استقر مؤشر مناخ الأعمال للشركات الألمانية الصادر عن معهد «ifo» في شهر يناير2026م، عند 87.6 نقطة وهو نفس المستوى الذي كان عليه المؤشر في ديسمبر الماضي. ولم تتغير قيمة المؤشر صعوداً أو هبوطاً نتيجة تعديل تقييم الشركات الخاصة بالوضع الحالي لأعمالها بشكل طفيف نحو الأفضل، في حين تراجعت التوقعات بمستوى الاعمال خلال الأشهر القادمة قليلًا. وبذلك يبدأ الاقتصاد الألماني العام الجديد دون زخم يُذكر.
في قطاع الصناعة، سجل المؤشر ارتفاعًا ملحوظًا حيث وصل الى مستوى ( -12.2 نقطة) في يناير بعد ان كان في ديسمبر عند مستوى ( -14.6 نقطة). حيث أبدت الشركات رضا أكبر عن سير الأعمال الحالية، كما جاءت التوقعات حول مستقبل الاعمال خلال الأشهر القادمة أقل تشاؤمًا بشكل واضح. في المقابل، انخفض معدل استغلال الطاقات الإنتاجية من 78.1 في المئة إلى 77.5 في المئة، ليبقى دون المتوسط طويل الأجل البالغ 83.2 في المئة.
أما في قطاع الخدمات، فقد تراجع مناخ الأعمال حيث انخفض المؤشر الى مستوى ( -2.6 نقطة) في يناير بينما كان عند مستوى ( -2.1 نقطة) في الشهر السابق، حيث قيمت شركات القطاع الوضع الحالي لأعمالها على أنه أسوأ قليلًا، كما أصبحت التوقعات بمستقبل هذه الاعمال أكثر تشككًا. وفي قطاع الخدمات اللوجستية، تراجع حجم الطلبيات. كما شهد قطاع السياحة بدوره تراجعًا ملحوظًا.
وارتفع المؤشر بشكل واضح في قطاع التجارة، حيث وصل المؤشر في يناير الى مستوى ( -21.1 نقطة) ارتفاعا من مستوى ( -24.6 نقطة) المسجل في ديسمبر. وأعربت الشركات عن رضا أكبر بكثير عن أوضاع اعمالها الحالي، كما كانت التوقعات أقل تشاؤمًا. وقد لوحظ هذا التطور في كل من تجارة التجزئة وتجارة الجملة. ومع ذلك، لا تزال المؤشرات في كلا القطاعين أدنى بكثير من المتوسط طويل الأجل.
كذلك تحسن مناخ الأعمال في قطاع البناء، فقد وصل المؤشر في شهر يناير الى مستوى ( -14.2 نقطة) بينما كان عند مستوى ( -14.9 نقطة) في الشهر الماضي، ويُعزى ذلك إلى تحسن الأوضاع الحالية للأعمال. في المقابل، استمرت التوقعات الخاصة بالأعمال خلال الفترة القادمة دون تغيير.
في جانب أخر، حقق الاقتصاد الألماني في عام 2025م، نمواً للمرة الأولى بعد عامين من التراجع. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي (BIP) بنسبة 0.2 في المئة مقارنة بالعام السابق، وذلك بحسب تقرير لمكتب الإحصاء الاتحادي. ويشير ذلك إلى أن الاقتصاد الألماني بدأ ببطء في الخروج من أزمته المزمنة. غير أن توقعات الخبراء للنمو الاقتصادي للسنوات المقبلة تبقى قاتمة، ما لم تُقدِم الحكومة الاتحادية على إطلاق إصلاحات جوهرية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.
وتقول Sonja Marten، كبيرة الاقتصاديين في بنك DZ: لا ينبغي لمعدل النمو الضعيف نسبيًا للناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي أن يحجب حقيقة وجود مؤشرات على التعافي في الآونة الأخيرة حتى ولو كانت ضعيفة». فقد عاد الاقتصاد الألماني إلى النمو في نهاية عام 2025م بعد أن انكمش في بداية العام ثم دخل مرحلة من الركود. وتضيف Marten: «هناك تحركات ملحوظة خصوصًا في القطاع الصناعي. فقد ارتفعت الطلبات الجديدة بشكل واضح، كما بدأت وتيرة الإنتاج الصناعي في التسارع». وكان مكتب الإحصاء الاتحادي قد أعلن عن ارتفاع قوي ومفاجئ في الطلبات الصناعية خلال شهر نوفمبر الماضي.
وكان الاقتصاد الألماني قد انكمش بنسبة 0.5 في المئة في عام 2024م، وبنسبة 0.9 في المئة في عام 2023م، ولم تشهد جمهورية ألمانيا الاتحادية من قبل فترة ركود اقتصادي طويلة وعميقة إلى هذا الحد. والنتيجة أن مستوى الأداء الاقتصادي اليوم لا يتجاوز إلا بنسبة 0.2 في المئة مستوى عام 2019م، أي قبل جائحة فيروس كورونا. وبحسب Nils Jannsen، من معهد كيل للاقتصاد العالمي (IfW):” فان ست سنوات من دون نمو في الناتج المحلي الإجمالي تُعد حالة فريدة في تاريخ ألمانيا الاتحادية”. ولم يكن أداء الاقتصاد ضعيفًا إلى هذا الحد في أي دولة أخرى من مجموعة السبع، كما كانت ألمانيا في الآونة الأخيرة الأضعف نموًا بين دول الاتحاد الأوروبي.
من جانب اخر يعاني قطاع التصدير إلى جانب الرسوم الجمركية الأميركية، من تزايد المنافسة من شركات صينية جديدة، لا سيما في قطاعي السيارات وصناعة المعدات والآلات. وقالت Ruth Brand، رئيسة مكتب الإحصاء الاتحادي: “واجه قطاع التصدير رياحًا معاكسة شديدة بسبب الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة، وارتفاع قيمة اليورو، واشتداد المنافسة من الصين”. وبسبب هذه الضغوط، انخفضت الصادرات الألمانية في العام الماضي بنسبة 0.3 في المئة، وهو التراجع الثالث على التوالي. وقد كبح قطاع التجارة الخارجية الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.5 نقطة مئوية. كما تراجع فائض التجارة الخارجية، أي الفرق بين الصادرات والواردات، إلى 110 مليارات يورو، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من 20 عامًا، باستثناء العام 2022م بسبب حرب أوكرانيا.
كذلك أحجمت الشركات عن الاستثمار بسبب الوضع الجيوسياسي غير القابل للتنبؤ، في حين زاد التحول الهيكلي في الصناعة من الضغوط على الاقتصاد الألماني. وجاءت دفعة النمو في عام 2025م حصريًا من الطلب الداخلي؛ إذ زادت رغبة الأسر في الاستهلاك نتيجة ارتفاع الأجور واستقرار معدلات التضخم، كما رفعت الدولة من إنفاقها. حيث تغذَّي زيادة الإنفاق الحكومي الآمال في أن يشهد الاقتصاد الألماني نموًا أقوى بشكل ملحوظ خلال هذا العام والأعوام المقبلة. ويقول Sebastian Dullien، من معهد الاقتصاد الكلي وبحوث الدورة الاقتصادية (IMK)، “: سيكون عام 2025م، ولحسن الحظ، آخر عام يشهد مثل هذا الأداء الاقتصادي الضعيف». وأضاف: «من المتوقع أن تبدأ آثار الصندوق الخاص بالبنية التحتية وحماية المناخ، إلى جانب ارتفاع الإنفاق الدفاعي، في إظهار تأثيرها الإيجابي على النمو خلال العام الجاري». ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يحقق الاقتصاد الألماني نموًا يتراوح بين 0.9 في المئة و1.2 في المئة هذا العام.
غير أن هذا النمو الأقوى نسبيًا يعود بدرجة كبيرة إلى عوامل استثنائية، ويتم تمويله عبر زيادة الديون الحكومية. إذ إن وقوع العديد من الأعياد الرسمية في عطلة نهاية الأسبوع هذا العام يؤدي تلقائيًا إلى زيادة عدد أيام العمل وبالتالي رفع معدل النمو. وعند احتساب هذا الأثر إلى جانب زيادة الاستثمارات الحكومية، قد يُعزى ما يصل إلى 0.7 نقطة مئوية من نمو عام 2026م إلى هذين العاملين وحدهما. وبالتالي، يظل نمو الاقتصاد الذاتي ضعيفًا. وتقول Geraldine Dany-Knedlik، رئيسة قسم التوقعات الاقتصادية في المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (DIW): “ان التعافي أضعف بكثير مقارنة بمراحل الانتعاش السابقة. فبعد عامين من الانكماش، نرى استقرارًا، لكننا لا نشهد انطلاقة قوية بعد».
من جانبه، أنتقد Alexander Krüger، كبير الاقتصاديين في بنك Hauck Aufhäuser Lampe، غياب استراتيجية سياسية واضحة «لتمكين ألمانيا من الصمود في عالم متغير». فلا يزال الاتحاد الأوروبي، برأيه، بلا رد فعّال على السياسة الصناعية العدوانية للصين، رغم دعوات متزايدة من اقتصاديين لاتخاذ موقف أكثر حزمًا ضد الممارسات التجارية غير العادلة لبكين. كما يقف الاتحاد الأوروبي عاجزًا نسبيًا أمام سياسة الرسوم الجمركية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
سوق العمل: ارتفاع البطالة في ديسمبر و46 مليون إجمالي عدد العاملين عام 2025م
مع بدء العطلة الشتوية، ارتفع عدد العاطلين عن العمل في ديسمبر 2025م، بمقدار 23,000 ليصل إلى 2,908,000 شخص. وارتفع معدل البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية ليصل إلى 6.2 في المئة. وبالمقارنة مع ديسمبر من العام الماضي، زاد عدد العاطلين عن العمل بمقدار 101,000 شخص. كما ارتفع معدل البطالة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق بمقدار 0.2 نقطة مئوية.
وصرحت Nahles Andrea، رئيسة مجلس إدارة وكالة العمل الاتحادية (BA)، تعليقا على تطورات سوق العمل في ديسمبر بالقول «لا يزال سوق العمل يفتقر إلى الزخم الاقتصادي. ولذلك استمرت حالة الضعف التي يعيشها السوق حتى نهاية العام».
وفيما يتعلق ببرنامج العمل بدوام جزئي فقد بلغ عدد الموظفين الجدد المسجلين في البرنامج خلال الفترة من 1 حتى 29 ديسمبر نحو 41,000 شخص. وبحسب أحدث البيانات حول العدد الإجمالي للموظفين المستفيدين من البرنامج حتى أكتوبر 2025م، فقد بلغ حوالي 203 ألف موظف وهو ما يمثل زيادة قدرها 15,000 موظف عن الشهر السابق، لكنه أقل بـ 56,000 مقارنة بأكتوبر من العام الماضي. وبلغ عدد الوظائف الشاغرة المسجلة لدي وكالة العمل الاتحادية في ديسمبر، 619,000 وظيفة شاغرة، أي أقل بـ 35,000 وظيفة مقارنة بالعام السابق.
في سياق متصل بلغ اجمالي عدد المشتغلين في ألمانيا في عام 2025م نحو 46 مليون شخص، أي أقل بنحو 5 آلاف شخص مقارنة بعام 2024م. وبهذا لم يرتفع عدد الموظفين والعمال خلال العام الماضي للمرة الأولى منذ جائحة كورونا. وكان عام 2024م قد سجّل أعلى عدد من المشتغلين منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990م. وبذلك يكون الاتجاه الإيجابي المستمر منذ عام 2021م، قد انتهى. وكان آخر تراجع قد سُجِّل في عدد العمال في عام 2020م، عام جائحة كورونا.
وشهد عام 2025م تطورات متباينة بين القطاعات: فبحسب مكتب الإحصاء انخفض عدد العاملين في القطاع الصناعي بشكل واضح بمقدار 143 ألف شخص ليصل إلى 7.9 ملايين عامل، وفي قطاع البناء تراجع عدد المشتغلين بنحو 23 ألفًا ليصل إلى 2.6 مليون. كما انخفض عدد المشتغلين في قطاعي الزراعة والغابات، وهو اتجاه مستمر منذ سنوات.
في المقابل، سجل القطاع العام وقطاعات التعليم والصحة زيادة قدرها 205 آلاف موظف، وكان لقطاع الصحة النصيب الأكبر من هذا النمو. كذلك ارتفع عدد المشتغلين في قطاعي الخدمات المالية والتأمين. أما مقدمو خدمات الشركات المهمة للدورة الاقتصادية فقد قاموا بتقليص العمالة: ففي مجال العمل المؤقت (العمالة المؤجرة) كان هناك 64 ألف موظف أقل مقارنة بعام 2024م، وفي قطاع المعلومات والاتصالات تراجع العدد بنحو 10 آلاف. وفي قطاعات التجارة والنقل والضيافة، انخفض عدد المشتغلين بشكل طفيف فقط بنسبة 0.1 في المئة. ووفقًا لمكتب الإحصاء الاتحادي، يعمل ثلاثة من كل أربعة أشخاص في ألمانيا في قطاع الخدمات.
ويرجع مكتب الإحصاء أسباب هذا الاستقرار، إلى جانب ضعف الوضع الاقتصادي، إلى التأثيرات المتزايدة للتغير الديموغرافي. فمع خروج أجيال ما بعد الحرب ذات المواليد المرتفعة من سوق العمل، يدخل عدد أقل من الشباب إلى سوق العمل. وفي الوقت نفسه، استمر تدفق العمالة الأجنبية، كما ازدادت مشاركة النساء وكبار السن في الحياة العملية.
دول بحر الشمال تقرّ حزمة استثمارية لطاقة الرياح
شهدت مدينة هامبورج انعقاد مؤتمر دول بحر الشمال والذي بحث في سبل تأمين إمدادات طاقة مستقلة لأوروبا. وقد اتفقت الدول المشاركة في القمة والتي تضم الى جانب ألمانيا كلًا من بلجيكا، الدنمارك، فرنسا، بريطانيا، إيرلندا، لوكسمبورغ، هولندا، النرويج، والمفوضية الأوروبية وللمرة الأولى آيسلندا وبالتعاون مع شركات صناعة طاقة الرياح البحرية ومشغّلي شبكات نقل الكهرباء، على حزمة استثمارية لتوسيع إنتاج طاقة الرياح في بحر الشمال. وتنص الاتفاقية التي وقّعها وزراء الطاقة خلال القمة، من بين أمور أخرى، على ربط مزارع الرياح البحرية بشبكات كهرباء تمتد إلى عدة دول مطلة على بحر الشمال. وفي الوقت نفسه، سيتم منح قطاعي طاقة الرياح وشبكات الكهرباء ضمانات تخطيطية واستثمارية من خلال الاستمرار في طرح مناقصات لطاقة الرياح البحرية في بحر الشمال لما بعد عام 2030م. وفي المقابل، تلتزم الصناعة بخفض ما يُعرف بتكاليف إنتاج الكهرباء بنسبة 30 في المئة بحلول عام 2040م. كما سيتم استثمار 9.5 مليارات يورو في طاقات إنتاجية جديدة في أوروبا حتى عام 2030م، إضافة إلى خلق 91 ألف فرصة عمل جديدة.
وبحسب وزارة الاقتصاد الألمانية، بلغ حجم طاقة الرياح البحرية المولدة في ألمانيا عام 2024م نحو ثمانية جيجا وات ويوجد حاليًا نحو 1,600 توربين رياح قبالة السواحل الألمانية، ومن المخطط إضافة آلاف أخرى حتى عام 2050م. ووفقاً لبيانات قطاع الطاقة، بلغت مساهمة مزارع الرياح البحرية في تغطية استهلاك الكهرباء في ألمانيا العام الماضي نحو 5 في المئة. وبشكل عام، غطّت مصادر الطاقة المتجددة قرابة 56 في المئة من استهلاك الكهرباء في ألمانيا العام 2025م، وكان النصيب الأكبر لطاقة الرياح البرية، تليها الطاقة الشمسية. كذلك أعلنت رابطة الرياح الأوروبية «ويند يوروب»، أنه يمكن حاليًا تزويد نحو 32 مليون أسرة في أوروبا بالكهرباء من طاقة الرياح البحرية، وقد يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 330 مليون أسرة عند بلوغ قدرة 300 جيجا وات بحلول عام 2050م.
في غضون ذلك شهدت عملية إنشاء توربينات الرياح البرية في ألمانيا تقدمًا ملحوظًا خلال العام الماضي. حيث أعلن كل من الاتحاد الألماني لطاقة الرياح (Bundesverband Windenergie) واتحاد VDMA Power Systems أن عام 2025م، كان ثاني أفضل عام من حيث التوسع. ووفقًا لذلك، ارتفعت القدرة الجديدة المركبة لطاقة الرياح بأكثر من 50 في المئة مقارنة بالعام السابق. ودخلت الخدمة 958 توربينة رياح جديدة بقدرة إجمالية بلغت 5.2 جيجاوات. وبسبب إيقاف تشغيل بعض المحطات القديمة في الوقت نفسه، بلغ صافي الزيادة نحو 4.6 جيجاوات. وتوجد فروق واضحة في التوزيع الإقليمي، إذ تم ربط أكبر عدد من توربينات الرياح الجديدة بالشبكة في ولاية شمال الراين–ويستفاليا، تلتها ولايتا ساكسونيا السفلى وشليسفيغ–هولشتاين، بينما سُجل أقل عدد من الإضافات في ولايتي سارلاند وبافاريا.
وفيما يتعلق بالتراخيص، تم تسجيل رقم قياسي جديد، سواء من حيث عدد توربينات الرياح التي حصلت على موافقات جديدة بنحو 3300 طلب تمت الموافقة عليها، أو من حيث القدرة الإجمالية المصرح بها. فقد تمت الموافقة في عام 2025م على مشاريع بقدرة إجمالية بلغت نحو 20.8 جيجا وات، أي بزيادة تقارب 50 في المئة. وفي الوقت نفسه، انخفضت المدة اللازمة بين منح الترخيص وبدء توربينات الرياح في تغذية الشبكة بالكهرباء لأول مرة إلى نحو عام ونصف.
ورغم ذلك، أنتجت توربينات الرياح في العام الماضي 106.5 مليارات كيلووات/ساعة من الكهرباء، أي أقل مما كان عليه الحال في عام 2024م. ويُعزى هذا التراجع، البالغ نحو خمسة في المئة، إلى فصل ربيع استثنائي اتسم بقلة الرياح. ومع حصة بلغت 24 في المئة، ظلت طاقة الرياح البرية أهم مصدر لتوليد الكهرباء في ألمانيا. ومع ذلك، قد لا تتحقق الأهداف المنصوص عليها في قانون الطاقة المتجددة هذا العام، إذ ينص القانون على الوصول إلى قدرة مركبة تبلغ 84 جيجا وات بحلول عام 2026م، في حين بلغت القدرة المركبة بنهاية عام 2025م نحو 68 جيجا وات فقط. وتتوقع الاتحادات إضافة ما بين 8 و8.5 جيجا وات خلال هذا العام، في حين يتطلب تحقيق الهدف السنوي مضاعفة هذا الرقم.
وقال Dennis Rendschmidt، المدير التنفيذي لاتحاد بناء منشآت الطاقة VDMA Power Systems، إن طاقة الرياح تواصل اكتساب أهمية متزايدة في نظام الطاقة الألماني، إلا أن التهديدات الأمنية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية، آخذة في الازدياد بشكل ملحوظ. ويشمل ذلك أمن المنشآت من الناحيتين المادية والرقمية، وكذلك مسألة الوصول إلى المنشآت الحيوية من قبل الشركات المصنعة. وأكد أن الأمر يتعلق بحماية المصالح الأمنية الوطنية. وطالب Rendschmidt بسياسات موثوقة من جانب الحكومة لمواصلة التوسع في طاقة الرياح، في إشارة إلى خطط وزيرة الاقتصاد الاتحادية كاترينا رايشه، التي أعلنت نيتها خفض تكاليف التحول في مجال الطاقة، ومن ذلك إشراك مشغلي منشآت الطاقة المتجددة مستقبلاً في تمويل توسعة شبكات الكهرباء.
من جانبها، قالت Bärbel Heidebroek، رئيسة الاتحاد الألماني لطاقة الرياح، إن قطاع الرياح قام بواجبه، إلا أن توسعة الشبكات لا تزال متأخرة. واعتبرت أن تكييف التوسع في طاقة الرياح سيكون المسار الخاطئ. وكانت رايشه قد تحدثت عن «توسعة للشبكات تتناسب مع الاحتياجات»، إلا أن Heidebroek أوضحت أن الوصول إلى الشبكة بالنسبة للمشاريع الجديدة أصبح أكثر صعوبة، مع وجود فترات انتظار طويلة وقلة في توفر نقاط الربط.
وعلى الصعيد الأوروبي، تُعد ألمانيا نموذجًا رائدًا في توسيع طاقة الرياح، إذ لم يتم في أي دولة أوروبية أخرى إنشاء هذا العدد من توربينات الرياح الجديدة مؤخرًا. وفي المقابل، لا يزال الاتحاد الأوروبي متأخرًا بشكل واضح عن أهدافه في مجال طاقة الرياح. ووفقًا لبيانات الاتحادات المتخصصة، تم في القارة الأوروبية، برًا وبحرًا، إنشاء توربينات رياح بقدرة إجمالية تُقدّر ما بين 17 و18 جيجا وات خلال العام الماضي، وفق تقديرات أولية. وأكد اتحاد WindEurope أن هذا الرقم «أقل بكثير مما تحتاجه أوروبا»، علمًا بأن من المقرر أن تشكل الطاقات المتجددة بحلول عام 2030م نسبة 42.5 في المئة من إجمالي استهلاك الطاقة في الاتحاد الأوروبي.
نقص المساكن يعرقل الخروج من الركود الاقتصادي
تعاني ألمانيا من نقص حاد في المساكن يُقدَّر بنحو 1.4 مليون وحدة سكنية، وهو أعلى مستوى يصل إليه هذا العجز حتى الآن. ويؤثر هذا النقص بشكل خاص على الشباب وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، كما يساهم في إبطاء التعافي من الأزمة الاقتصادية.
وأوضحت دراسة أعدها معهد Pestel، بعنوان ” مؤشر السكن الاجتماعي “، بتكليف من تحالف السكن الاجتماعي، الذي يضم اتحاد المستأجرين الألمان، ونقابة البناء IG Bau، وجمعية البناء بالطوب والإسكان، إلى جانب منظمات أخرى. ان النقص في المساكن في ألمانيا قد وصل الى هذا الرقم القياسي مع نهاية عام 2024م. ولا توجد مؤشرات على تحسّن الوضع في السنوات المقبلة، وأوضح Matthias Günther، كبير خبراء الاقتصاد في المعهد، أن عدد المساكن الجديدة المتوقع بناؤها في المستقبل القريب لن يتجاوز 200 ألف وحدة سكنية سنويًا، أي حوالي نصف الاحتياج الفعلي.
ووفقًا للدراسة، فإن نحو نصف ما يزيد عن 23 مليون أسرة مستأجرة في ألمانيا يحق لها الحصول على شهادة استحقاق السكن الاجتماعي، في حين لا يتوافر على مستوى البلاد سوى نحو مليون وحدة من المساكن الاجتماعية. ولذلك يجب أن يكون الهدف مضاعفة هذا العدد على الأقل. ويضاف إلى ذلك أن بناء المساكن الاجتماعية الجديدة يشهد حالة من الجمود، إذ لم يُبنَ في العام الماضي سوى نحو 220 ألف مسكن جديد. وقد وُصف هذا التطور بأنه «خطير للغاية».
وبحسب الدراسة، أصبح نقص المساكن عائقًا حقيقيًا أمام النمو الاقتصادي. فغياب انتعاش واضح في قطاع البناء السكني يحدّ من قدرة البلاد على جذب المهاجرين إلى سوق العمل، ويجعل تجاوز ضعف النمو الاقتصادي أمرًا صعبًا. كما انتقدت الدراسة آلية الدعم الاتحادي الحالية، واعتبرتها أحد الأسباب الرئيسية لتعثر بناء مساكن جديدة، إذ تقوم الحكومة الاتحادية بصرف مخصصات الإسكان الاجتماعي على أقساط تمتد لخمس سنوات. وهذا الأسلوب يُجبر الولايات على تمويل المشاريع مسبقًا من ميزانياتها، ما يؤدي إلى تباطؤ تنفيذ مشاريع الإسكان الاجتماعي.
وتشير الدراسة إلى أن الفئتين الأكثر تضررًا من هذا التطور هما الشباب حتى سن 25 عامًا وكبار السن. فقد أصبح الشباب، مثل المتدربين والطلاب والخريجين الجدد، «فئة مهمشة» في سوق السكن. ففي كثير من الحالات لا تُبرم عقود تدريب مهني لأن الشباب لا يجدون سكنًا ميسور التكلفة، بينما يضطر الطلاب إلى إنفاق ما معدله 53 في المئة من ميزانيتهم الشهرية على السكن وحده. أما كبار السن، ولا سيما جيل «طفرة المواليد»، فسيغادرون سوق العمل في السنوات المقبلة، وكثير منهم لن يتقاضوا سوى معاشات تقاعدية محدودة لا تكفي لتحمل تكاليف مساكنهم الحالية، ما يفرض عليهم أحيانًا الانتقال القسري. وقد وُصف ذلك بأنه «تهجير كبار السن من المدن» بسبب أزمة السكن، وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على مدن مثل هامبورغ وميونيخ، بل أصبحت مشكلة متزايدة للأسر المسنة في أنحاء واسعة من البلاد.
كما رصد «مؤشر السكن الاجتماعي» وجود «إقصاء في سوق السكن» بحق الأشخاص ذوي الإعاقة. ولمواجهة ذلك، دعت الدراسة إلى اعتماد حصص مخصصة لهم عند توزيع المساكن الاجتماعية، بل ومنحهم أولوية مؤقتة في إجراءات الاختيار. وأشار تحالف السكن الاجتماعي إلى أن هذا الإجراء سيساعد أيضًا فئات أخرى تكاد تكون فرصها معدومة في معظم أسواق السكن، مثل الأشخاص الذين يعانون من مشكلات الإدمان.
ومن حيث الأرقام المطلقة، تتصدر ولايتا شمال الراين–ويستفاليا وبافاريا، وهما الأكبر من حيث عدد السكان، قائمة العجز السكني، حيث كان ينقص الأولى نحو 376 ألف مسكن بنهاية عام 2024م، والثانية نحو 233 ألف مسكن. ويقدر معهد Pestel إجمالي الاحتياج من المساكن حتى عام 2030م بما يصل إلى 2.4 مليون وحدة سكنية جديدة. وطالب تحالف السكن الاجتماعي بإبرام ميثاق بين الحكومة الاتحادية والولايات لدعم قطاع الإسكان، ولا سيما بناء مزيد من المساكن الاجتماعية.
أثار الرسوم الجمركية الأمريكية على الاقتصاد الألماني بعد عام من رئاسة ترامب
كان العام الأول من الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب موسومًا بسياسة جمركية صارمة. وقد طالت هذه السياسة ألمانيا أيضًا، حيث تقول Lisandra Flach، مديرة مركز التجارة الخارجية في معهد ifo للأبحاث الاقتصادية: “لقد مثلت الرسوم الجمركية الأمريكية صدمة سلبية للاقتصاد الألماني”. وبحسب دراسة للمعهد فأن استمرار السياسة الحمائية للولايات المتحدة سيقلّص الأداء الاقتصادي الألماني على نحو دائم بنحو 0.13 في المئة. وتضيف Flach: «قد يبدو ذلك قليلًا، لكنه كثير، لأن الاقتصاد الألماني مرّ بسنوات من الانكماش».
ووفقًا للدراسة أيضاً، يُحتمل أن تكون الرسوم الجمركية الأمريكية قد كبحت نمو الاقتصاد الألماني في العام الماضي بنحو 0.3 نقطة مئوية، وقد تصل هذا العام إلى 0.6 نقطة مئوية. وقد لا يبدو ذلك خطيرًا، لكنه يعادل تقريبًا الأثر الذي يتوقعه معهد ifo من حزمة الاستثمارات الضخمة التي أقرتها الحكومة الاتحادية للبنية التحتية والدفاع، وكذلك من خطط تخفيف الأعباء عن الاقتصاد.
وقد شكّلت السياسة الجمركية للولايات المتحدة عبئًا كبيرًا بشكل خاص على المصدّرين الألمان حيث تراجعت صادرات السلع الألمانية إلى الولايات المتحدة خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من عام 2025م بنسبة 9.4 في المئة، لتصل إلى 135.8 مليار يورو. وفي المقابل، أعلن مكتب الإحصاء الاتحادي أن الواردات من الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 2.2 في المئة لتبلغ 86.9 مليار يورو. وبذلك انخفض فائض الصادرات الألمانية في التجارة مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى إلى 48.9 مليار يورو، وهو أدنى مستوى له منذ عام جائحة كورونا 2021م. وللمقارنة، كان قد بلغ في الفترة نفسها من عام 2024م، مستوى قياسيًا قدره 64.8 مليار يورو.
وكانت صناعة السيارات الألمانية هي الأكثر تضررًا من سياسة ترامب الجمركية: إذ تراجعت صادرات السيارات وقطع الغيار من يناير إلى نوفمبر بنسبة 17.5 في المئة، لتصل إلى 26.9 مليار يورو.
كما انخفض تصدير الآلات بنسبة 9.0 في المئة ليبلغ 24.1 مليار يورو. أما صناعة الأدوية فقد تمكنت من الحفاظ على مستويات التصدير، حيث ارتفعت بنسبة 0.7 في المئة لتصل إلى 26.2 مليار يورو. كما فقدت الولايات المتحدة موقعها الذي حصلت عليه في عام 2024م، كأهم شريك تجاري لألمانيا لصالح الصين مجددًا. وبلغ حجم التبادل التجاري مع جمهورية الصين الشعبية، أي إجمالي قيمة الصادرات والواردات، خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من العام الماضي نحو 230.8 مليار يورو.
وبوجه عام، تبدو الآفاق المستقبلية لصناعة التصدير الألمانية محدودة التفاؤل إلى حد ما. حيث يؤكد Sebastian Dullien، المدير العلمي لمعهد IMK، أن “السوق الأمريكية لن تكون في المستقبل المنظور سوق نمو للمصدّرين الألمان، بل تحولت إلى نشاط عالي المخاطر”. كذلك وبسبب السياسة التجارية المتقلبة للولايات المتحدة، لم تعد الشركات قادرة على التخطيط بشكل موثوق، وهذا ما انتقده أيضًا Alexander Krüger، كبير الاقتصاديين في بنك «Hauck Aufhäuser Lampe» الخاص. وقال: “قضية جرينلاند تُظهر أن السياسة التجارية الأمريكية تُستخدم بشكل متزايد لتحقيق أهداف جيوسياسية”. وبناء على هذا يتوقع معهد ifo كذلك أن تنخفض الصادرات إلى الولايات المتحدة على المدى المتوسط بنسبة 15 في المئة. وستتضرر بشكل خاص القطاعات الأساسية في الصناعة الألمانية، إذ تقول Flach: “60 في المئة من الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة تتركز في السيارات والآلات والصناعات الدوائية”.
وعلى الرغم من توقيع المفوضية الأوروبية اتفاق جمركياً مع الولايات المتحدة تفرض بموجبة واشنطن رسوماً جمركية عامة بنسبة 15 في المئة على معظم المنتجات القادمة من الاتحاد الأوروبي. بينما يخضع الصلب والمنتجات المصنوعة من الصلب أو التي تحتوي عليه لرسوم جمركية تبلغ 50 في المئة. الا ان هذا الاتفاق يتعرض لانتقادات واسعة من خبراء كُثر. اذ ربما قد يكون الاتفاق حال دون ما هو أسوأ، الا ان منتقدوه يرون أن بروكسل قدمت في المقابل تنازلات بعيدة المدى، مثل السماح باستيراد السيارات الأمريكية إلى أوروبا دون رسوم جمركية.
ويطالب خبراء منذ أشهر بضرورة أن يُبرم الاتحاد الأوروبي بسرعة اتفاقيات تجارة حرة جديدة مع دول ومناطق أخرى من العالم. ويصف معهد ifo توقيع اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور بأنه خطوة أولى مهمة. وإذا ما تلت ذلك خطوات سريعة أخرى، يرى الخبراء فرصًا كبيرة للاقتصاد الألماني: إذ أظهرت دراسة لمعهد ifo أن اتفاقيات تجارة حرة جديدة مع سبعة شركاء تجاريين مهمين يمكن أن تعوّض ليس فقط الآثار السلبية للسياسة الجمركية الأمريكية، بل قد تفوقها إيجابيًا. وفي هذه الحالة، قد تنمو الصادرات الألمانية رغم الرسوم الأمريكية بنسبة تصل إلى 4.1 في المئة. غير أن تحقيق ذلك لن يكون مهمة سهلة، إذ إن إبرام مثل هذه الاتفاقيات قد يستغرق سنوات عديدة.