بالتوازي مع تقدم مفاوضات تشكيل الحكومة الائتلافية الألمانية الجديدة بين الاشتراكيين الديمقراطيين (SPD) وحزب الخضر (GRÜEN) والحزب الديمقراطي الليبرالي (FDP)، انتخب البرلمان الألماني الجديد (البوندستاج) اليوم Bärbel Bas من الحزب الاشتراكي كرئيسة للبرلمان الذي يضم 736 عضوا وهو ما يمثل رقما قياسياً جديداً في عدد أعضائه. ويعد منصب رئيس البرلمان ثاني أهم منصب في الدولة الألمانية بعد منصب رئيس الجمهورية. ويأتي انتخاب Bas كتطبيق لعرف برلماني تقليدي يقضي بان يتم انتخاب رئيس البرلمان من الحزب صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر.

     في اطار التطورات الاقتصادية، شهد مناخ الأعمال في ألمانيا تراجعاً طفيفاً خلال شهر أكتوبر حيث انخفض مؤشر الأعمال Ifo  إلى 97.7 نقطة، بعد ان كان عند مستوى 98.9 نقطة في سبتمبر الماضي. كما تراجعت التوقعات للأعمال خلال الأشهر القادمة بشكل خاص، كما أن الشركات كانت أقل إيجابية بشأن أوضاع الاعمال في الوقت الحالي. ويرجع هذا التراجع بدرجة أساسية الى مشكلة الامدادات والنقص في الرقائق الإلكترونية في قطاع الصناعة والتي تسببت في تباطؤ انتعاش الاقتصاد من اثار ازمة كورونا.

     في قطاع الصناعة، تراجع مؤشر مناخ الأعمال مرة أخرى حيث سجل 17.2 نقطة في شهر أكتوبر بعد ان كان عند مستوى 20 نقطة في شهر سبتمبر الماضي.  وكانت الشركات أقل رضا إلى حد ما عن مستوى أعمالها الحالية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال التوقعات عن مستوى الاعمال خلال الفترة القادمة اقل تفاؤلاً، نتيجة لاختناقات التسليم والإمدادات.

     في قطاع الخدمات، تدهور مناخ الأعمال مرة أخرى بعد الانتعاش في الشهر السابق، اذ تراجع مؤشر الاعمال في هذا القطاع من 19.1 نقطة الى مستوى 16.5 نقطة. وبالرغم من ان الشركات أقل تفاؤلاً بشأن الأشهر المقبلة. الا انها تقيم وضعها الحالي بشكل أفضل إلى حد ما. مؤشر الاعمال في قطاع التجارة انخفض بشدة خلال شهر أكتوبر حيث تراجع من 9 نقاط المسجلة في شهر سبتمبر الى مستوى 3,7 نقطة فقط، وكان التجار أقل رضا بشكل ملحوظ عن أعمالهم الحالية. بالإضافة إلى ذلك، يتراجع التفاؤل في هذا القطاع بالنسبة للأعمال خلال الأشهر القادمة مدفوعاً بتأثيرات الاختناقات في الامدادات.

     وعلى عكس الاتجاه العام في الكثير من قطاعات الاقتصاد الألماني، تحسن مناخ الأعمال مرة أخرى في قطاع البناء من مستوى 11.1 نقطة في الشهر الماضي الى مستوى 12.9 نقطة في أكتوبر، حيث تقيم الشركات وضعها الحالي بشكل أفضل إلى حد ما، بالإضافة إلى تحسن التوقعات لمستوى الاعمال خلال الأشهر القادمة وذلك للمرة السادسة على التوالي.

     في سياق متصل، خفضت لجنة حكماء الاقتصاد الألماني توقعاتها لمستويات النمو خلال العام الحالي بشكل كبير. حيث أشار تقرير الخريف الخاص بمؤشرات الاقتصاد ان الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا سينمو بنسبة 2.4 في المئة فقط في عام 2021م، بعد ان كان تقرير الربيع قد توقع نمواً اجمالياً للعام بنسبة 3.7 في المئة. وهو ما يعني ان تعافي الاقتصاد من ازمة كورونا سيكون اقل بكثير مما كان متوقعًا في بداية العام، خصوصا ان الناتج المحلي قد شهد خلال العام 2020م تراجعا بنسبة 4.8 في المئة. وبحسب التقرير فان الاقتصاد لا يزال مثقلًا بأزمة كورونا، الى جانب أيضًا معاناة العديد من القطاعات الاقتصادية من اختناقات في الامدادات والنقص في المواد الأولية والوسيطة اللازمة للإنتاج، خصوصا في قطاع الصناعة.  وبسبب استمرار الجائحة، لا يُتوقع تطبيع كامل “للأنشطة الاقتصادية كثيفة الاتصال مع الجماهير على المدى القصير”.  من جانب أخر يُتوقع ان يستعيد الاقتصاد الألماني المستوى الذي سجله قبل الجائحة مع نهاية العام 2022م، حيث تشير التقديرات الى نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال العام القادم بنسبة 4.8 في المئة.

     النقص في المواد الخام وتأخر الامدادات كان لها ايضاً تأثير سلبي على الصادرات الألمانية، حيث فقدت الصادرات الألمانية زخمها في شهر أغسطس، فوفقًا للمكتب الاتحادي للإحصاء، تراجعت الصادرات خلال هذا الشهر بنسبة 1.2 في المئة مقارنة بالشهر السابق، وهو التراجع الأول للصادرات منذ شهر أبريل 2020م.  ومع ذلك، كانت الصادرات لا تزال أعلى من مستوى ما قبل الأزمة في فبراير 2020م، حيث بلغت قيمة الصادرات الألمانية في شهر أغسطس 2021م نحو 104.4 مليار يورو.  وفي هذا الإطار قال Dirk Jandura رئيس دائرة التجارة الخارجية في الاتحاد الألماني للبيع بالجملة والتجارة الخارجية والخدمات BGA، ان” ارتفاع أسعار الشحن ونقص الحاويات يزيدان صعوبة الأعمال الدولية ويتسببان في ارتفاع الأسعار لجميع اللاعبين في السوق”. كما أكد Joachim Lang المدير العام لاتحاد الصناعة الألماني BDI أن: “المشكلات في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، والنزاعات التجارية التي لم يتم حلها تغمق السماء الاقتصادية وتؤثر بشكل كبير على الصادرات”.

     من جهة اخري تهدد معدلات التضخم المرتفعة معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو وفي ألمانيا، اذ بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي Eurostat ارتفع التضخم في منطقة اليورو خلال شهر سبتمبر إلى أعلى مستوى له في 13 عاما، حيث وصل المعدل الى نسبة 3.4 في المئة، بينما كان هذا المعدل عند مستوى 3 في المئة في شهر أغسطس. ويعود السبب الأساسي لهذا الارتفاع الى الزيادة الكبيرة في أسعار الطاقة، حيث سجلت أسعار الطاقة في شهر سبتمبر ارتفاعاً بنسبة 17.4 في المئة مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، وارتفعت أسعار السلع الصناعية بنسبة 2.1 في المئة، كما زادت تكلفة الأطعمة والاغدية بنسبة 2.1 في المئة عما كانت عليه قبل عام. وكانت الخدمات أكثر تكلفة بنسبة 1.7 في المئة.

     في سياق متصل أعلن المكتب الاتحادي للإحصاء أن معدل التضخم في ألمانيا في شهر سبتمبر قد وصل إلى 4.1 في المئة. وهذا هو أعلى معدل تضخم منذ نهاية عام 1993م. وبالتالي فإن التضخم في ألمانيا أعلى بشكل ملحوظ من المتوسط ​​بالنسبة لدول منطقة اليورو. كما يتوقع ان يصل معدل التضخم في ألمانيا الى نسبة 5 في المئة مع نهاية العام.  ويعود هذا المعدل المرتفع للتضخم في ألمانيا الى مجموعة من الأسباب، أهمها تراجع الإنتاج في القطاع الصناعي وخصوصا قطاع صناعة السيارات نتيجة نقص الرقائق الإلكترونية    وكذلك صعوبات الشحن البحري والتي أدت الى ارتفاع أجور الشحن وتأخر وصول السلع والبضائع، الى جانب كل ذلك أدى ضخ الحكومة الألمانية لأموال ضخمة الى الأسواق في شكل مساعدات وقروض لمواجهة ازمة كورونا بالإضافة الى ارتفاع المدخرات نتيجة انخفاض الاستهلاك خلال ذروة جائحة كورونا في العام 2020م الى ارتفاع المعروض النقدي وارتفاع الطلب على السلع بشكل يفوق المعروض منها. ويهدد هذا المستوي من التضخم بحدوث ركود اقتصادي خصوصا إذا ما استمر في الارتفاع او استمر على هذا المعدل المرتفع لفترة طويلة. اذ ستؤدي الأسعار المرتفعة الى تراجع الاستهلاك الخاص خصوصا للسلع الاستهلاكية مثل السيارات والأجهزة الكهربائية والملابس. وهو الامر الذي سيؤثر تلقائيا على معدلات نمو الاقتصاد بالسلب.

     ويأمل الاقتصاديون في عدم حدوث هذا السيناريو اعتمادا على التوقعات بانفراج ازمة الشحن البحري مع بداية العام القادم والذي يحتمل أيضا ان يشهد تراجع أسعار الطاقة من بنزين وغاز، كما تشير عدد من معاهد الابحاث الاقتصادية الى ان النقص في الرقائق الإلكترونية    والمواد الوسيطة اللازمة لاستمرار الإنتاج في القطاع الصناعي سوف تنتهي أواخر العام القادم 2022م وبالتالي التوقع بعودة الأوضاع الاقتصادية الى طبيعتها والى مستوى ما قبل جائحة كورونا بحلول العام 2023م.

سوق العمل: استمرار تراجع البطالة وأزمة نقص الرقائق الإلكترونية   تؤثر على العمالة

     يستمر سوق العمل في الانتعاش حيث تتراجع اعداد العاطلين عن العمل بشكل مستمر كما يتواصل عدد الوظائف في الارتفاع، وأشار تقرير وكالة العمل الاتحادية عن سوق العمل في شهر سبتمبر الى ان عدد العاطلين قد تراجع بحوالي 114 ألف شخص مقارنة بالشهر السابق وبنحو 382 ألف شخص مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، وبذلك بلغ عدد العاطلين الإجمالي 2465000 شخص، وبهذا التراجع الكبير في عدد العاطلين انخفض معدل البطالة في ألمانيا بنسبة 0.2 نقطة مئوية ليصل المعدل الى مستوى 5.4 في المئة ، ويمثل هذا المعدل اقل من معدل البطالة المسجل في شهر سبتمبر العام 2020م بنحو 0.8 نقطة مئوية.

     كما لا يزال الطلب على الموظفين الجدد في ازدياد حيث تم تسجيل 799 ألف وظيفة شاغرة لدي وكالة العمل الاتحادية في شهر سبتمبر وذلك بزيادة 209 ألف وظيفة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وبزيادة بنحو 18 ألف وظيفة مقارنة بالشهر السابق.

     فيما يتعلق بالمسجلين الجدد في برنامج العمل بدوام مختصر فقد سجلت الشركات خلال الفترة الممتدة ما بين 1 و26 سبتمبر حوالي 70 ألف حالة جديدة. ووفقا لمعهد الدراسات الاقتصادية التابع لجامعة ميونخ Ifo، فقد استمر التراجع في اعداد العمال والموظفين المسجلين في برنامج العمل بدوام مختصر في ألمانيا نتيجة لأزمة كورونا، لكن هذا التراجع تباطأ خلال شهر سبتمبر، ويعود هذا التباطؤ بشكل رئيسي الى النقص في الرقائق الإلكترونية الذي يعاني منه قطاع الصناعة بشكل عام وقطاع صناعة السيارات بشكل خاص. وبحسب المعهد فقد بلغ اجمالي عدد المسجلين في البرنامج في شهر سبتمبر 610 ألف موظف وعامل مقابل 694 ألف عامل في شهر أغسطس الماضي ونحو 1.04 مليون عامل وموظف في شهر يوليو. وتعود هذه التقديرات الى مسح اجراه المعهد بالإضافة الي بيانات وكالة العمل الاتحادية.

     وقال Stefan Sauer خبير الاستطلاعات في معهد Ifo ان قطاع الصناعة شهد ارتفاعا طفيفا في عدد العمال المسجلين في البرنامج حيث ارتفع عددهم من 250 ألف موظف وعامل الى 260 ألف وارتفعت وفقا لذلك نسبة العمال في البرنامج من 3.6 في المئة الى 3.7 في المئة من اجمالي العاملين في الصناعة. الا ان قطاع صناعة السيارات وقطاع صناعة المعادن تأثرت بدرجة أكبر نتيجة النقص في إمدادات الرقائق الإلكترونية والمواد الوسيطة الأخرى حيث ارتفع عدد عمال صناعة السيارات المسجلين ضمن برنامج الدوام المختصر من 26 ألف موظف الى 34 ألف موظف والذي يتوافق مع نسبة 3.6 في المئة من اجمالي العاملين في القطاع. في مجال إنتاج المعادن، ارتفع العدد من 3000 إلى 6000 موظف وبما يساوي 2.1 في المئة من اجمالي الموظفين في صناعة المعادن.

     علاوة على ذلك تتجه العديد من شركات صناعة السيارات الى خفض انتاجها وحتى اغلاق بعض مصانعها بشكل مؤقت، وبالتالي تسجل مزيد من موظفيها في برنامج العمل بدوام مختصر، حيث أعلنت شركة فولكس فاجن تخفيض انتاجها في مصانعها الرئيسية في مدينة فولفسبورج بحوالي 130 ألف سيارة، كما ستقوم شركة أوبل بإغلاق مصنعها في آيزناخ بالكامل لعدة أشهر، كما تحذر شركة BMW  من اضطرارها الى خفض انتاجها هي الأخرى في حال استمر النقص في الرقائق الالكترونية.

     ولا يتوقع المصنعون في قطاعي صناعة السيارات والمعادن أي تراجع في ازمة نقص الرقائق الإلكترونية    على المدى القصير، حيث يؤكدون انه “يمكننا أن نرى أن هذه التأثيرات ستستمر على الأرجح حتى عام 2022م”، كما يفترض العديد من مراقبي السوق أنه سيكون هناك تحسن واضح فقط بداية من عام 2023م، عندما تتوفر كميات أعلى من الرقائق الإلكترونية من المصنعين.

     على العكس من ذلك سجل قطاع الضيافة أكبر انخفاض في عدد الموظفين المسجلين في برنامج العمل بدوام مختصر حيث وصل عددهم في شهر سبتمبر الى 58 ألف موظف وعامل وبنسبة 5.5 في المئة من اجمالي عمال القطاع مقارنة بنسبة 7.8 في المئة في الشهر السابق، حيث استفاد القطاع من تخفيف قيود التباعد الاجتماعي. في قطاع تجارة التجزئة استمر أيضا عدد المسجلين في البرنامج في التراجع حيث بلغت نسبتهم 0.9 في المئة خلال شهر سبتمبر (21 ألف موظف) مقابل 1 في المئة في شهر أغسطس. وفي قطاع تجارة الجملة انخفض عدد العمال المسجلين في برنامج العمل بدوام مختصر من نسبة 1.7 في المئة من اجمالي موظفي القطاع في شهر أغسطس الى نسبة 1.1 في المئة وبما يساوي 15 ألف عامل في شهر سبتمبر.

ارتفاع قياسي للثروات المالية في ألمانيا

     ارتفعت الثروات المالية للمواطنين الألمان من نقد واوراق مالية وودائع مصرفية واستحقاقات لدى شركات التأمين في نهاية الربع الثاني من العام 2021م الى أكثر من 7325 مليار يورو، وبحسب تقرير للبنك المركزي الألماني  يمثل هذا المبلغ أكثر بنحو 159 مليار يورو مقارنة بالثروات المالية في ألمانيا في نهاية الربع الأول من العام الحالي وهو ما يمثل ايضاً رقما قياسياً بعد ان تم كسر حاجز السبعة تريليون يورو في الأشهر الثلاثة الاولي من العام 2021م. ويتوقع الخبراء الاقتصاديون استمرار ارتفاع هذه الثروات خلال الفترة المتبقية من العام.  ويأتي ارتفاع هذه الثروات المالية، على الرغم من تخفيف قيود كورونا وارتفاع معدلات الاستهلاك الا ان استمرار ارتفاع الثروات مع معدلات الاستهلاك العالية يعود الى ارتفاع أسعار الأسهم في أسواق الأوراق المالية.

     أدى التخفيف التدريجي للقيود المفروضة على النشاط الاقتصادي وقواعد التباعد الاجتماعي لمكافحة جائحة فيروس كورونا إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي في الربع الثاني، ووفقًا للمكتب الاتحادي للإحصاء، فإن تطور معدل الادخار (أي مقدار المدخرات المقاسة بالدخل) قد انخفض مؤخرًا. ومع ذلك، استمر الناس في ادخار الأموال.  وقد شكلت الودائع النقدية والمصرفية أكبر جزء في الثروات المالية في ألمانيا حيث وصل مجموع الودائع النقدية في المصارف والمؤسسات المالية الى 2910 مليار يورو في نهاية يونيو، وهو ما يعني إضافة حوالي 52 مليار يورو في الربع الثاني. وعلى الرغم من ان المودعين يكادون لا يربحون أي شيء بسبب أسعار الفائدة المنخفضة جداً وكذلك يتعين عليهم في كثير من الأحيان دفع أموال مقابل حساباتهم وودائعهم النقدية في المصارف (ما يسمى بالفائدة السلبية)، في مقابل ذلك تتركز مميزات الودائع المصرفية للمودعين في امكانية الوصول بسرعة إلى أموالهم إذا لزم الأمر بالإضافة الى تدني المخاطر بدرجة كبيرة على خسارة أموالهم في هذا الوعاء المالي.

    من جانب آخر وبالرغم من النفور التقليدي للمواطنين الألمان من المخاطرة بأموالهم في أسواق الأسهم والأوراق المالية الا ان الميل الى الاستثمار في السندات والأسهم يزداد بشكل مستمر لدى المدخرين الألمان، وبحسب تقرير البنك المركزي الألماني فانه وبالرغم من ان ” أشكال الاستثمار السائلة أو التي يُنظر إليها على أنها منخفضة المخاطر لا تزال تحظى بشعبية كبيرة بشكل عام، لكن استثمارات المواطنين الألمان في الأسواق المالية ترتفع منذ سنوات”. وبحسب بيانات البنك، لعبت الأرباح المتأتية من الاستثمار في أسهم الشركات وأسهم صناديق الاستثمار دورًا رئيسيًا في نمو الأصول المالية في الربع الثاني من العام 2021م.

     في سياق متصل ووفقًا لمعهد الأسهم الألمانية (DAI)، ارتفع عدد المساهمين في سوق الأسهم العام 2020م، إلى أعلى مستوى منذ ما يقرب من 20 عامًا، وعليه، فإن 12.35 مليون ألماني، وبالتالي واحد من كل ستة مواطنين ألمان، يملكون أسهمًا في الشركات المدرجة في الأسواق المالية أو صناديق الاستثمار، وبزيادة تقدر بنحو 2.7 مليون مساهم مقارنة بالعام 2019م. ويمثل هذا العدد من المساهمين الأعلى منذ العام 2001م. في اتجاه مختلف استثمر المدخرون في ألمانيا أموال اقل في الربع الثاني من العام الحالي في مؤسسات التأمين والتقاعد مقارنة بالربع الأول حيث ضخ المدخرون نحو 20 مليار يورو في هذه المؤسسات والصناديق ليصل اجمالي الأموال والثروات والمستحقات للمواطنين الألمان في شركات التأمين والتقاعد الى 2529 مليار يورو.

     ويتوقع البنك التعاوني (DZ Bank) زيادة أخرى في الأصول المالية في العام الحالي، اذ من المرجح أن يدخر الناس أقل من عام 2020م بفضل التخفيف المتزايد من قيود كورونا. ومع ذلك، وبفضل الزيادات في قيمة الأسهم والأوراق المالية، يُتوقع أن ترتفع الأصول المالية إلى 7.6 تريليون يورو. في العام المقبل، حيث يمكن توقع زيادة أخرى في الثروات والأصول المالية للمواطنين الألمان قد تصل الى ثماني تريليونات يورو مع نهاية العام 2022م.

5 تريليون يورو تكلفة الحياد المناخي في ألمانيا

      تمثل حماية البيئة ومنذ اكثر من عشر سنوات احد المواضيع والاهتمامات الرئيسية للحكومات الألمانية المختلفة والتي صاغت القوانين من اجل تحقيق الحياد المناخي وضمان حماية البيئة، ومع قرار المحكمة الدستورية العليا نهاية شهر ابريل هذا العام بعدم كفاية قانون حماية البيئة الذي اقرته الحكومة عام 2019م، اقرت الحكومة منتصف شهر مايو تعديلات على القانون، تهدف هذه التغييرات في قانون حماية المناخ إلى تحديد موعد ابكر للوصول الى الحياد المناخي في ألمانيا وتحديد شكل مسار حماية المناخ بعد عام 2030م، حيث تم إقرار ان تصبح ألمانيا محايدة مناخياً بحلول عام 2045م.

     تقديم موعد الحياد المناخي لألمانيا بخمس سنوات هو امر ممكن تنفيذه، وذلك بحسب دراسة لعدد من معاهد الأبحاث والمؤسسات والتي تضم Stiftung Klimaneutralität وAgora Energiewende وAgora Verkehrswende. على شرط ان يتم تسريع عدد من الخطوات الأساسية فيما يتعلق بحماية المناخ، على سبيل المثال، التخلص التدريجي المبكر من الفحم، والمزيد من السيارات الإلكترونية والتوسع في تقنيات انتاج الكهرباء الخضراء. اذ يجب وفقا للدراسة تكثيف استخدام تقنيات كفاءة الطاقة الى جانب التوسع في تطوير الطاقات المتجددة وطاقة الهيدروجين بشكل أسرع. كما انه من الضروري على وجه التحديد لألمانيا التخلص التدريجي من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم بحلول عام 2030م بدلا عن الموعد المقرر حتى الآن وهو العام 2038م على أبعد تقدير.

     وتعتبر الدراسة أن التوسع بشكل كبير في بناء محطات توليد الطاقة عبر الرياح وعبر الطاقة الشمسية أصبح ضرورة ملحة. كما أصبح لطاقة الهيدروجين الاخضر أهمية متزايدة، حيث يجب ان يحل الهيدروجين بعد عام 2040م محل الغاز الطبيعي باعتباره أهم وسيلة لتخزين الطاقة المتولدة عبر طاقة الرياح والطاقة الشمسية لتعويض الطاقة الكهربائية في الأوقات التي يقل فيها انتاج هذين النوعين من الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، ووفقًا للدراسة، يجب أن يتم الانتقال الى السيارات الكهربائية بشكل أسرع، اذ يفترض ان يبلغ عدد السيارات الكهربائية في شوارع ألمانيا أكثر من 14 مليون سيارة بحلول العام 2030م، كما يجب ان يتوقف انتاج السيارات بمحركات الاحتراق الداخلي بحلول العام 2032م، وبحلول عام 2045م، سيتعين استبدال جميع المركبات المزودة بمحركات احتراق داخلي تقريبًا بسيارات إلكترونية.

     مختلف هذه الإجراءات والسياسات التي تستهدف ان تصبح ألمانيا محايدة مناخياً في عام 2045م، تتطلب استثمارات اجمالية تبلغ حوالي خمس تريليونات يورو وذلك وفقا لدراسة أجراها معهد Nextra  للاستشارات ومعهد الاستثمارات الرأسمالية المستدامة (NKI) لحساب بنك إعادة الاعمار والتنمية الحكومي KfW ،  وعلق كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الألماني   Fritzi Köhler-Geib على هذا بالقول” انه مبلغ ضخم بالفعل لكن من الممكن جمعه وتنفيذ الإجراءات الازمة لتحقيق الحياد المناخي، على انه ينبغي توجيه الاموال الحكومية الى الاستثمارات المناسبة لأهداف الحياد المناخي الى جانب حشد وتجميع الاستثمارات الخاصة لنفس الهدف”،  خصوصا ان جزءً كبيرا من هذا المبلغ هي استثمارات مخططه وسيجري تنفيذها بالفعل في جميع الأحوال، لكن يجب فقط توجيه هذه الأموال أكثر نحو البدائل التي تساهم في الحياد المناخي. ووفقًا للدراسة، فإن الاستثمارات الإضافية المتعلقة بشكل مباشر في تنفيذ إجراءات الوصول الى الحياد المناخي قد تصل إلى 1.9 تريليون يورو وهذا يساوي استثمارات إضافية سنوية بمتوسط ​​72 مليار يورو حتى عام 2045م.

     ويذكر الباحثون والخبراء أن تحقيق هدف الحياد المناخي يتطلب تحولًا واسع النطاق في جميع القطاعات الاقتصادية، بداية من قطاع النقل مروراً بقطاع الصناعة حتى الوصول إلى قطاع بناء وصيانة المنازل. ووفقاً لبنك إعادة الاعمار والتنمية KfW، فان هذه الاستثمارات تعتبر استثمارات جيدة لأن استثمارات حماية المناخ توفر أيضًا فرصة لتحسين القدرة التنافسية لألمانيا من خلال تطوير تقنيات جديدة يمكن أن تعزز ألمانيا كموقع صناعي موجه للتصدير على المدى الطويل، وبما يمكن أيضا أن تولد ألمانيا دخلاً من شأنه أن يغطي ثلثي الاستثمارات الإضافية الضرورية.

    وبحسب الدراسة فأن الجزء الأكبر من الاستثمارات الموجه لتحقيق هدف الحياد المناخي سوف تكون في قطاع النقل حيث تبلغ 2.1 تريليون يورو، لكن الجزء الأكبر من هذا المبلغ هي استثمارات مخططة بالفعل ويتعلق الأمر فقط بإعادة تنظيم وتوجيه هذه الاستثمارات وبالتالي فإن الاستثمارات الإضافية الفعلية أقل بكثير حيث تصل الى 153 مليار يورو فقط. وتأتي الاستثمارات في قطاع الطاقة في المركز الثاني بقيمة 840 مليار يورو سيوفر القطاع الخاص 636 مليار يورو منها، كما ان الاستثمارات الجديدة اللازمة في هذا القطاع من غير المبالغ المخططة بالفعل تبلغ 254 مليار يورو. بينما سيتعين على القطاع الصناعي استثمار حوالي 620 مليار يورو، منها 462 مليار يورو استثمارات إضافية، ويعود السبب في كبر حجم الاستثمارات الإضافية في قطاع الصناعة الى ان التحول في قطاع الصناعة الى أساليب انتاج صديقة للبيئة يحتاج الى تقنيات جديدة تماما وجهود إضافية في تعديل عمليات التصنيع.

 

ازمة نقص سائقي الشاحنات تهدد سلسلة التوريد والامدادات في ألمانيا  

     تعاني المملكة المتحدة في الوقت الحاضر من ازمة نقص الامدادات في مختلف القطاعات الاقتصادية بداية من نقص بعض المواد والبضائع من متاجر الأغذية مرورا الى نقص بعض مكونات الإنتاج الصناعي ووصولا الى نقص الوقود والبنزين، ويعود الجزء الأكبر من هذه الازمة الى النقص الشديد الذي تواجهه بريطانيا في إيجاد سائقي الشاحنات والبالغ نحو 100 ألف سائق، وهو النقص الدي تفاقم نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وفرض قيود على انتقال العمالة الى جانب ازمة جائحة كورونا، وهذه الأسباب اجبرت الكثير من سائقي الشاحنات الأوروبيين من العودة الى بلدانهم والبقاء فيها. ما يعيشه الاقتصاد البريطاني يتوقع ان يواجهه الاقتصاد الألماني في المستقبل القريب، حيث حذر الاتحاد الألماني لنقل البضائع والخدمات اللوجستية (GBL) من انهيار الامدادات في ألمانيا وقال Dirk Engelhardt المتحدث باسم الاتحاد ” ان الازمة الحادثة الان في بريطانيا قد تسارعت بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنني اتوقع أنه سيكون لدينا نفس الوضع في أوروبا الغربية، بعد فترة قصيرة “. مضيفاً “نحن نحذر من أننا سنواجه انهيارًا في الإمدادات في ألمانيا أيضًا، بسبب النقص في عدد سائقي الشاحنات والذي يصل الى 80 ألف سائق”، ووفقًا لـ Engelhardt، فان هذا النقص يتزايد حيث يتقاعد حوالي 30 ألف سائق كل عام بينما يتم تدريب نحو 17 ألف سائق جديد سنوياً فقط.  ووفقًا لدراسة أجرتها وزارة النقل الاتحادية، قد يصل النقص في عدد سائقي الشاحنات إلى 185 ألف بحلول نهاية العقد. وبحسب المتحدث باسم اتحاد نقل البضائع الألماني فان “هناك حاجة للسائقين في كل انحاء العالم.”

     وتكمن أهمية النقل بالشاحنات انه وسيلة النقل الأساسية في الاقتصاد الألماني، حيث وبحسب مكتب الإحصاء الاتحادي يتولى قطاع النقل بالشاحنات نقل ما يساوي 3,2 مليار طن من البضائع المختلفة سنوياً. وتشمل هذه البضائع كل ما يتعلق بالاحتياجات اليومية من الغذاء والوقود وصولاً إلى المواد الأولية لمختلف القطاعات الاقتصادية.

     وعند البحث عن أسباب رغبة قلة من الناس في الانخراط في مهنة سائق شاحنة، يتفق الخبراء على ان اهم الأسباب تتركز في ان الأجور أقل من المتوسط ​​ وان هناك ساعات عمل غير منتظمة كما تعتبر ظروف العمل صعبة بشكل عام.  وتعد الأجور المتدنية هي اهم الأسباب في عزوف الشباب عن الانخراط في مهنة سائقي الشاحنات حيث ان أكثر من ثلاثة أرباع سائقي الشاحنات في ألمانيا يتلقون أجور منخفضة، وهو ما ينتقده بشدة اتحاد نقابات قطاع الخدمات Verdi (Die Vereinte Dienstleistungsgewerkschaft) فوفقًا للاتحاد، فإن متوسط ​​أجر البداية للسائقين أقل من 1900 يورو شهريًا، وفي عام 2020م، كان متوسط اجر سائقي الشاحنات ما معدله 14.21 يورو في الساعة، وفقًا للمكتب الاتحادي للإحصاء، بينما كان متوسط ​​الدخل الإجمالي للساعة للعمال المهرة 19.97 يورو كمتوسط في الاقتصاد الألماني ككل، وللعمال شبه المهرة 16.02 يورو للساعة. وبلغ متوسط رواتب سائقي الشاحنات مبلغ 2623 يورو شهريًا، قبل خصم الضرائب والمصروفات الاجتماعية، بينما في الجهة المقابلة كان متوسط رواتب الموظفين ذوو التدريب والخبرة المهنية المماثل 3286 يورو شهرياً. ويصعب تنفيذ زيادات للأجور في هذا القطاع بسبب وجود حرب أسعار ضخمة في صناعة الخدمات اللوجستية للحصول على عقود إضافية.

     الى جانب الأجور الضعيفة فان النقص في عدد السائقين له علاقة أيضًا بحقيقة أن وظيفة سائق الشاحنة يُنظر إليها على أنها أقل جاذبية بسبب صعوبة الموازنة بين العمل والحياة الخاصة، خصوصا بسبب تعرض السائقين الى ضغوط وقت العمل الذي يمتد لساعات طويلة ومتواصلة وغالبًا ما لا يستطيعون التعامل مع الجداول الزمنية الضيقة لتسليم البضائع لذلك يتم تجاهل أوقات الراحة بشكل متكرر والتعرض للإجهاد والارهاق. بالإضافة إلى ذلك، لدى الشاحنات صورة سيئة حيث ينُظر لها على أنها ملوثة كبيرة للبيئة والمناخ وصاخبة تزعج مستخدمي الطريق الآخرين، ولهذا السبب يشعر السائقون بأنهم لا يحصلون على الاحترام الذي يستحقونه. هذه الصورة السيئة هي سبب رئيسي ايضاً لقلة رغبة الشباب في اختيار مهنة سائق شاحنة.

     من الحلول التي تعمل عليها شركات النقل والشحن البري الاعتماد على سائقين من دول أوروبا الشرقية وبشكل خاص من دول مثل بولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، كما يوجد هناك، ولو بشكل اقل، سائقون من ليتوانيا ورومانيا وبلغاريا، وهنك خطط لجلب سائقين أيضا من الفلبين لمواجهة النقص في السائقين. أيضا تمثل الحلول من خلال التقنيات الجديدة مثل الشاحنات ذاتية القيادة أحد الخيارات التي يتم بحثها على الرغم من ان خبراء الصناعة لا يعتقدون أنه سيتم استبدال السائقين بشاحنات مزوده بهذه التقنية في المستقبل القريب. ويعتقد اتحاد نقابات قطاع الخدمات أن حل مشكلة نقص السائقين يعتمد قبل كل شيء على مسألة الأجور، عبر رفع يجب رفع مستوى العائد المالي للسائقين لجعل الوظيفة أكثر جاذبية للشباب. من وجهة نظر الغرفة قد تكون لهذه الأزمة ابعاد مستقبلية إيجابية لانخراط المقيمين الجدد من الدول العربية في هذه المهنة او التفكير بشكل إيجابي لتأهيل كوادر من عدد من الدول العربية التي لديها فائض من العمالة وتعاني من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب للولوج مستقبلا الى سوق العمل الألماني والأوروبي.

     واجمالاً، يعمل في قطاع خدمات الشحن والخدمات اللوجستية أكثر من 595 ألف شخص بأرقام العام 2020م. كما ان 50 في المئة من شركات هذا القطاع لديها نحو 50 عامل بينما 15 في المئة فقط منها يوظف أكثر من 200 عامل. وقد بلغت إيرادات الشركات العاملة في القطاع في العام 2019م حوالي 114.5 مليار يورو.