يعد النقل من الركائز الأساسية لأي اقتصاد، حيث يربط بين مواقع الإنتاج والأسواق، ويسهّل حركة السلع والخدمات والبشر. يُعتبر النقل الجيد عاملاً محوريًا لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الكفاءة الإنتاجية وزيادة القدرة التنافسية كما يُسهم أيضًا في تسريع التنمية الإقليمية، حيث يربط المناطق الحضرية بالريفية، مما يُتيح توزيعًا أفضل للموارد ويُحفّز الاستثمار. بالإضافة إلى ذلك، فإن النقل يساهم في تحسين جودة الحياة من خلال توفير الوصول إلى فرص العمل والخدمات الاجتماعية، مثل التعليم والرعاية الصحية.

في ألمانيا التي تُعتبر أهم مركز اقتصادي وصناعي في أوروبا، وثالث أكبر اقتصاد في العالم تُشكّل السكك الحديدية عنصرًا حيويًا في الاقتصاد، حيث يعتمد الاقتصاد الألماني بشكل كبير على النقل الفعّال للسلع، خاصة في ظل الدور البارز للصادرات في الناتج المحلي الإجمالي. كما تُعتبر شبكة السكك الحديدية في ألمانيا من بين الأكثر حيويةً وكثافةً وازدحاماً في العالم، حيث توفر وسيلة نقل منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة مقارنةً بالشحن البري والجوي. كذلك تُعد السكك الحديدية أيضًا ضرورية لنقل الركاب، حيث يعتمد ملايين الأشخاص يوميًا على القطارات للسفر بين المدن والضواحي.

الا ان تقادم شبكة الخطوط الحديدية وتباطء عمليات التحديث والتطوير للبنية التحتية للسكك الحديدية خلال السنوات الماضية انعكس على كفاءتها وقدرتها على خدمة الاقتصاد وتعزيز النمو الاقتصادي وبالتالي أصبحت مشاريع تحديث السكك الحديدية أحد الشروط الرئيسية لتحسين تنافسية الاقتصاد الألماني في الأسواق الدولية.

البنية التحتية للسكك الحديدية الألمانية

يبلغ طول شبكة السكك الحديدية في ألمانيا حاليًا حوالي 38,400 كيلومتر. ويشهد النقل عبر السكك الحديدية نموًا مستمرًا، حيث يسير يوميًا نحو 51,000 قطار للركاب والبضائع عبر البلاد، مقارنة بـ 47,000 قطار في عام 2010م. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى حوالي 59,000 قطار يوميًا بحلول عام 2030م، بزيادة نسبتها 25 في المئة.

وكان تشغيل أول خط للسكك الحديدية باستخدام القاطرات في ألمانيا قد بدأ في 7 ديسمبر 1835م، حيث قامت سكة حديد لودفيغ بتسيير قطارات للركاب بين مدينتي Nürnberg وFürth في بافاريا. وقد استخدمت هذه السكة العرض القياسي الذي لا يزال مستخدمًا حتى اليوم (1435 مم). كما شهد عام 1836م، أول نقل للبضائع على هذا الخط. وفي بداية استخدام القطارات، قامت الشركات الخاصة ببناء وتشغيل السكك الحديدية، ولكن بعد تأسيس الدولة الألمانية عام 1871م، أصبحت السكك الحديدية مملوكة للدولة في كل ولاية. وبعد إعادة توحيد ألمانيا عام 1990م، دُمجت الشبكتان الحكوميتان في عام 1994م، تحت اسم شركة السكك الحديدية الألمانية (Deutsche Bahn AG). وأُتيح للشركات الخاصة الوصول إلى الشبكة، وتم نقل مسؤولية النقل المحلي إلى حكومات الولايات.

ومنذ منتصف التسعينات شهد حجم النقل على هذه الشبكة نمواً كبيراً، حيث زادت حركة نقل الركاب بأكثر من 50 في المئة، وارتفعت حركة نقل البضائع بنحو 90 في المئة. وتقطع القطارات اليوم أكثر من مليار كيلومتر سنوياً على شبكة شركة (Deutsche Bahn)، وحدها، ما يبرز حجم الضغط التشغيلي المتزايد على البنية التحتية.

أداء قطاعات السكك الحديدية الألمانية

تتنوع قطاعات السكك الحديدية ويختلف أداء كل قطاع عن الأخر. على مستوى التشغيل، لا تزال شركة دويتشه بان (Deutsche Bahn)، أكبر مشغّل ومشرف على شبكات النقل بالسكك الحديدية في ألمانيا ووسط أوروبا، إذ بلغ حجم إيراداتها في عام 2023م، نحو 45 مليار يورو. ورغم أن الشركة كانت قد حققت رقماً قياسياً في عام 2019م، بأكثر من 2.6 مليار راكب، فإن العدد تراجع في عام 2023م، إلى 1.8 مليار راكب، ويُعزى ذلك إلى تراجع الطلب على رحلات المسافات الطويلة وبيع شركة DB Arriva، المسؤولة عن تشغيل خدمات النقل المحلي التابعة لشركة (Deutsche Bahn)، في بعض الدول الأوروبية.

كما تراجعت حصة (Deutsche Bahn)، في سوق الشحن بالسكك الحديدية داخل ألمانيا من أكثر من نصف السوق في عام 2007م، إلى نحو 39 في المئة فقط في عام 2023م، وهو ما يعكس التحولات التنافسية داخل القطاع وازدياد حصة الشركات الخاصة.

أما قطاع البنية التحتية للسكك الحديدية فقد سجل في العام 2024م، نموًا بنسبة 13 في المئة، مدفوعًا بمشاريع تحديث وإصلاح واسعة النطاق مثل إعادة تأهيل الممر الحيوي بين مانهايم وفرانكفورت، الذي يعد أحد أكثر الخطوط ازدحامًا في البلاد. ورغم هذه النتائج الإيجابية، إلا أن التحديات الهيكلية، مثل ضعف التمويل العام، وتأخر الرقمنة، وتعقيد أنظمة الإنفاق، ما تزال تعيق تحقيق قفزة نوعية في أداء هذا القطاع الحيوي الذي يُعتبر ركيزة أساسية للبنية التحتية الألمانية.

الى جانب نقل البضائع ونقل الركاب تصنف صناعة السكك الحديدية والتي تشمل تصنيع المركبات الحديدية مثل القاطرات والعربات، إلى جانب البنية التحتية الخاصة بها، مثل أنظمة الإشارات والمفاتيح. ضمن قطاع السكك الحديدية، وقد شهدت هذه الصناعة خلال عام 2024م، أداءً قياسيًا من حيث الإيرادات، فمن ناحية أفادت بيانات اتحاد صناعة السكك الحديدية الألمانية (VDB)، بأن حجم إيرادات القطاع ارتفع بنسبة 4.2 في المئة خلال عام 2024م، مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 15 مليار يورو، وهو أعلى رقم تسجله الصناعة في تاريخها. ويُعزى هذا النمو بالدرجة الأولى إلى الزيادة القوية في الصادرات التي ارتفعت بنسبة 16 في المئة، ما يعكس الطلب المتزايد على التكنولوجيا والمنتجات الألمانية في الأسواق العالمية، خاصة في مجالات القطارات عالية السرعة والمعدات التقنية الخاصة بالبنية التحتية.

وتمثل صناعة السكك الحديدية الألمانية نموذجًا متقدمًا لصناعة عالية التقنية تجمع بين الإنتاج الصناعي والهندسة المتطورة والخبرة اللوجستية. لكن لتحقيق تحول حقيقي ومستدام، يتعين على ألمانيا الانتقال من مرحلة النمو القائم على الطلب الخارجي إلى مرحلة الابتكار الرقمي والتكامل المؤسسي الداخلي. فنجاح القطاع في المستقبل لن يُقاس فقط بحجم الإيرادات، بل بقدرته على تحقيق الكفاءة، والاستدامة، والرقمنة الشاملة التي تُمكّنه من تلبية احتياجات شبكة النقل الحديثة وتعزيز موقع ألمانيا كمركز أوروبي رائد في صناعة السكك الحديدية.

استثمارات في تحديث السكك الحديدية

تعد شبكة السكك الحديدية الألمانية من أكثر الشبكات ازدحاماً في أوروبا، لكنها أصبحت أيضاً من الأكثر تدهوراً نتيجة سنوات من الإهمال ونقص الاستثمارات. ومع إدراك الحكومة لضرورة تحديث السكك الحديدية ومطالبة الخبراء الاقتصادين بمزيد من ضخ الاستثمارات في مشاريع التحديث هذه، بدأت ألمانيا تشهد تحولًا استراتيجيًا في سياساتها المتعلقة بالبنية التحتية للنقل، حيث ارتفعت الاستثمارات في قطاع السكك الحديدية إلى مستوى غير مسبوق في عام 2024م، مع خطط لإنفاق 100 مليار يورو إضافية حتى عام 2029م. ومع ذلك، يرى الخبراء أن ضخ الأموال وحده لا يكفي، وأن إصلاحات هيكلية عميقة ضرورية لضمان كفاءة واستدامة هذا القطاع الحيوي.

وفقًا لبيانات صادرة عن اتحاد «Allianz pro Schiene» وشركة الاستشارات «SCI Verkehr»، أنفقت الحكومة الألمانية العام الماضي في المتوسط 198 يورو لكل مواطن على البنية التحتية للسكك الحديدية، أي بزيادة قدرها 74 في المئة مقارنة بعام 2023م. ويعود جزء كبير من هذا الارتفاع إلى “الصندوق الخاص بالبنية التحتية وحماية المناخ”، ويُتوقع أن تُستثمر أكثر من 100 مليار يورو حتى عام 2029م، لإصلاح شبكة السكك الحديدية المتقادمة. هذا الاستثمار يُعد الأكبر في تاريخ ألمانيا الحديث في مجال النقل العام.

رغم الزيادة الكبيرة في التمويل، إلا أن ألمانيا لا تزال تحتل موقعًا متوسطًا مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى مثل النرويج والنمسا وسويسرا، التي تتفوق في جودة وكفاءة شبكاتها الحديدية.

ويرى الخبراء أن هذه القفزة المالية تُفسَّر في سياق عقودٍ من نقص الاستثمار، حيث لم تخصص الحكومات السابقة التمويل الكافي للحفاظ على البنية التحتية أو تطويرها.

وأشار Dirk Flege، مدير اتحاد «Allianz pro Schiene“، إلى أن جزءًا من التمويل الإضافي تم عبر زيادة رأس مال شركة DB InfraGO، وهي الذراع المسؤولة عن البنية التحتية ضمن شركة السكك الحديدية الألمانية (Deutsche Bahn). لكن هذا الدعم المالي مرتبط بعائد استثماري متوقع من الحكومة الاتحادية، مما أجبر الشركة على رفع رسوم استخدام المسارات (Trassenpreise) إلى مستويات قياسية. وقد ادت هذه الزيادة إلى ما يُعرف بـ “الرسوم الأعلى في تاريخ النقل عبر السكك الحديدية”، ما يتعارض مع هدف الدولة بتحفيز نقل البضائع والركاب من الطرق إلى السكك الحديدية.

أهم مراحل تحديث السكك الحديدية

تعتبر الحكومة وشركة (Deutsche Bahn)، أن البرنامج الشامل لتجديد البينة التحتية للسكك الحديدية والذي يتضمن تحديث أكثر من 40 ممرّاً رئيسياً خطوة ضرورية لتقليل التأخيرات المزمنة وتحسين الأداء التشغيلي. غير أن التحدي الأكبر يتمثل في تأمين التمويل الكافي.

وتشير البيانات إلى أن حجم التمويل المطلوب لتحديث وصيانة الشبكة القائمة، وإصلاح الممرات الحيوية، وتطوير البنية الرقمية، إضافة إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يبلغ نحو 80 مليار يورو حتى عام 2034م. كما تؤكد أن هذه الفجوة التمويلية ستتسع بشكل خاص بعد عام 2028م، إذ ستعاني الشركة من نقص حاد في التمويل المخصص لأعمال الصيانة الأساسية للبنية التحتية.

وعند احتساب تكاليف التوسعة وبناء خطوط جديدة إضافة إلى الإسراع في مشاريع الرقمنة المتقدمة، فإن إجمالي الحاجة التمويلية قد يقفز إلى نحو 150 مليار يورو. وترى شركة DB أن هذه المبالغ يمكن أن تُغطّى من الصندوق الاستثماري الخاص بالبنية التحتية الذي تبلغ قيمته 500 مليار يورو.

وتشير البيانات إلى خطة ذات ثلاث مراحل لتحديد أولويات التمويل:

  1. إصلاح الشبكة الحالية والبنى التحتية في المحطات باعتبارها الأساس لضمان استمرارية التشغيل.
  2. تطوير أنظمة القيادة والأمان الرقمية (Leit- und Sicherheitstechnik) لرفع كفاءة الشبكة وخفض تكاليف التشغيل المستقبلية.
  3. التوسعة وبناء خطوط جديدة لزيادة السعة وتحسين الربط الإقليمي والدولي.

هذه الهيكلة تهدف إلى خلق توازن بين الصيانة العاجلة والاستثمار المستقبلي، لكنها تتطلب التزاماً سياسياً واضحاً ومصادر تمويل مستقرة طويلة الأجل.

عقبات تطوير قطاع السكك الحديدية

تتنوع العقبات التي تواجه تطوير قطاع السكك الحديدية في ألمانيا، الا ان سارة شتارك، المديرة التنفيذية لاتحاد (VDB)، أكدت أن واحدة من أكبر العقبات التي تواجه تطوير قطاع السكك الحديدية تكمن في نظام التمويل الحكومي، الذي يتسم بالتعقيد والبطء. وأوضحت أن الأموال العامة غالبًا ما تُخصص لفترات قصيرة لا تسمح بالتخطيط طويل الأمد، كما أن الإجراءات الإدارية المعقدة تجعل من الصعب تحويل التمويل إلى مشاريع فعلية ضمن المدة التي تكون فيها الحكومة في السلطة. وقالت شتارك: «يجب تبسيط وتسريع انتقال التمويل من المشرّع إلى المشاريع التنفيذية. فطول الفترة بين التخطيط والتنفيذ يستهلك الموارد ويؤخر التقدم.”

كما تُعد قضية الرقمنة أكبر نقطة ضعف في منظومة السكك الحديدية الألمانية. حيث إن أقل من 2 في المئة من شبكة السكك الحديدية في ألمانيا رقمية بالكامل، وهو ما يحد من كفاءة التشغيل ويزيد من الاعتماد على الكوادر البشرية في ظل نقص العمالة وتغير البنية الديموغرافية في البلاد. ووفقًا لتقديرات اتحاد (VDB)، فإن أنظمة التحكم الرقمية في الإشارات (Digitale Stellwerke) تحتاج إلى سُبع عدد الموظفين المطلوب حاليًا لتشغيل الأنظمة التقليدية، مما يجعل التحول الرقمي ضرورة اقتصادية واستراتيجية لتقليل التكاليف وتحسين الأداء على المدى الطويل.