يُعدّ قطاع البناء في ألمانيا من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إذ يسهم بفاعلية في توليد القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، ودفع الاستثمارات في مجالات البنية التحتية والعقارات. وقد بلغت إيرادات القطاع نحو 425.7 مليار يورو في عام 2023م، ما يؤكد أن البناء ليس مجرد نشاط داعم، بل هو محرك رئيسي للنمو الاقتصادي ومكوّن أساسي في تنفيذ التحولات الكبرى، سواء في مجال الإسكان أو تطوير البنية التحتية أو المشاريع الصناعية.

يتكوّن القطاع من شبكة واسعة من الشركات، يغلب عليها الطابع الصغير والمتوسط إلى جانب عدد محدود من الشركات الكبرى ذات النشاط الدولي. ويضمّ نحو 360 ألف شركة توفّر فرص عمل لما يقارب 2.6 مليون شخص. كما يسهم قطاع البناء بحوالي 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الألماني، ويستوعب نحو 6 في المئة من إجمالي القوى العاملة، ما يجعله عاملًا رئيسيًا في استقرار الاقتصاد الوطني.

ولا يقتصر دور القطاع في الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي من خلال تأمين المساكن وتلبية الطلب المتزايد عليها، بما يضمن الاستقرار الاجتماعي. ومع ذلك، فإن أي تباطؤ أو اضطراب في نشاط البناء ينعكس مباشرة على الاقتصاد الكلي، إذ يؤثر في معدلات النمو، وسوق العمل، وقدرة الدولة على تنفيذ المشاريع الحيوية مثل الطرق، والسكك الحديدية، والمدارس، والمرافق العامة.

ويعيش قطاع البناء في ألمانيا منذ عدة سنوات مرحلة من التباطؤ الواضح وتراجع الأداء وانخفاض حجم الاستثمارات، في ظلّ ظروف اقتصادية ومالية معقدة على المستويين المحلي والدولي. فقد تراجعت معدلات البناء الجديدة، خصوصاً في قطاع الإسكان، حيث انخفض عدد الشقق السكنية المنجزة بشكل ملحوظ، وهو ما يعكس تراجع الطلب وتزايد حدة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها القطاع.

التحولات في قطاع البناء

يشهد قطاع البناء في ألمانيا منذ عام 2020م، مرحلة ضعف مستمرة، حيث كان عام 2024م، العام الرابع على التوالي من التراجع في نشاط البناء، ما يعكس حالة التباطؤ الاقتصادي العام التي تمر بها البلاد. فبينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.2 في المئة، تراجعت الاستثمارات في قطاع البناء بنسبة 3.3 في المئة بعد احتساب التضخم. هذا التراجع المستمر يشير إلى أن القطاع يعيش ضغوطًا هيكلية واقتصادية متراكمة أثرت على أدائه العام.

على صعيد العمالة، فقد أنهى القطاع في عام 2024م، مرحلة التوسع التي بدأت منذ عام 2009م، حيث انخفض عدد العاملين بمقدار 28 ألف موظف أي بنسبة 1.1 في المئة ليصل إلى نحو 2.6 مليون عامل. ويُعد هذا الانخفاض أول تراجع ملحوظ في التوظيف منذ عقد تقريبًا.

ورغم أن السنوات السابقة شهدت قيودًا كبيرة على الإنتاج بسبب نقص مواد البناء، فإن هذه المشكلة تراجعت بشكل واضح في عام 2024م. ففي مطلع عام 2023م، كانت 13 في المئة من شركات البناء تعاني من قيود في الإنتاج نتيجة نقص المواد، إلا أن هذه النسبة تراجعت إلى 1 في المئة فقط بنهاية عام 2024م، ومن المتوقع أن تظل منخفضة أيضًا في عام 2025م. ومع ذلك، ما زالت أسعار مواد البناء مرتفعة مقارنة بالمستويات السابقة، رغم ظهور بوادر استقرار منذ منتصف عام 2022م.

وقد أظهرت الأسعار اتجاهات متباينة، حيث ارتفعت أسعار البيتومين والإسمنت بمستويات أعلى من أسعار الفولاذ والخشب، خصوصًا أن المواد كثيفة الاستهلاك للطاقة أصبحت أكثر تكلفة في السنوات الأخيرة. وبلغ متوسط الزيادة في الأسعار نحو 7.4 في المئة في عام 2023م، ثم 2.5 في المئة في عام 2024م، ومن المتوقع أن ترتفع بنسبة 2.3 في المئة في عام 2025م.

تشير استطلاعات بداية عام 2025م، إلى أن أبرز المخاطر التي تواجه شركات البناء تتمثل في أسعار الطاقة والمواد الخام 55 في المئة، يليها ضعف الطلب على خدمات البناء 62 في المئة، ونقص العمالة الماهرة 56في المئة، وارتفاع تكاليف الأجور 52 في المئة. كما عبّرت 59 في المئة من الشركات عن قلقها من البيئة الاقتصادية والسياسات الحكومية ذات الصلة.

من الناحية المالية، تراجعت أرباح الشركات بعد فترة من التحسن المستمر حتى عام 2020م، وانخفضت نسبة العائد على رأس المال، مما أدى إلى ارتفاع حالات الإفلاس في القطاع بنسبة 12 في المئة في عامي 2022 و2023م، وبنسبة 19 في المئة في عام 2024م.

أما بالنسبة للطلبيات الجديدة، فقد انخفضت إجمالاً بنسبة 0.7 في المئة بعد احتساب الأسعار، إذ ارتفعت في قطاع الهندسة المدنية بنسبة 3.4 في المئة، بينما تراجعت في البناء العمودي بنسبة 5 في المئة، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى تراجع بنسبة 3.5 في المئة في مشاريع البناء السكني الجديدة خلال عام 2024م بعد انخفاض حاد يقارب 20 في المئة في عام 2023م.

أبرز التحديات التي يواجها قطاع البناء

يُعد البناء السكني التحدي الأكبر أمام قطاع البناء الألماني، إذ يمثل 60 في المئة من إجمالي الاستثمارات في البناء. وقد أدت ارتفاعات أسعار الفائدة على القروض العقارية من 1.3 في المئة إلى أكثر من 4 في المئة خلال عامين إلى زيادة تكاليف التمويل، ما تسبب في تراجع القروض الجديدة للأسر بمقدار 96 مليار يورو (بنسبة 44 في المئة) في عام 2023م. ورغم أن معدلات الفائدة انخفضت قليلاً في نهاية 2024م، فإن أسعار البناء ما زالت مرتفعة بنحو ثلث ما كانت عليه في نهاية عام 2021م، مما جعل امتلاك المساكن أمرًا صعبًا لكثير من الأسر.

كما تراجع عدد رخص البناء بنسبة 27 في المئة في عام 2023م و17 في المئة في عام 2024م، وهو أكبر انخفاض منذ عام 2007م. وبينما كانت الحكومة تستهدف بناء 400 ألف وحدة سكنية سنويًا، لم يتم الانتهاء سوى من 294 ألف وحدة في عام 2023، في حين انخفضت تصاريح البناء في عام 2024م إلى 215 ألف وحدة فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 2011م.

ورغم إقرار الحكومة حوافز لدعم البناء الجديد، مثل الإعانات للمباني الموفرة للطاقة وتحسين شروط الإهلاك الضريبي، فإن هذه الإجراءات لم تكن كافية لجذب المستثمرين مجددًا إلى السوق. ويظهر ذلك في تراجع فترة تراكم الطلبات من 6 أشهر في فبراير 2022م إلى 3.1 أشهر في أكتوبر 2024م، وهو أدنى مستوى منذ عام 2016م. وتعمل الحكومة على تحقيق الحياد المناخي للمباني بحلول عام 2045م، ما يعني أن الترميمات فيما يتعلق بالطاقة للمباني القائمة ستكتسب أهمية متزايدة في المستقبل، وربما تفوق نمو البناء الجديد نفسه.

أما في مجال البناء غير السكني، والذي يمثل 80 في المئة منه القطاع التجاري، فقد أثر ضعف الاقتصاد الألماني والتوترات التجارية على قرارات المستثمرين، حيث تراجعت الطلبات الجديدة بنسبة 10 في المئة في 2023م و8 في المئة في 2024م. في المقابل، حافظ قطاع البناء العام على بعض الاستقرار بفضل المشاريع الكبرى، رغم انخفاض الطلب بنسبة 5 في المئة في 2024م.

ويُظهر قطاع الهندسة المدنية ديناميكية أفضل نسبيًا، إذ زادت الطلبات فيه بنسبة 3.4 في المئة لعامي 2023م و2024م، مدفوعة بمشاريع ضخمة في السكك الحديدية وشبكات الكابلات، خاصة مع زيادة التمويل الحكومي لشركة السكك الحديدية الألمانية (Deutsche Bahn). كما ارتفعت الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية تحت الأرض بنسبة 4.8 في المئة.

وتُعوّل الحكومة على صندوق استثماري للبنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو يمتد على 12 عامًا، يتضمن 100 مليار يورو لمشروعات حماية المناخ، من شأنه تعزيز استقرار التخطيط وزيادة الطلب على جميع فئات الشركات العاملة في قطاع البناء.

تحسن في قطاع البناء في العام 2025م مع استمرار الاختلالات الهيكلية

شهد قطاع البناء في ألمانيا تطورًا لافتًا في النصف الأول من عام 2025م، تمثل في ارتفاع عدد تراخيص البناء بعد فترة طويلة من التراجع الحاد. فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي، منحت السلطات نحو 110 آلاف ترخيص لبناء وحدات سكنية جديدة، أي بزيادة قدرها 2,9 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024م، الذي كان قد سجّل أدنى مستوى منذ عام 2010م. هذا التحسن الطفيف في الأرقام يحمل دلالات متناقضة، فمن جهة يعكس بداية عودة النشاط إلى السوق، ومن جهة أخرى يكشف محدودية تأثيره في معالجة أزمة الإسكان العميقة التي تعاني منها البلاد.

الزيادة الأكبر في التراخيص برزت في شهر يونيو، حيث تمت الموافقة على 19 ألف وحدة سكنية جديدة، أي بزيادة قدرها 7,9 في المئة عن الشهر نفسه من العام الماضي. ورغم أن هذه الأرقام تبدو مشجعة، فإنها لا تعكس بالضرورة طفرة شاملة في جميع أنماط البناء. بل يتضح من توزيعها أن الزيادة جاءت بشكل شبه كامل من بناء المنازل الفردية، إذ ارتفع عدد تراخيصها بنسبة 14,1 في المئة ليصل إلى 21,300 وحدة. في المقابل، تراجعت تراخيص المنازل الثنائية بنسبة 8,3 في المئة إلى 6,000 وحدة، بينما لم تشهد تراخيص المباني متعددة الأسر، وهي الأكثر أهمية لمعالجة أزمة السكن، سوى تغير طفيف للغاية بلغ 0,1 في المئة فقط مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 57,300 وحدة. وهذا يعني أن زيادة تراخيص البناء التي تمت في النصف الأول من العام الحالي لا تساهم عمليًا في تقليص فجوة العرض والطلب في المدن الكبرى، حيث يتركز العجز في المساكن.

وبالرغم مما تعكسه التراخيص من توجهات مستقبلية، إلا أن الواقع يفرض معادلة أكثر تعقيدًا. فبين الحصول على الترخيص والانتهاء من البناء قد تمر عدة سنوات، وفي كثير من الحالات لا يتم تنفيذ المشاريع أصلًا. ففي عام 2024م مثلًا، لم يُنجز سوى 251,900 وحدة سكنية، وهو أدنى مستوى منذ 2015م. كما أن المدة الزمنية بين الترخيص والتشييد الفعلي ارتفعت بمعدل ستة أشهر إضافية منذ 2020م، لتصل إلى متوسط 26 شهرًا. هذه المعطيات تفسر لماذا لا يؤدي ارتفاع التراخيص بالضرورة إلى انفراج سريع في أزمة السكن.

من جانبها أعلنت الحكومة الألمانية الجديدة، عما تسميه «توربو البناء»، وهو برنامج يهدف إلى تسريع إجراءات الترخيص عبر منح البلديات صلاحيات أوسع في تجاوز خطط البناء التقليدية، مما يتيح البناء السريع وإعادة الاستخدام والتوسعة الرأسية. لكن خبراء مجموعة (Euroconstruct) التي يشارك فيها معهد ifo في ميونيخ، يتوقعون أن يظل تأثير هذه الإجراءات محدودًا على المدى القريب، حيث تشير تقديراتهم إلى أن عدد الوحدات السكنية التي ستُنجز هذا العام لن يتجاوز 205,000 وحدة، أي بانخفاض قدره 19 في المئة مقارنة بعام 2024م. وبذلك تكون البداية مع الحكومة الجديدة أضعف حتى مما كان عليه الوضع في عهد الحكومة السابقة التي لم تستطع انجاز هدفها المعلن ببناء 400,000 وحدة سنويًا.

أما التوقعات الخاصة بمجمل العام 2025م، فتشير تقديرات اتحاد شركات البناء الألمانية إلى احتمال تسجيل تراجع إجمالي في الإيرادات بنسبة 1 في المئة بالقيمة الحقيقية، وذلك رغم الزيادة المسجلة في الطلبات والإيرادات خلال الشهور الأولى من العام. ويُعزى هذا التراجع المتوقع إلى ضعف البناء التجاري بسبب تردد الشركات في الاستثمار، إضافة إلى تباطؤ قطاع الطرق العامة نتيجة توقف مؤقت في المناقصات الحكومية وبطء إجراءات الإسناد، فضلاً عن ركود محتمل في البناء العام بسبب تقليص البلديات نفقاتها المخصصة للمشروعات. وفي المقابل، من المتوقع أن يحقق قطاع البناء الصناعي والتحتي بعض النمو، خصوصاً في مشروعات السكك الحديدية وشبكات الكابلات، مما قد يحد جزئياً من خسائر القطاعات الأخرى.

الانعكاسات الاجتماعية للتحديات التي تواجه قطاع البناء

يعد قطاع الإسكان أحد اهم قطاعات البناء واحد أكثر القطاعات تأثراً بالأزمات التي يمر بها. وفي هذا المجال اظهر استطلاع للرأي أجراه اتحاد جمعيات الادخار العقاري الخاصة، انه لم يعد سوى 33 في المئة من الألمان يرون في امتلاك مسكن هدفًا للادخار، أي بانخفاض قدره 10 نقاط مئوية عن العام الماضي. ويتركز هذا التراجع خاصة بين الفئات الشابة ومتوسطي العمر، الذين يرون أن امتلاك منزل بات حلمًا بعيد المنال في ظل ارتفاع تكاليف البناء. واعتبر المدير التنفيذي للاتحاد، كريستيان كونيغ، أن هذه الظاهرة تشكل «إشارة إنذار سياسي واجتماعي»، لأنها تمثل تراجعًا عن ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاجتماعي الخاص.

ويمكن القول إن بيانات النصف الأول من عام 2025م، لا تقدم سوى بارقة أمل محدودة في سوق الإسكان الألماني. صحيح أن عدد التراخيص ارتفع مقارنة بالعام الماضي، لكن طبيعة هذه الزيادة تكشف عن اختلال هيكلي، إذ إنها تتركز في المنازل الفردية بينما الأزمة الفعلية تتمثل في شح الشقق السكنية في المدن. أضف إلى ذلك أن الفارق الزمني بين الترخيص والتنفيذ، إلى جانب معوقات البيروقراطية وتكاليف التمويل، تجعل أثر هذه الزيادة بطيئًا وربما غير ملموس في المدى القريب. أما على المستوى السياسي، فإن الحكومة الجديدة تحاول تقديم صورة حازمة من خلال وعود «توربو البناء»، لكن المعطيات الواقعية والتوقعات البحثية تشير إلى استمرار التراجع في عدد الوحدات المكتملة. ومع غياب أهداف كمية واضحة، على عكس الحكومة السابقة، تظل قدرة التحالف الجديد على مواجهة أزمة الإسكان موضع شك. من زاوية اجتماعية، فإن تراجع رغبة الألمان في تملك المساكن يعكس تحوّلًا ثقافيًا قد تكون له انعكاسات طويلة الأمد على بنية المجتمع. ففقدان الثقة في إمكانية تحقيق حلم «البيت الخاص» يهدد بإضعاف إحدى ركائز الطبقة الوسطى الألمانية، ويزيد من هشاشة الفئات الأقل قدرة ماديًا في مواجهة تقلبات سوق الإيجارات.

اجمالاً، يمكن القول إن قطاع البناء في ألمانيا يمر بمرحلة تصحيح صعبة تجمع بين تباطؤ الطلب، وارتفاع التكاليف، وتراجع الربحية، إلى جانب تحديات التمويل ونقص الكفاءات. والتي تنعكس على قدرة الاقتصاد الكلي على النمو كما تنعكس على قطاع الإسكان وعلى قدرته على توفير العدد الكافي للمساكن خصوصا مع الازمة القائمة في هذا الجانب، ومع ذلك، فإن التحول نحو الاستدامة والحياد الكربوني يمثل فرصة لإعادة هيكلة القطاع وتحفيز نموه في المدى المتوسط، خاصة من خلال الاستثمار في ترميم المباني القائمة وتحسين كفاءة الطاقة، وهو ما سيشكل العمود الفقري لنهضة البناء الألماني خلال العقد المقبل.