئة بين العاملين في سن 70 عاماً.

انخفاض عدد المشاريع الاستثمارية الأجنبية الجديدة في ألمانيا خلال عام 2025م

     تواصل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ألمانيا تراجعها للعام الثامن على التوالي، في مؤشر يثير قلقاً متزايداً بشأن جاذبية البلاد كموقع للاستثمار والإنتاج. فبعد أن كانت ألمانيا لعقود واحدة من أكثر الوجهات الأوروبية استقطاباً لرؤوس الأموال الأجنبية، تكشف بيانات حديثة عن استمرار تراجع عدد المشاريع الاستثمارية الجديدة القادمة من الخارج، في وقت يرى فيه خبراء أن ألمانيا لا تبذل ما يكفي للحفاظ على قدرتها التنافسية في جذب المستثمرين الدوليين.

     وبحسب دراسة أعدتها شركة الاستشارات والتدقيق المالي EY، انخفض عدد المشاريع الاستثمارية الأجنبية الجديدة في ألمانيا خلال عام 2025م بنسبة 10 في المئة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 548 مشروعاً فقط. وتقوم الشركة منذ عام 2006م برصد المشاريع الاستثمارية التي تؤدي إلى إنشاء مواقع إنتاج أو أعمال جديدة وتوفير فرص عمل إضافية. ويُعد هذا الانخفاض الثامن على التوالي، كما يمثل أدنى مستوى يتم تسجيله منذ عام 2009م خلال ذروة الأزمة المالية العالمية.

     ووصف Henrik Ahlers، رئيس شركة EY في ألمانيا، هذا التطور بأنه «إشارة إنذار» لموقع ألمانيا الاقتصادي، معتبراً أن البلاد تفقد تدريجياً مكانتها أمام مواقع أوروبية أخرى تحقق أداءً أفضل في استقطاب الاستثمارات الأجنبية. وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة تركز على عدد المشاريع الاستثمارية المعلنة ولا تتضمن بيانات حول حجم الاستثمارات المالية أو قيمتها الإجمالية.

     ويرى Ahlers، أن المشكلة لا تكمن فقط في الظروف الاقتصادية الحالية، بل أيضاً في بطء تنفيذ الإصلاحات الضرورية. فبينما استمرت ألمانيا لسنوات في مناقشة الحاجة إلى إصلاحات هيكلية، لم تُنفذ سوى خطوات محدودة، في حين نجحت دول أوروبية أخرى في تسريع رقمنة الإدارة العامة وتبسيط أنظمتها الضريبية وجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين.

     وأضاف أن مجموعة من العوامل باتت تثقل كاهل بيئة الأعمال في ألمانيا، من بينها ارتفاع العبء الضريبي، وارتفاع تكاليف العمالة، وغلاء أسعار الطاقة، إلى جانب البيروقراطية المعقدة التي تعيق تنفيذ المشاريع الاستثمارية. وبحسب رأيه، فإن ما وصفه بـ«عجز ألمانيا عن تنفيذ الإصلاحات» أصبح معروفاً على المستوى الدولي، الأمر الذي أضعف الصورة التقليدية للبلاد باعتبارها مركزاً اقتصادياً مستقراً وعالي الجودة. وأكد ضرورة اتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة هذا التراجع واستعادة الثقة لدى المستثمرين.

     ولا تقتصر ظاهرة تراجع الاستثمارات الأجنبية على ألمانيا وحدها، إذ شهدت أوروبا بأكملها انخفاضاً في عدد المشاريع الاستثمارية الجديدة والتوسعات المعلنة من قبل المستثمرين الأجانب خلال عام 2025م. فقد تم الإعلان عن 5,026 مشروعاً استثمارياً جديداً أو توسعياً في مختلف أنحاء القارة، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 7 في المئة مقارنة بالعام السابق. وتشمل هذه المشاريع استثمارات قادمة من دول مثل الولايات المتحدة والصين، إضافة إلى استثمارات تنفذها شركات أوروبية في دول أخرى داخل القارة. وعلى مستوى الدول الأوروبية، حافظت فرنسا على المركز الأول من حيث عدد المشاريع الاستثمارية الأجنبية المستقطبة، بإجمالي 852 مشروعاً خلال عام 2025، تلتها المملكة المتحدة بـ 730 مشروعاً. ورغم احتلالهما المركزين الأول والثاني، فإن كلا البلدين سجلا أيضاً تراجعاً نسبياً في عدد المشاريع الاستثمارية بوتيرة أكبر من التراجع المسجل في ألمانيا، التي جاءت في المرتبة الثالثة.

     وتشير دراسة EY إلى تحول واضح في اتجاهات الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً وأوروبياً، حيث تتجه رؤوس الأموال بشكل متزايد نحو القطاعات التكنولوجية المتقدمة ذات القيمة المضافة العالية، في مقابل تراجع الاهتمام بالصناعات التقليدية كثيفة الطاقة. ويعكس هذا التحول إعادة ترتيب أولويات المستثمرين في ظل تسارع التطور التكنولوجي، وتزايد الضغوط المرتبطة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر، إلى جانب التغيرات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

     ووفقاً للدراسة، أصبحت قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة منخفضة الكربون والصناعات الدفاعية من أبرز وجهات الاستثمار الجديد، باعتبارها محركات رئيسية للنمو المستقبلي. ويبرز قطاع الذكاء الاصطناعي بشكل خاص، حيث سجل نمواً ملحوظاً في عدد المشاريع وحجم الاستثمارات في أوروبا، ما يعكس تحولاً واضحاً نحو الابتكار الرقمي والتقنيات المتقدمة، مع تزايد ثقة المستثمرين بقدرة هذا القطاع على التأثير في مختلف المجالات الاقتصادية. في المقابل، تتراجع جاذبية الصناعات التقليدية، خصوصاً كثيفة الاستهلاك للطاقة، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، وتشديد السياسات البيئية، والتوجه نحو خفض الانبعاثات. وقد أدى ذلك إلى إعادة تقييم جدوى الاستثمار في هذه القطاعات لصالح مجالات أكثر مرونة وقدرة على تحقيق نمو مستدام.

 

الحكومة الاتحادية لم تحقق أهدافها بشأن الصندوق الخاص بالبنية التحتية

     أظهرت متابعة تنفيذ الصندوق الخاص للبنية التحتية وحماية المناخ في ألمانيا، البالغة قيمته 500 مليار يورو، أن الحكومة الاتحادية لم تحقق الأهداف التي وضعتها لعام 2025م، رغم تأكيدها أن البرنامج أسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي وتحفيز النشاط الاستثماري. ووفقاً لتقرير المتابعة الصادر عن وزارة المالية الاتحادية، كان من المخطط إنفاق 37.2 مليار يورو من أموال الصندوق خلال عام 2025م، إلا أن الإنفاق الفعلي بلغ نحو 24 مليار يورو فقط، أي أقل بنحو الثلث من المستوى المستهدف.

     ويُشكّل بطء ظهور آثار الصندوق الخاص للبنية التحتية وحماية المناخ أحد أبرز التحديات السياسية التي تواجها الحكومة الاتحادية، في ظل تصاعد التساؤلات حول محدودية الأثر الملموس للاستثمارات الضخمة حتى الآن. وقد أقرّ وزير المالية لارس كلينغبايل عند تسلّمه تقرير المتابعة بأنه يدرك حالة عدم الصبر لدى المواطنين، موضحاً أن النتائج بدأت تتضح تدريجياً على أرض الواقع، وأن البرنامج يمثل مشروعاً طويل الأجل يمتد على مدى اثني عشر عاماً ويستهدف إحداث تحول هيكلي شامل ينعكس على الأجيال المقبلة.

     ورغم التراجع في نتائج وآثار الصندوق الخاص، اعتبرت الحكومة أن عملية التنفيذ شهدت بداية ناجحة بشكل عام، مشيرة إلى ظهور نتائج أولية في قطاعي الإسكان والرقمنة، في حين سجلت مجالات البنية التحتية للطاقة، والبحث والتطوير، والنقل أضعف مستويات التقدم. كما قدرت الحكومة أن الإنفاق المنفذ من الصندوق رفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 0.5 نقطة مئوية على المدى القصير مقارنة بالسيناريو الذي لم تكن فيه هذه الاستثمارات موجودة.

     وكان البرلمان الألماني ( البوندستاج) قد أقر العام الماضي برنامج اقتراض استثنائياً بقيمة 500 مليار يورو لتمويل استثمارات إضافية في البنية التحتية وحماية المناخ على مدى اثني عشر عاماً. وينص البرنامج على تخصيص 300 مليار يورو للحكومة الاتحادية، و100 مليار يورو للولايات والبلديات، إضافة إلى 100 مليار يورو لصندوق المناخ والتحول الاقتصادي.

     في المقابل، تتزايد الانتقادات بشأن بطء تنفيذ البرنامج. فقد أكد مجلس الاستثمار الاستشاري، الذي شكله وزير المالية لارس كلينغبايل لمراقبة توجيه الأموال، أن التوجه العام للصندوق صحيح، لكنه يفتقر إلى السرعة والاستراتيجية الشاملة. ويضم المجلس سبعة خبراء من قطاعات الأعمال والإدارة المحلية، ويرى أن الحكومة لم تبلور بعد رؤية موحدة تحدد أولويات الاستثمار والتقنيات والمشروعات التي ينبغي دعمها لتحقيق أهداف التنمية المستقبلية.

     وأشار المجلس إلى أن إنفاق الأموال لا يعني بالضرورة تحقيق تقدم استثماري فعلي، لافتاً إلى أن الولايات الألمانية لم تتلق حتى الآن سوى نحو 1 في المئة من الأموال المخصصة لها. كما أوضح أن عام 2025م شهد إنفاق 24 مليار يورو فقط، ما يعادل 74 في المئة من المبالغ المقررة لذلك العام، وهو ما عُزي جزئياً إلى تأخر الاقتراض وإقرار التشريعات اللازمة. أما خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026م فقد بلغ الإنفاق 11.2 مليار يورو، أي ما يعادل 28 في المئة من الأموال الاتحادية المخصصة، وهو مستوى يتماشى مع الخطة الزمنية الموضوعة.

     وتتركز الانتقادات بصورة خاصة على ضعف الاستثمارات في البحث والتطوير، حيث لم يُخصص لهذا القطاع في عام 2026م سوى 2.7 في المئة من أموال الصندوق. ويرى خبراء المجلس أن تعدد مصادر التمويل بين الصندوق الخاص وصندوق المناخ والتحول الاقتصادي والموازنة الاتحادية يتم من دون استراتيجية موحدة، ما يقلل من فعالية الإنفاق ويحد من قدرته على تحقيق أثر اقتصادي طويل الأجل.

     كما أوصى مجلس الاستثمار بزيادة الدعم المالي للبلديات، باعتبارها مسؤولة عن نحو 40 في المئة من إجمالي الاستثمارات العامة و60 في المئة من استثمارات البناء العامة في ألمانيا. وتكتسب هذه التوصية أهمية خاصة في ظل اتساع العجز المالي للبلديات إلى 31.9 مليار يورو خلال عام 2025م.

     وبينما تؤكد الحكومة أن نتائج الصندوق ستظهر تدريجياً نظراً لكونه مشروعاً يمتد على مدى اثني عشر عاماً، يرى الخبراء أن تسريع وتيرة التنفيذ ووضع استراتيجية استثمارية أكثر وضوحاً سيبقيان شرطين أساسيين لضمان تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية المرجوة من أكبر برنامج استثماري ممول بالديون في تاريخ ألمانيا.

 

استراتيجية ألمانية جديدة لتعزيز قطاع الطيران

     في إطار سعيها لتعزيز مكانة ألمانيا في قطاعي الطيران والفضاء، أقرت الحكومة الألمانية استراتيجية وطنية جديدة تهدف إلى ضمان بقاء ألمانيا وأوروبا ضمن الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال. وأعلن المستشار فريدريش ميرتس، خلال افتتاح معرض الطيران والفضاء الدولي (ILA)، أن بلاده تعتزم زيادة استثماراتها بشكل كبير في القطاع، ليس فقط في مجال الطيران العسكري، بل أيضاً في القدرات الدفاعية الفضائية، حيث تخطط لإنفاق نحو 35 مليار يورو خلال السنوات المقبلة على مشروعات الدفاع في الفضاء. وأكد ميرتس أن صناعة الطيران والفضاء تمثل قطاعاً استراتيجياً يساهم في تعزيز الابتكار والقوة الاقتصادية والسيادة الوطنية والقدرة الدفاعية، مشيراً إلى أن العالم سيشهد تصنيع نحو 40 ألف طائرة جديدة خلال العقدين المقبلين، ما يجعل الطيران من أكثر القطاعات نمواً في ألمانيا وأوروبا.

     وتسعى الاستراتيجية الجديدة إلى تحويل ألمانيا إلى مركز رائد للطيران المستدام والآمن والقادر على المنافسة، من خلال تقليص الأعباء التنظيمية التي تتجاوز متطلبات الاتحاد الأوروبي، وتسهيل حصول شركات الطيران على برامج الدعم الحكومي، إضافة إلى توجيه برامج التمويل الاتحادية نحو تطوير جيل جديد من الطائرات المخصصة للرحلات القصيرة والمتوسطة. كما أكد وزير النقل الاتحادي باتريك شنايدر أن الحكومة تريد الحفاظ على القدرة التنافسية للصناعة الألمانية وتعزيز قوتها التكنولوجية واستدامتها، مشيراً إلى أن خفض ضريبة النقل الجوي اعتباراً من الأول من يوليو 2026م يمثل خطوة أولى ضمن حزمة أوسع من إجراءات التخفيف التي تشمل تقليص البيروقراطية والاستثمار في تحديث البنية التحتية للقطاع.

     وتعترف الحكومة في استراتيجيتها بأن قطاع الطيران الألماني يواجه تحديات متزايدة، إذ إن نمو أعداد المسافرين ظل خلال السنوات الأخيرة دون المتوسط الأوروبي نتيجة ارتفاع التكاليف التشغيلية، وضعف البيئة الاقتصادية العامة، وتصاعد المنافسة الدولية والتوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، أعلن ميرتس عن إجراءات تخفيف أعباء تقدر قيمتها بنحو 500 مليون يورو، شملت التراجع عن الزيادة السابقة في ضريبة النقل الجوي وتحمل الدولة تكاليف خدمات الملاحة الجوية للمطارات الإقليمية، مع التأكيد على مواصلة تقييم الوضع واتخاذ خطوات إضافية عند الحاجة.

وتولي الخطة اهتماماً خاصاً للطيران العسكري، إذ ترى الحكومة أن تطوير الطائرات المقاتلة والطائرات غير المأهولة يمثل عنصراً أساسياً للأمن القومي والسيادة التكنولوجية. وتشير البيانات إلى وجود نحو 230 شركة ألمانية تعمل في مجالات الطائرات المسيّرة وتقنيات الطيران غير المأهول، وهو ما يمنح ألمانيا قاعدة صناعية متقدمة يمكن البناء عليها في السنوات المقبلة.

     كما تتناول الاستراتيجية قضايا أخرى تشمل خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في قطاع الطيران، وتعزيز استقرار سلاسل التوريد، ودعم المطارات الألمانية، فضلاً عن الربط للمرة الأولى بين الجوانب المدنية والعسكرية لقطاع الطيران والفضاء. وأكدت الحكومة أنها ستواصل العمل على ضمان بقاء تكاليف التشغيل المفروضة من قبل الدولة عند مستويات قادرة على المنافسة دولياً.

     ورغم الترحيب الواسع من قبل قطاع الطيران بالاتجاه العام للاستراتيجية، فإن ممثلي الصناعة اعتبروا أنها تفتقر إلى الإجراءات العملية الكافية لمعالجة التحديات الأساسية التي تواجه القطاع. وأشار الاتحاد الألماني لشركات الطيران إلى أن الوثيقة تقدم رؤية صحيحة لمستقبل قطاع النقل الجوي، لكنها لا تقدم حلولاً واضحة لخفض تكاليف التشغيل المرتفعة. كما انتقد الاتحاد الألماني لقطاع النقل الجوي غياب التدابير الملموسة لتعزيز موقع ألمانيا كمركز للطيران، فيما دعا الاتحاد الألماني للصناعة إلى الإسراع في تحويل الاستراتيجية إلى إجراءات تنفيذية، محذراً من أن تكاليف التشغيل في ألمانيا تضاعفت جزئياً منذ جائحة كورونا، في وقت تواصل فيه أسعار وقود الطائرات المرتفعة والتوترات الجيوسياسية، بما في ذلك الصراع مع إيران، زيادة الضغوط على شركات الطيران.

ويُعد قطاع الطيران أحد القطاعات الصناعية القليلة التي ما تزال تحقق نمواً ملحوظاً في ألمانيا. فحجم مبيعات الصناعة يبلغ حالياً نحو 62 مليار يورو سنوياً، فيما يوفر القطاع قرابة 130 ألف فرصة عمل مباشرة، ويتم تصدير نحو 70 في المئة من منتجاته إلى الأسواق الخارجية. كما سجل القطاع نمواً ملحوظاً خلال عام 2025م، مدفوعاً بشكل خاص بارتفاع الإنفاق الدفاعي وزيادة الطلب على المنتجات العسكرية الجوية.