ارتفع مؤشر ifo لمناخ الاعمال للشركات الألمانية في شهر فبراير 2026م، إلى 88.6 نقطة، بعد أن كان عند مستوى 87.6 نقطة في يناير الماضي. ويعود هذا التحسن الى ان الشركات أبدت رضا أكبر عن أعمالها الجارية، كما تحسّنت توقعاتها لمستوى أعمالها خلال الأشهر القادمة. ويشير هذا التحسن الى ان الاقتصاد الألماني بدأ يُظهر أولى إشارات الانتعاش.
في قطاع الصناعة، ارتفع المؤشر مجددًا في شهر فبراير الى مستوى ( -11.3 نقطة) بعد ان كان في الشهر السابق عند مستوى ( -12.3 نقطة)، ويعود ذلك إلى تحسّن ملحوظ في تقييم الشركات لأوضاعها الحالية. ورغم أن التوقعات بخصوص مستقبل الاعمال خلال الفترة القادمة تراجعت قليلًا، الا ان حجم الطلبيات تطوّر بشكل إيجابي مما رفع خطط الإنتاج.
كذلك تحسن مناخ الاعمال في قطاع الخدمات، فقد سجل المؤشر في فبراير مستوى 0.1 نقطة في مقابل مستوى ( -2.6 نقطة) في يناير، وكان لارتفاع مستوى التوقعات المستقبلية للأعمال دور أساسي في تحسن المؤشر. كذلك أبدى مقدمو الخدمات رضا أكبر عن أوضاع اعمالهم الحالية. وفي قطاع الخدمات اللوجستية، سجّل مؤشر مناخ الأعمال ارتفاعًا واضحًا.
وعلى العكس من هذا الاتجاه تراجع مؤشر مناخ الاعمال في قطاع التجارة في فبراير بشكل طفيف، حيث سجل المؤشر مستوى ( -21.8 نقطة) بينما كان عند مستوى ( -21.1 نقطة) في الشهر السابق حيث قيّمت الشركات وضعها الحالي بصورة أقل إيجابية. غير أن التوقعات الخاصة بالأعمال في الأشهر المقبلة عُدّلت قليلًا نحو الأفضل. وبينما ظهرت بوادر تحسن طفيف في تجارة الجملة، تدهور مناخ الأعمال بشكل ملحوظ في تجارة التجزئة.
اما في قطاع البناء، فقد واصل مناخ الأعمال تعافيه، حيث ارتفع المؤشر في شهر فبراير الى مستوى (-11.5 نقطة) فيما كان عند مستوى ( -14.3 نقطة) في يناير الماضي، إذ جاءت تقييمات الوضع الحالي للأعمال أكثر إيجابية، وكذلك كان الامر مع التوقعات الخاصة بالأعمال خلال الفترة القادمة. إلا أن تحسّن حجم الطلبيات لا يزال يسير بوتيرة بطيئة.
في سياق متصل، خفّضت الحكومة توقعاتها للنمو الاقتصادي لهذا العام. وأفادت وزارة الاقتصاد في برلين أنه من المتوقع تحقيق نمو بنسبة 1 في المئة في عام 2026م، بعدما كانت التوقعات في الخريف الماضي تشير إلى نمو في الناتج المحلي الإجمالي بواقع 1.3 في المئة. وكان الاقتصاد الألماني قد تمكن من تجنب عام ثالث دون نمو اقتصادي، محققة نموًا طفيفًا بلغ 0.2 في المئة فقط، لتتخلف بذلك عن غيرها من الدول الصناعية الكبرى.
أحد أسباب تراجع التوقعات، بحسب الحكومة، هو أن التعافي في النصف الثاني من عام 2025م كان أضعف من المتوقع، ما جعل بداية العام الجديد أكثر صعوبة. كما أن الإنفاق الحكومي لتحديث البنية التحتية وحماية المناخ وتعزيز قدرات الجيش الألماني، يسير بوتيرة أبطأ من المأمول. وأكد وزير المالية الاتحادي لارس كلينغبايل أن تنفيذ الاستثمارات الحكومية يحتاج إلى تسريع أكبر.
وعلى العكس من التوقعات الحكومية، تشير توقعات عدد من المعاهد الاقتصادية الى ان أفاق الاقتصاد الألماني أكثر إيجابية مما كانت عليه منذ فترة طويلة، حيث ترى هذه المعاهد ان الاقتصاد قد يشهد في عام 2026م تحسنًا أوضح. فعلى سبيل المثال، يتوقع خبراء المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية DIW في برلين نموًا بنسبة 1.3 بالمئة هذا العام. ويبدي Dirk Schumacher، كبير الاقتصاديين في بنك التنمية واعادة الاعمار الألماني KfW، تفاؤلًا أكبر، إذ يقول”: نحن نتوقع نموًا بنسبة 1.5 بالمئة. وبعد سنوات من الركود يُعدّ هذا، على الأقل وفق المعايير الألمانية، نموًا جيدًا إلى حدٍّ ما”. ويؤكد أن النمو في عام 2026م، سيكون مدفوعًا بشكل أساسي بما يُعرف بـ”الدفعة المالية” (Fiscal Impuls)”، أي زيادة الإنفاق الحكومي، خصوصًا على الدفاع والبنية التحتية. فالحكومة الاتحادية تعتزم إنفاق أكثر من 108 مليارات يورو على الدفاع في عام 2026م، وحده. ويقدّر خبراء من مؤسسات مثل Goldman Sachs وVanguard أن هذا الإنفاق سيضيف نحو 0.5 نقطة مئوية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي.
كما انه من المتوقع أن يستمر ارتفاع الإنفاق الحكومي في عام 2027م أيضًا، لكن Edgar Walk، كبير الاقتصاديين في مؤسسة Metzler Asset Management، يحذر من ان الاقتصاد الألماني قد يواجه انتعاشًا مؤقتًا قصير الأمد، مشيرًا إلى ضرورة أن تُستكمل زيادة الإنفاق بإصلاحات هيكلية حقيقية. ويرى أن من المهم الحفاظ على استقرار تكاليف العمل غير المباشرة، مما قد يشجع الشركات على زيادة استثماراتها داخل ألمانيا. ويشير Jörg Krämer، كبير الاقتصاديين في Commerzbank، إلى أن الدولة تنفق مبالغ كبيرة، لكن الشركات لا تحصل على الإصلاحات التي تحتاجها. ويرى أن أكبر خطر على النمو الاقتصادي الألماني يكمن داخليًا، وتحديدًا في غياب التوافق داخل الحكومة بشأن الإصلاحات الهيكلية الضرورية. وفي هذا الجانب يتفق الخبراء إلى حد بعيد على طبيعة الإصلاحات المطلوبة والتي تتضمن تقليص البيروقراطية، تحرير الأسواق، خفض الضرائب على الشركات، تقليل أو تثبيت تكاليف العمل غير المباشرة، تحسين البنية التحتية، وخفض تكاليف الطاقة. وكما يقول Krämer: “كل هذا معروف، المطلوب فقط هو التنفيذ”.
ويستند العديد من الخبراء والمعاهد الاقتصادية في توقعاتهم الإيجابية حول النمو الى ان القطاع الصناعي يُظهر أولى إشارات التعافي. إذ يبدو أن مرحلة التراجع المستمرة منذ عام 2018م تقترب من نهايتها، حيث ارتفعت الطلبيات مؤخرًا بشكل مفاجئ هو الأقوى منذ عامين. ولعبت الطلبات الكبيرة في مجال الصناعات الدفاعية دورًا مهمًا في ذلك. حيث شهدت الصناعة الألمانية في شهر ديسمبر ارتفاعًا مفاجئًا في الطلبيات للشهر الرابع على التوالي. وبحسب مكتب الإحصاء الاتحادي ارتفع حجم الطلبيات الجديدة بنسبة 7.8 في المئة مقارنة بالشهر السابق، ويُعدّ هذا أكبر ارتفاع منذ ديسمبر 2023م.
وكانت شركات تصنيع المنتجات المعدنية العامل الرئيسي وراء هذا الأداء القوي، إذ ارتفعت الطلبيات لديها بنسبة 30.2 في المئة، في حين حقق قطاع صناعة الآلات زيادة بلغت 11.5 في المئة. كما أسهمت الزيادات في قطاع صناعة المعدات الكهربائية (+9.8 في المئة) وكذلك في قطاع صناعة أجهزة معالجة البيانات والمنتجات الإلكترونية والبصرية (+5.7 في المئة) في دعم الأداء العام. ويتوقع خبراء أن تستمر الطلبيات الحكومية الكبيرة المرتبطة ببرامج إعادة التسلح في الأشهر المقبلة. وعلى صعيد الطلب المحلي ارتفع الطلب في ديسمبر بنسبة 10.7 في المئة مقارنة بالشهر السابق، في حين زاد الطلب من الخارج بنسبة 5.6 في المئة. وتراجع الطلب من دول منطقة اليورو بنسبة 0.6 في المئة، بينما ارتفع الطلب من بقية دول العالم بنسبة 9.7 في المئة.
سوق العمل: ارتفاع عدد العاطلين مجددًا إلى أكثر من ثلاثة ملايين والكوادر المتخصصة من الهند هي الأعلى دخلًا في ألمانيا
بلغ عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا في شهر يناير 2026م، أكثر من ثلاثة ملايين شخص. وبالمقارنة مع شهر ديسمبر2025م، ارتفع العدد بمقدار 177 ألفًا ليصل إلى 3.085 ملايين شخص، بحسب ما أعلنته وكالة العمل الاتحادية. ويُعد هذا أعلى رقم يُسجَّل في شهر يناير منذ عام 2014م. كما ارتفع معدل البطالة بمقدار 0.4 نقطة مئوية ليصل إلى 6.6 في المئة.
وقالت Andrea Nahles، رئيسة مجلس إدارة الوكالة الاتحادية للعمل، إن أسبابًا موسمية تقف وراء هذا الارتفاع. وأضافت أن آفاق العاطلين عن العمل ليست جيدة في الوقت الحالي، موضحة: “في الوقت الراهن لا توجد سوى ديناميكية محدودة في سوق العمل”.
وفيما يتعلق ببرنامج العمل بدوام جزئي، فقد بلغ عدد الموظفين الجدد المسجلين في البرنامج خلال الفترة من 1 إلى 26 يناير 2026م، حوالي 28 ألف شخص. وبلغ اجمالي عدد المسجلين في البرنامج بحسب أحدث البيانات المتوفرة لشهر نوفمبر 2025م نحو 204000 موظف. ويمثل هذا زيادة بمقدار 6000 موظف مسجل عن الشهر السابق، ولكن أقل بمقدار 61000 شخص عما كان عليه في نوفمبر من العام السابق. كما انخفض عدد الوظائف الشاغرة المسجلة لدى وكالة العمل الاتحادية إلى 598 ألف وظيفة، أي أقل بـ 34 ألف وظيفة مقارنة بالعام الماضي.
وكان عدد العاطلين عن العمل قد تجاوز آخر مرة ثلاثة ملايين شخص في أغسطس 2025م، وقبل ذلك ظل دون هذا المستوى لأكثر من عشرة أعوام. وترتفع البطالة في شهر يناير بانتظام لأسباب موسمية، إذ تنتهي مع نهاية العام العديد من عقود العمل المحددة المدة، كما تقلص القطاعات المعتمدة على الطقس مثل البناء والزراعة والسياحة من مستويات التوظيف. وغالبًا ما يتم تأجيل التعيينات الجديدة مع بداية العام.
من جانب أخر، أظهرت دراسة صادرة عن معهد الاقتصاد الألماني (IW)، ان العاملين القادمين من الهند يتقاضون أعلى الأجور في ألمانيا، متقدمين على القادمين من النمسا والولايات المتحدة وإيرلندا. ويعمل كثير منهم في مهن مجالات العلوم والتكنولوجيا ذات الأجور المرتفعة، كما يلعب مكان العمل دورًا مهمًا في ذلك.
وتشير الدراسة، والتي اعتمدت على تحليل شمل 5,000 عامل يعملون بدوام كامل، بالاستناد إلى بيانات وكالة العمل الاتحادية، إلى أن العاملين القادمين من الهند يتقاضون أعلى الأجور في ألمانيا بمتوسط راتب اجمالي في عام 2024م بلغ نحو 5,393 يورو شهريًا. وجاء بعدهم العاملون من النمسا بمتوسط 5,322 يورو، ثم من الولايات المتحدة بـ 5,307 يورو، ومن إيرلندا بـ 5,233 يورو. في المقابل، بلغ متوسط دخل العاملين الألمان 4,177 يورو، بينما لم يتجاوز متوسط دخل العاملين الأجانب بشكل عام 3,204 يورو.
ويُعزى ارتفاع الدخل إلى أن عددًا كبيرًا من العاملين الهنود يعملون في المهن العلمية والتقنية. إذ يعمل نحو ثلث الهنود الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عامًا بدوام كامل في هذا المجال. وبما أن الطلب مرتفع على الكوادر المتخصصة فيما يُعرف بمهن MINT (الرياضيات، وعلوم الحاسوب، والعلوم الطبيعية، والهندسة)، فإن الأجور في هذه القطاعات تكون مرتفعة بشكل خاص. كما أن سببًا آخر لارتفاع الأجور، سواء لدى القادمين من النمسا أو الولايات المتحدة أيضًا، يتمثل، بحسب معهد الاقتصاد الألماني، في أن العديد من الموظفين يعملون في مراكز حضرية قوية اقتصاديًا تتميز بمستويات أجور أعلى. ومنذ عام 2012م، تسعى الحكومة الألمانية بشكل منهجي إلى استقطاب كوادر متخصصة من دول خارج الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في المهن الأكاديمية ضمن مجالات MINT.
وقال Axel Plünnecke، الخبير في معهد IW، إن الاقتصاد الألماني «لن يكون قادرًا على تحقيق نمو يُذكر في الوقت الراهن من دون الهجرة المؤهلة، لا سيما في مهن MINT وفي مجال القدرة على الابتكار». ووصف هجرة الكفاءات من الهند بأنها “قصة نجاح خاصة”.
وأشارَت الدراسة إلى أن كثيرًا من الهنديات والهنود يدرسون في ألمانيا ثم يبقون فيها بعد ذلك، ويساهمون في الوقت نفسه في البحث العلمي. ووفقًا للدراسة، تضاعف عدد طلبات تسجيل براءات الاختراع المقدمة سنويًا من مخترعين ذوي أصول هندية اثنتي عشرة مرة بين عامي 2000م و2022م.
نمو مفاجئ للصادرات الألمانية في العام 2025م
شهدت الصادرات الألمانية خلال عام 2025م تطورًا إيجابيًا غير متوقع، أنهى عامين متتاليين من التراجع، ووفّر دفعة معنوية لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية. فعلى الرغم من التحديات الجيوسياسية، وتصاعد النزاعات التجارية، وتباطؤ النمو في بعض الأسواق الرئيسية، نجحت ألمانيا في تسجيل نمو سنوي في صادراتها بنسبة واحد في المئة، لترتفع قيمتها الإجمالية إلى نحو 1.567 تريليون يورو. وقد شكّل هذا التحول مفاجأة لخبراء الاقتصاد، الذين كانوا يتوقعون استمرار الاتجاه السلبي للعام الثالث على التوالي.
وتمثل العامل الحاسم في هذه النتيجة الإيجابية في الأداء القوي خلال الأشهر الأخيرة من العام، ولا سيما في ديسمبر، الذي سجّل فيه قطاع التصدير قفزة لافتة. إذ ارتفعت الصادرات في هذا الشهر وحده بنسبة 4 في المئة مقارنة بنوفمبر، لتصل إلى أكثر من 133 مليار يورو، وهو أعلى نمو شهري منذ أكتوبر 2021. وجاء هذا الارتفاع على خلاف التوقعات التي رجّحت زيادة محدودة لا تتجاوز 1 في المئة، ما يعكس تحسنًا مفاجئًا في الطلب الخارجي على المنتجات الألمانية في نهاية العام.
على مستوى التوزيع الجغرافي، أظهرت البيانات تباينًا واضحًا بين الأسواق المختلفة. فقد شكّلت دول الاتحاد الأوروبي المحرّك الأساسي لنمو الصادرات الألمانية في 2025م، حيث ارتفعت الصادرات إلى هذه الدول في ديسمبر بنسبة 3.1 في المئة على أساس شهري، وأسهمت بشكل حاسم في تحقيق الزيادة السنوية الإجمالية. ويعكس ذلك متانة السوق الأوروبية الداخلية مقارنة بالأسواق العالمية الأخرى، واستمرار الترابط القوي بين سلاسل التوريد داخل الاتحاد.
في المقابل، سجّلت الصادرات إلى الدول خارج الاتحاد الأوروبي نموًا أقوى خلال ديسمبر، بنسبة بلغت 5 في المئة، مدفوعة بارتفاع ملحوظ في الصادرات إلى الولايات المتحدة والصين على أساس شهري. فقد زادت الصادرات إلى السوق الأميركية بنسبة 8.9 في المئة في ديسمبر، بينما قفزت الصادرات إلى الصين بنسبة 10.7 في المئة، في إشارة إلى تحسن مؤقت في الطلب من هاتين القوتين الاقتصاديتين رغم التوترات التجارية.
إلا أن هذه الزيادات الشهرية لا تعكس الصورة الكاملة على مدار العام. فعند النظر إلى الحصيلة السنوية، يتبين أن الصادرات الألمانية إلى كل من الولايات المتحدة والصين تراجعت بشكل ملحوظ خلال 2025م، بنسبة 9.3 في المئة لكل منهما. ويُعزى هذا الانخفاض إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها السياسة الجمركية الأميركية المشددة، ولا سيما الرسوم التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي أثّرت بشكل خاص على صادرات السيارات وقطع الغيار، إضافة إلى تباطؤ الطلب الصيني في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية التي تواجهها بكين.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن التحسن في ديسمبر لا يعني بالضرورة تجاوز قطاع التصدير الألماني لجميع مشكلاته البنيوية. فقد أشار خبراء إلى أن قطاع الصادرات لا يزال يعاني مما وصفوه بـ«الرمل في التروس»، في إشارة إلى استمرار العوائق التجارية، وعدم اليقين المرتبط بالسياسات الأميركية، واحتمال ظهور تأثيرات سلبية إضافية نتيجة الرسوم الجمركية خلال الأشهر المقبلة.
بالتوازي مع تطور الصادرات، شهدت الواردات الألمانية هي الأخرى ارتفاعًا معتدلًا. ففي ديسمبر، زادت الواردات بنسبة 1.4 في المئة لتصل إلى نحو 116.2 مليار يورو. ونتيجة لذلك، تقلّص فائض الميزان التجاري الألماني مقارنة بالسنوات السابقة. فقد بلغ الفائض في نهاية ديسمبر 17.1 مليار يورو، مقارنة بنحو 19.8 مليار يورو قبل عام. وعلى مستوى عام 2025م ككل، انخفض فائض الميزان التجاري إلى حوالي 200.4 مليار يورو، بعدما كان قد بلغ 242.9 مليار يورو في 2024م، ما يعكس تراجع الفجوة بين الصادرات والواردات.
رغم هذا الانخفاض في الفائض، لا يزال الميزان التجاري الألماني إيجابيًا بفارق كبير، ما يؤكد استمرار قوة القطاع الصناعي والتجاري، وإن بوتيرة أقل مما كانت عليه في سنوات الذروة. كما تشير الأرقام إلى أن ألمانيا حافظت على مكانتها كإحدى أكبر الدول المصدّرة في العالم، حتى في ظل بيئة اقتصادية دولية تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار.
على صعيد التوقعات، أظهرت استطلاعات الرأي لمعهد ifo تحسنًا نسبيًا في معنويات المصدرين الألمان مع بداية عام 2026م. ومع ذلك، يحذر خبراء المعهد من الإفراط في التفاؤل، مؤكدين أن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة، وأنه لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على انطلاقة قوية ومستدامة خلال الربع الأول من العام الجديد.
ويشير الخبراء الى أن ارتفاع الصادرات الألمانية في عام 2025م يمثل نقطة تحوّل مهمة بعد فترة من التراجع، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى انتعاش قوي وشامل. فقد جاء هذا التحسن مدفوعًا بعوامل ظرفية، في مقدمتها الأداء القوي في نهاية العام وزيادة الطلب داخل الاتحاد الأوروبي، بينما لا تزال الأسواق الكبرى خارج أوروبا تشكّل مصدر قلق. وبينما يمنح هذا التطور الاقتصاد الألماني دفعة أمل، فإن استدامته ستظل مرهونة بتطورات السياسة التجارية العالمية، ومسار العلاقات مع الولايات المتحدة والصين، وقدرة الصناعة الألمانية على التكيّف مع واقع اقتصادي دولي يتسم بتزايد الحمائية وتباطؤ النمو.
الشركات الألمانية ترفع استثماراتها في الصين
عززت الشركات الألمانية حضورها الاستثماري في الصين خلال العام الماضي بشكل واضح، إذ ضخت أكثر من سبع مليارات يورو إضافية في شكل استثمارات مباشرة، وفقًا لتقديرات معهد الاقتصاد الألماني في كولونيا (IW). ويأتي هذا التوسع الاستثماري في وقت تشهد فيه في المقابل فرص التصدير إلى السوق الصينية تراجعًا ملحوظًا.
ويمثل هذا الرقم أعلى مستوى منذ عام 2021م، ويزيد بنحو 50 في المئة مقارنة بعام 2024م، كما أنه يتجاوز المتوسط طويل الأجل للفترة بين 2010م و2024م، والذي بلغ ست مليارات يورو. وقال Jürgen Matthes، رئيس قسم السياسة الاقتصادية الدولية والأسواق المالية والعقارية في معهد IW: “بصورة عامة، تواصل الشركات الألمانية توسيع انخراطها في الصين، وبوتيرة أسرع من السابق”.
في المقابل، تراجعت استثمارات الشركات الألمانية في الولايات المتحدة إلى النصف تقريبًا خلال السنة الأولى من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. فبين فبراير ونوفمبر 2025م انخفضت الاستثمارات المباشرة بنسبة 45 في المئة لتصل إلى نحو 10.2 مليارات يورو، وفقًا لدراسة أخرى لمعهد IW. كما بحث المعهد في كيفية تمويل الاستثمارات الألمانية المباشرة في الصين، وتبيّن أن الجزء الأكبر من هذه الأموال يأتي من أرباح الشركات الألمانية في الصين، والتي أُعيد استثمارها محليًا ولم تُحوَّل إلى ألمانيا. حيث ترغب العديد من الشركات، ولا سيما الكبرى منها، في مواصلة الاستثمار في الصين. وغالبًا ما تستجيب هذه الشركات للضغوط الصينية الرامية إلى نقل سلاسل القيمة بالكامل بشكل متزايد إلى داخل البلاد.
ويعتمد عدد متزايد منها على استراتيجية «الصين من أجل الصين»، أو حتى «الصين من أجل العالم». وقال خبير IW إن هذه الشركات «تلجأ بشكل متزايد إلى مورّدين محليين، وتقلل في المقابل من الاعتماد على التوريدات القادمة من ألمانيا». ويمكن أن يحمي ذلك من الرسوم الجمركية المحتملة وقيود التصدير، كما أن تطوير المنتجات يتم بشكل متزايد داخل الصين، بل ويتم أحيانًا نقل أحدث أنشطة البحث العلمي إلى هناك.
على سبيل المثال، استثمرت مجموعة EBM-Papst، الرائدة عالميًا في تقنيات المراوح، نحو 30 مليون يورو في توسيع موقعها في مدينة شيآن. وقال متحدث باسم الشركة: «نحن نطوّر وننتج حيث يوجد عملاؤنا». ولا تقتصر الأنشطة على التصنيع فقط، بل تشمل أيضًا التطوير المحلي، من الهندسة إلى تكييف المنتجات مع المتطلبات الإقليمية، مما يجعل الشركة «أسرع وأكثر مرونة وأقل اعتمادًا على الاضطرابات العالمية».
ومن المرجح أن ينعكس هذا الاتجاه نحو الإنتاج المحلي على ميزان الصادرات. وشدد Matthes على ان “كل ذلك سيؤدي إلى تقليص فرصنا التصديرية إلى الصين، والتي تعاني أساسًا من تشوهات المنافسة الصينية”. وأشار إلى أن بكين تعتمد على دعم حكومي أكبر بكثير مقارنة بدول أخرى، إضافة إلى أن العملة الصينية (اليوان) مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية مقارنة باليورو. وأضاف: “كلا الأمرين يؤديان إلى جعل الإنتاج الصيني داخل الصين والصادرات منها أرخص بشكل مصطنع وعلى حسابنا”.
وتصبح المشكلة أكبر عندما تستفيد الشركات الألمانية في الصين من الدعم الحكومي المحلي أو يتم جذبها إليه، ما يجعلها تعتمد بشكل أقل على مواقعها داخل ألمانيا. ويوضح Matthes: «لكن الضرر الأكبر يلحق بالصناعة الألمانية عندما يتم تصدير منتجات مصنَّعة بدعم حكومي صيني إلى أوروبا، لأن الوظائف الصينية المدعومة تنافس حينها الوظائف الألمانية بشكل غير عادل».
ألمانيا تفتتح أحد أكبر مشاريع البنية التحتية للذكاء الصناعي في أوروبا
افتتحت شركة Deutsche Telekom مصنعها الجديد للذكاء الاصطناعي في ميونيخ والذي يُعدّ أحد أكبر مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في أوروبا وهو ما يفترض به جعل ألمانيا أكثر استقلالية فعليًا في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي مجمّع مبانٍ في شمال ميونيخ، يكمن تحت الأرض شبكة من كابلات الألياف الضوئية الممتدة لعدة كيلومترات، تتوزع على ستة طوابق نحو 10 آلاف معالج رسومي متخصص، يُعرف باسم وحدات معالجة الرسوميات (GPU – Graphics Processing Units)، القادرة على تنفيذ عدد كبير من العمليات الحسابية بالتوازي. أما أحجام البيانات فهي هائلة: قرابة 20 بيتابايت من سعة التخزين، أي نحو 20 مليون جيجابايت، إضافة إلى ما يقارب بيتابايت واحد من الذاكرة العاملة. وبمثل هذه السعات يمكن، نظريًا، تسجيل تاريخ البشرية بأكمله بدقة 4K، من العصر الحجري إلى عصر تيك توك.
هذه القدرات الحاسوبية لا تستهدف الأفراد، بل الشركات الكبيرة والمتوسطة التي تحتاج بالفعل إلى طاقات ضخمة، مثل صناعات السيارات وصناعة الآلات والمعدات، حيث تُحاكى المنتجات وخطوط الإنتاج بشكل متزايد على هيئة «توائم رقمية». إذ يمكن للذكاء الاصطناعي حساب سلوك المواد، والديناميكا الهوائية، وسلاسل التوريد، واكتشاف الأخطاء مبكرًا وتقليص أزمنة التطوير.
وتفيد تيليكوم بأن القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي في ألمانيا سترتفع بنحو 50 في المئة بفضل مركز البيانات الجديد. وقد استثمرت الشركة قرابة مليار يورو في هذه المرحلة الأولى من التوسّع، حيث توفر البنية التحتية ومركز البيانات والتشغيل. أما العتاد الحاسوبي (Hardware) فيأتي من شركة Nvidia الأميركية لصناعة الرقائق. ويشارك أيضًا شريك آخر هو شركة SAP الألمانية، من بين أمور أخرى لتمكين المؤسسات العامة من الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي.
وسوف تتاح خدمة البيانات التي يقدمها المركز الجديد للعملاء في جميع أنحاء ألمانيا، بهدف تقليل الاعتماد على مزوّدين من خارج أوروبا، مع إتاحة القدرة الحاسوبية ومعالجة البيانات محليًا. وبحسب Timotheus Höttges، رئيس تيليكوم، فإن الصناعة ومكانة ألمانيا الاقتصادية “لا يمكن تصورهما دون الذكاء الاصطناعي”. ووفقًا لتصريحاته، لا يُستخدم في أوروبا سوى نحو 5 في المئة من رقائق الذكاء الاصطناعي عالية الأداء، مقابل 70 في المئة في الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق تُعد منشأة ميونيخ «دفعة إنتاج» حقيقية، إذ تتيح القدرات الجديدة للعديد من الشركات استخدامها في منتجاتها وتطبيقاتها.
وكان المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس، قد أشاد في وقت سابق، بمشروع تيليكوم وNvidia واعتبره خطوة مهمة لتعزيز السيادة الرقمية ودعم مستقبل الاقتصاد الألماني، بينما مثل الحكومة الاتحادية في حفل الافتتاح الذي أُقيم في ميونيخ، كلٌّ من نائب المستشار ووزير المالية لارس كلينغبايل ووزير الرقمنة كارستن فيلدبرغر، الذي وصف الحدث بأنه يوم مهم لألمانيا وأوروبا. كما أكد كلينغبايل أن إنشاء مصنع الذكاء الاصطناعي يبعث رسالة قوية عن متانة الاقتصاد الألماني وقدرته على الحفاظ على سيادته. من جانبه، اعتبر رئيس وزراء بافاريا ماركوس زودر أن المشروع يشكّل بداية قوية لألمانيا في المنافسة الدولية، معربًا عن تفاؤله بإمكانية توسيع المنشأة مستقبلًا، ومؤكدًا أن ذلك سيجعل ألمانيا أكثر قوة.
وتُبدي النخب السياسية ارتياحًا خاصًا لتعهد تيليكوم بالإبقاء على بيانات تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل ألمانيا بالكامل، وبالاعتماد في التشغيل على موظفين من أوروبا فقط. وبالرغم هذه التعهدات، يبقى السؤال المحوري حول مدى استقلال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟ فالمشغّل هو تيليكوم، لكن العتاد يأتي من Nvidia الأميركية، التي تعتمد بدورها على مواد خام نادرة من الصين. ورغم إشادة رئيس تيليكوم Höttges، يوم الافتتاح بـ«بنية تحتية ومنصة خاضعتين للقانون الألماني والأوروبي»، فإنه يعترف بأن وجود “شركة ألمانية مثل Nvidia “، كان سيُعد أمرًا مثاليًا، مضيفًا أن الرقائق الأميركية تمثل «حلًا وسطًا جيدًا».
وتؤكد تيليكوم أنها تستثمر الموقع بأفضل شكل ممكن، لا سيما في مجال الاستدامة: فالمصنع يقع مباشرة على مجرى «Eisbach» المائي في ميونيخ، حيث تُستخدم مياهه للتبريد، فيما يُفترض أن تُستغل الحرارة الناتجة لاحقًا لتدفئة الشقق والمكاتب المحيطة. وإذا ما استخدمت الشركات بالفعل قدرات الذكاء الاصطناعي المتاحة بالكامل، يمكن في المرحلة التالية توسيع المنشأة بإضافة 10 آلاف رقاقة أخرى.